توفي ابنها في عمر ست سنوات

لمحة نيوز

دلوقتي، وعيشك الوهم ده عشان يضمن إن يوسف يفضل تحت إيده ك مخزن متحرك لأي عملية يطلبها الزبائن الكبار.
يوسف كان بيبص للصور بذهول، وبعدين بص لي وعيونه مليانة دموع يعني إنتي مش ماما؟ يعني أنا ماليش حد؟
وكأني بحاول أثبت للعالم إن الأمومة مش بس دم وعرق، الأمومة وجع وسهر وحب. أنا أمك يا يوسف.. أنا اللي ربيت وأنا اللي دمعت وأنا اللي واجهت الموت عشانك.. مش هسيبك، والله ما هسيبك.
بس يا مدام سمر، الظابط قطع اللحظة بصوت هادي، أهله الحقيقيين لسه عايشين. ناس بسيط حالهم انقطع من يوم ما ابنهم اختفى، ومن حقهم
يعرفوا.. ومن حق القانون يرجع الحق لأصحابه.
في اليوم ده، جالي محامي من طرف العيلة الحقيقية. كان راجل وقور، بص لي بشفقة وقال إحنا مقدرين اللي عملتيه عشان يوسف، وإنتي فعلاً بطلة.. بس الأب والأم اللي هناك بيموتوا كل يوم في السنة ألف مرة. هما مش عايزين يحرموكي منه، بس عايزين حقهم في ابنهم.
اتفقنا على مقابلة.. مقابلة تبادل الأرواح.
رحت المكان، وكان قلبي بيتعصر. شفت ست ملامحها باهتة من كتر العياط، وراجل شعره شاب قبل أوانه. أول ما شافوا يوسف، الست وقعت على ركبها وهي بتصرخ باسمه القديم عمر! يا حبيبي يا عمر!
يوسف استخبى ورايا، كان خايف.. بالنسبة له دول ناس غريبة، وأنا الأمان الوحيد. الست قربت وهي بترتعش، وطلعت لعبة صغيرة قديمة كانت شايلاها من 6 سنين.. فاكر دي يا حبيبي؟ دي كانت معاك وأنت في اللفة.
يوسف بدأ يقرب منها ببطء، وكأن فيه ذاكرة خفية في دمه بدأت تصحي. المشهد كان يقطع القلب، كنت واقفة في النص، بين حقي اللي عشته، وبين حقهم اللي اتسرق منهم.
فجأة، تليفون الظابط رن، وشه اتغير وبص لي بنظرة مرعبة.
سمر.. كريم هرب!
هرب إزاي؟ ده كان في الترحيلات!
الظابط بزعيق عربية
الترحيلات اتعرضت لهجوم مسلح، وقتلوا العساكر وهربوا كريم وعادل.. المنظمة مش هتسيبهم يتكلموا، أو كريم هرب عشان يخلص المهمة اللي بدأها.
الخوف رجع ينهش فيا تاني. كريم هرب، وده معناه إنه هيدور على يوسف.. أو عمر. هو عارف إن الولد هو الكنز اللي هيشتريه بيه حريته من المنظمة بره مصر.
بصيت للأم الحقيقية وقلت لها بسرعة لازم نمشي من هنا.. كريم مش هيسيبنا في حالنا.
واحنا خارجين
من البيت، سمعنا صوت ضرب نار بره. كريم مكنش هربان عشان يستخبى، كريم كان جاي ياخد بضاعته الأخيرة قبل ما يختفي للأبد.
الظابط طلع سلاحه وأمرنا نستخبى تحت الترابيزات. شفت كريم من ورا الإزاز، وشه كان متشوه وضخم، وماسك رشاش في إيده وهو بيصرخ هاتوا الولد! سمر.. اطلعي بالولد وإلا هحرق المكان باللي فيه!
بصيت ليوسف، وبعدين بصيت للأم اللي كانت ماسكة فيه، واتخذت قرار.. أغرب وأخطر قرار في حياتي.
وقفت ورفعت إيدي أنا هخرجلك يا كريم.. بس سيب الناس دي تمشي.
حكايات رومانى مكرم
خرجت من ورا الساتر وخطواتي كانت ثابتة رغم إن ركبي كانت بتخبط في بعض. كريم أول ما شافني، ضحكته البشعة ملأت المكان، ضحكة واحد خسر كل حاجة ومبقاش عنده
حاجة يبكي عليها.
كنت عارف إنك هتيجي يا سمر.. طول عمرك قلبك هو اللي بيسوقك للهلاك، قالها وهو بيقرب والرشاش متوجه لصدري.
وقفت بعيد عنه بمسافة كافية، وبصيت في عينيه بمنتهى القوة أنت عايز الولد ليه يا كريم؟ اللعبة انتهت، المنظمة اللي أنت شغال معاها مابقتش موجودة، عادل اتقبض عليه والسراديب اتكشفت.. أنت بتجري ورا سراب.
كريم وشه اتشنج وصوته بقى زي الرعد الولد ده هو تذكرتي للخروج! فيه ناس بره مستنية الأمانة ومستعدة تدفع ملايين عشان تهربني.. هاتي يوسف يا سمر، هاتي النسخة اللي فضلت من حياتي القذرة.
