أبنائي طردوني وباعوا بيتي… لكنهم لم يعرفوا أنني كنت أملك سرًا سيقلب حياتهم رأسًا على عقب

لمحة نيوز

أكبر من أن تتخيله.
وفي الليلة الثامنة حدث ما لم أتوقعه.
كان هناك طرق على البوابة.
ركض طفل صغير إلى الداخل وهو يصيح أمي! هناك زائر يسأل عن امرأة اسمها ليلى!
توقف قلبي.
تجمدتُ في مكاني. لم يكن أحد هنا يعرف ذلك الاسم. ولا حتى ماما أمينة.
خرجتُ ببطء ونظرتُ من وراء الستار.
كان يوسف، أصغر أبنائي.
كان وجهه منتفخًا، وقميصه متسخًا. بدا أنحف وأكثر شيخوخة.
لم يرني، بل كان يتحدث فقط إلى حارس البوابة.
قال إنها أمي. أرجوك. أحتاج أن أراها. لقد لقد ارتكبنا خطأ.
تحولت ساقاي إلى ماء.
لقد جاء؟
كيف عرف مكاني؟
ولماذا الآن؟
تراجعتُ إلى الخلف. ونظرت إليّ ماما أمينة بدهشة هذا ابنك؟
أومأتُ ببطء.
سألت وماذا ستفعلين؟
ابتلعتُ الغصّة وقلت لا أدري.
لكن في داخلي كانت الحرب قد بدأت.
راقبتُ يوسف وهو يجلس خارج البوابة ساعاتٍ طويلة.
ومن وراء الستار رأيته يبكي. ويتحدث إلى نفسه. ويتوسّل في الهاتف لا أعرف أين هي يا نادين! أقول لكِ إنني رأيتها! لكنها لا تخرج!
بدا كأنه عاد طفلًا. صغيري يوسف، الذي كان يجلب لي الزهور بعد المدرسة. والذي بكى يوم ماتت قطته.
لكن كل ما كنتُ أراه الآن هو الخيانة.
ومع ذلك قلبي آه يا قلب الأم تصدّع.
أشحتُ بوجهي. عاد الألم، يشتعل في صدري كالنار.
قالت ماما أمينة برفق أحيانًا، أكثر من يجرحوننا هم أكثر من يحتاجون إلى النجاة.
هززتُ رأسي وقلت لكن ماذا لو لم يأتِ إلا لأنه يريد شيئًا آخر من جديد؟
لم تجب.
ولم تكن بحاجة إلى جواب.
فأنا كنتُ أعرف.
وفي وقتٍ متأخر من تلك الليلة كتبتُ رسالة وطيّتها في هدوء.
يوسف،
إن كنت صادقًا في ندمك، فلتكن أفعالك أبلغ من دموعك.
المرأة التي كنتَ تعرفها رحلت.
لكن لعلّك لعلّك إن كنتَ حقًا تطلب الغفران، ستجدها.
يومًا ما.
أعطيتُ الرسالة للفتى الذي عند البوابة.
وهمستُ له
أعطه إياها حين يستيقظ.
لأنني بحلول الصباح سأكون قد رحلت.
من جديد.
استيقظ يوسف يرتجف على المقعد البارد خارج بوابة دار الأيتام. كانت عصافير الصباح تزقزق كأن شيئًا لم يحدث، لكن جسده كان يؤلمه، من صلابة الإسمنت، ومن الجوع، ومن ثقل الندم الذي صار يلاحقه كظل.
وحين جلس منتصبًا، ناوله طفل صغير ورقة مطوية.
قال الصغير قال أحدهم إن عليّ أن أعطيك هذه.
ارتجفت أصابع يوسف وهو يفتحها. وما إن وقعت عيناه على الكلمات، حتى عادت دموعه.
يوسف،
إن كنت صادقًا في ندمك، فلتكن أفعالك أبلغ من دموعك.
المرأة التي كنتَ تعرفها رحلت.
لكن لعلّك لعلّك إن كنتَ حقًا تطلب الغفران، ستجدها.
يومًا ما.
ضمّ الرسالة إلى صدره ثم قبّلها وهو يبكي.
وقال أمّاه أنا آسف
أما أنا، فقد كنتُ قد رحلت بالفعل.
بلدة أخرى. غرفة مستأجرة أخرى. واسمٌ آخر. تركتُ حياتي الماضية خلفي، لكنها كانت تجرّ سلاسلها خلفها أينما ذهبت.
ومع ذلك، كان أمامي عمل كثير.
اشتريتُ قطعة أرض باسم شركة لا يستطيع أحد تتبعها. وكانت الخطة واضحة بناء شقق للإيجار، وقاعة مناسبات، وملجأ للنساء اللواتي يشبهنني؛ أمهات تُركن خلف الجميع، مهجورات، مجروحات.
لم أكن أعيد بناء حياة فحسب.
كنتُ أبني إرثًا.
لكن جزءًا مني ظلّ يتألم من أجل يوسف. هو وحده. لا الآخرون. كان هو من اغرورقت عيناه بالدمع حين طُردت. وكان الوحيد الذي بدا وكأنه يريد أن يتكلم لكنه لم يفعل.
وحتى الآن، كنتُ أتساءل
هل كان الشعور بالذنب هو ما دفعه للبحث عني؟
أم كانت الحاجة واليأس؟
وفي مكان بعيد، في البيت الذي كان يومًا بيتي، صار الخراب هو السيد الجديد.
أُلقي القبض على أدهم، ابني الأكبر، بسبب تعثره في سداد قرض. ورفع المالك الجديد للبيت قضية. وفُصلت منى من عملها بعد أن زوّرت مستندات محاولةً استرجاع البيت. أما نادين،
زوجة ابني، فحزمت أمتعتها ورحلت وهي تصرخ بأنها لم تتزوج الفقر.
تفرّقوا جميعًا.
إلا يوسف.
عاد يوسف إلى البيت يحمل رسالتي. فوجد غرفة الجلوس شبه فارغة. الكراسي بيعت. والستائر اختفت. وكان صدى ما كان يومًا بيتًا يطارد الجدران.
جلس في مكاني القديم وبكى بكاء الصبي الذي فقد أمه إلى الأبد.
دخلت منى وهي تهمس بحدّة وماذا الآن؟ وجدتها؟
أومأ ببطء وأراها الرسالة.
اختطفتها منه وقرأتها ثم ضحكت بمرارة.
قالت بانفعال إنها تلعب بعقلك. انسَ تلك المرأة العجوز. لدينا مشاكلنا الخاصة.
وقف يوسف.
وقال لا. أنتم لديكم مشاكلكم. أما أنا فقد كانت لي أم، وخنتها.
ثم خرج.
وكان ذلك آخر عهد منى به.
وفي بلدتي الجديدة بدأت امرأة تُدعى الخالة أمينة تساعدني في تسجيل مؤسسة خيرية. وأطلقتُ عليها اسم
ماما ما زالت تتنفس.
لأنني فعلًا كنت ما أزال أتنفس.
ساعدتُ النساء على النهوض من جديد. ودفعتُ رسوم الدراسة لأطفال الأحياء الفقيرة. وأرسلتُ الطعام إلى الأرامل المنسيات كل عطلة أسبوعية.
كان كل وجهٍ ألمسه بالرحمة يلتئم معه جزء من روحي المكسورة.
لكن في إحدى الأمسيات حدث أمر غريب.
وصلني ظرف.
من غير طابع. ومن غير اسم. تُرك فقط عند بوابتي.
وكان بداخله صورة ليوسف
واقفًا أمام بيتي القديم
وفي يده وردة واحدة
ومعها ورقة كُتب فيها ببساطة
ما زلتُ أبحث عنك يا أمّاه. لا عن المال. ولا عن البيت.
بل عنكِ أنتِ.
أسقطتُ الصورة.
ولم تتوقف يداي عن الارتجاف.
قلتُ لنفسي ألا أهتم. وأنها ربما تكون حيلة. وأنهم جميعًا سيعودون حالما يعرفون أنني لم أعد فقيرة.
لكن في الزاوية العميقة من قلب الأم في داخلي
كنتُ أتمنى أن يكون الأمر حقيقيًا.
وبعد ليلتين استيقظتُ من حلم. كان زوجي، سامي، واقفًا إلى جواري فيه. ابتسم وقال
المغفرة لا تعني الضعف. بل تعني أنكِ انتصرتِ.