يوسف مش ابنك يا كريم.. أنت عارف وأنا عرفت. أنت سرقت عمره وسرقت مشاعري.. كفاية لحد كده.
في اللحظة دي، شفت الظابط أحمد بيتحرك ببطء من ورا كريم، كان بيحاول ياخد وضعية قنص. كان لازم أشغل كريم أكتر، كان لازم أخليه ينسى الدنيا كلها ويركز معايا أنا بس.
فاكر أول يوم جبته فيه البيت؟ قلتها بنبرة هادية فجأة، كنت بتقولي ده رزقنا.. أنا صدقتك، حبيت الكذبة لدرجة إني كنت بموت عشان أحميها. أنت محرمتنيش من ابني بس، أنت حرمتني من نفسي.
كريم صرخ بجنون بس! مش عايز أسمع صوتك! اطلعي هاتي الولد وإلا
هضرب النار على الكل!
بدأ يرفع الرشاش ناحية الباب اللي ورايا، المكان اللي مستخبي فيه يوسف وأهله الحقيقيين. قلبي وقف، وبدون تفكير رميت نفسي عليه. مسكت في دراعه اللي ماسك السلاح بكل قوتي وأنا بصرخ اجري يا يوسف! اجري يا أحمد!
كريم كان أقوى مني بكتير،
ضربني بظهر السلاح في راسي وقعت على الأرض والدم غطى عيني. شفته وهو بيوجه الرشاش للباب وصباعه بيضغط على الزناد..
وفجأة.. دوي رصاص ملأ المكان.
بس مش رصا. ص كريم.
الظابط أحمد ضرب طلقة واحدة سكنت في كتف كريم، خلت السلاح يقع من إيده. كريم صرخ ووقع على ركبه وهو بيلهث. المنظمة اللي كانت بعتاه عشان تهربه، كانت هي اللي بتمطر المكان رصاص من بعيد! الظاهر إنهم قرروا يخلصوا من الطرف الضعيف عشان ميسيبش وراه أي دليل يوصل ليهم.
العساكر بدأت ترد على مصدر الضرب لبره، وأحمد سحبني بسرعة لورا الساتر وهو بيضرب نار. كريم كان زاحف في نص الصالة، بين نار الشرطة ونار المنظمة اللي خانته.
بص لي كريم وهو بينزف، وفي اللحظة الأخيرة من حياته، ملامحه هديت بشكل غريب. طلع من جيبه سلسلة صغيرة كان يوسف بيلبسها وهو صغير، رماها ناحيتي وهو بيكح دم خدي.. دي فيها.. فيها رقم حساب.. بره.. خليه ليوسف..
أنا.. أنا كنت...
مكملش الجملة. رصاصة تانية جت في صدره، وسكت كريم للأبد.
خلص ضرب النار بعد دقايق كانت كأنها سنين. القوة قدرت تصفي القناصة اللي بره، والمكان بقى هدوء مرعب، مبيقطعوش غير صوت عياط يوسف المكتوم من جوه.
قمت بصعوبة وأنا ساندة على الحيطة، رحت لكريم.. الراجل اللي عشت معاه سنين وفي الآخر طلع غريب وشيطان. بصيت لوجهه الميت، محستش بشماتة، حسيت بس بوجع على السنين اللي ضاعت في الوهم.
الظابط أحمد قرب مني وحط إيده على كتفي انتهى يا سمر.. الكابوس انتهى بجد.
يوسف خرج جري عليا،أنا ببكي. بصيت للأم الحقيقية اللي كانت واقفة بعيد، عيوننا اتقابلت. هي كانت شايفة فيا الست اللي حمت ابنها بجد، وأنا كنت شايفة فيها الحق اللي لازم يرجع.
سمر.. الست قربت مني ومسكت إيدي، أنا مش هاخده منك وأمشي.. إحنا دلوقتي عيلة واحدة. عمر أو يوسف له أمين، مش أم واحدة.
ابتسمت وسط دموعي، وأنا عارفة إن الجروح لسه هتاخد وقت عشان تلم، بس على الأقل.. الحقيقة بقت واضحة زي الشمس.
لكن وأنا بلم السلسلة اللي كريم رماها، لاحظت إن ورا السلسلة فيه نقش صغير قوي.. نقش لجمجمة تانية، وجنبها حرف واحد S.
قلبي انقبض.. هل 
S دي معناها سمر؟ ولا فيه طرف تالت لسه برا اللعبة ومحدش يعرف عنه حاجة؟
وقفت
قدام القبر رقم 7 للمرة الأخيرة، بس المرة دي مكنش فيه خوف ولا
ضلمة. الشمس كانت طالعة بتغسل المكان بنورها، والرخام اللي كان بيخبي تحته أسرار الموت، بقى مجرد حجر ملوش قيمة.
فتحت السلسلة اللي كريم سابها لي، ولقيت ورا حرف ال S ورقة صغيرة جداً مكتوب فيها سامحيني يا سمر.. السلسلة دي مش فلوس، دي الدليل اللي هيقفل القضية للأبد.
الحرف مكنش اسمي، كان كلمة Secret السر. 

الورقة كان فيها شفرة لموقع إلكتروني عليه كل تسجيلات المنظمة، وصور الشخصيات الكبيرة اللي كانت بتدير تجارة الأعضاء من ورا الستار. كريم في لحظته الأخيرة، قرر إنه ميموتش شيطان كامل، ساب لي السلاح اللي ههدم بيه المعبد فوق رؤوسهم كلهم.
سلّمت الدليل للنيابة، وخلال أيام، البلد كلها اتهزت من حجم الاعتقالات. رؤوس كبيرة وقعت، والمنظمة اللي كانت فاكرة إنها فوق القانون، اتفتتت تحت إيد العدالة.
الحكمة من الحكاية
قعدت أنا ويوسف اللي بقى اسمه يوسف عمر على شط النيل. كانت جنبه أمه الحقيقية وأبوه، وبقينا فعلاً عيلة واحدة غريبة ومترابطة.
بصيت ليوسف وقلت له عارف يا حبيبي، الوجع ساعات بيكون هو الطريق الوحيد عشان نشوف النور.
الحكمة اللي خرجت بيها من كل السنين دي
1. الأمومة مش دم، الأمومة مواقف الأم هي اللي بتدي الأمان مش اللي بتدي الاسم بس. يوسف بقى له قلبين بيخافوا عليه، وده كان تعويض ربنا لينا كلنا.
2. الكذب مهما طال عمره، الحقيقة ليها صوت كريم بنى قصر من الأوهام، بس في الآخر وقع القصر فوق دماغه. مفيش سر بيفضل مدفون، والأرض دايماً بترفض تشيل الظلم جواها.
3. الوجع بيصنع القوة لولا الوجع اللي عشته، مكنتش هقدر أقف قدام الرصاص وأحمي يوسف. ساعات ربنا بيمتحنا بالخوف عشان يخرج من جوايا شجاعة إحنا نفسنا مكناش نعرف إننا نملكها.
4. النهايات هي بدايات تانية كنت فاكرة إن حياتي انتهت يوم ما يوسف مات، بس الحقيقة إن حياتي الحقيقية بدأت يوم ما واجهت موته بشجاعة وعرفت أرجعه للحياة.
بصيت للسما وخدت نفس عميق، وحسيت إن الحجر اللي كان واقف في زوري داب للأبد. مكنتش محتاجة أعيش على ذكرى طفل مات، لأني بقيت عايشة مع طفل اتولد من جديد من رحم المعاناة.
تمت الحكاية، بس حكايات الحياة مابتخلصش،

وكل وجع وراه حكمة، وكل ضلمة
وراها نور مستني اللي يسعى له.

تم نسخ الرابط