استيقظتُ وأنا أبكي.
لكنها لم تكن دموع الحزن.
بل كانت كالمطر بعد جفافٍ طويل.
ومع ذلك، كنتُ بحاجة إلى اليقين.
إن كان يوسف حقًا يقصد ما يقول، وإن كان قد تغيّر فعلًا، فسوف يجدني مرة أخرى.
لكن هذه المرة، لا مصادفة.
ولا بالتوسّل.
بل عليه أن يستحقّ حقّ أن يناديني أمي مرة أخرى.
لذلك تركتُ دليلًا واحدًا. دليلًا وحيدًا.
أعطيتُ الخالة أمينة رسالة مختومة وقلتُ لها إذا جاء يومًا شاب اسمه يوسف يسأل عني، فأعطيه هذه.
بدت عليها الدهشة. أتثقين به؟
حدّقتُ في البعيد وقلت لستُ متأكدة بعد. لكنني أريد أن أؤمن من جديد.
وفي تلك الليلة، بينما كان القمر يرتفع في السماء استقلّ يوسف حافلة.
إلى لا مكان.
إلى مكان ما.
إلى أي مكانٍ قد يقوده إليّ من جديد.
لكنه لم يكن يعلم ما الذي ينتظره.
لأن شخصًا آخر كان يبحث عني أيضًا.
ونواياه لم تكن حبًا.
كان الهواء في ذلك الصباح غريبًا.
لم يحمل رائحة أمل بل إنذارًا فقط.
كنتُ أجلس على مقعدٍ خشبي أمام
المبنى غير المكتمل الذي كان سيصبح ملجأ للنساء. وكان العمّال قد توقفوا لتناول الغداء. راقبتهم وهم يضحكون، ويمزحون، ويسكبون الماء على الإسمنت الساخن. كان ينبغي أن يبعث ذلك في نفسي ابتسامة. لكن شيئًا ما كان يلتوي في صدري.
كان ظلّ يلاحقني منذ أيام.
ليس الظل الذي تراه بعينيك
بل ذاك الذي تشعر به في روحك.
تجاهلتُ الأمر ووقفتُ عائدة إلى شقتي الصغيرة المستأجرة.
ثم رأيته.
طويلًا. أسمر. أكبر سنًا قليلًا. واقفًا في الجهة المقابلة من الطريق، يحدّق نحوي مباشرة.
تجمّدتُ.
انحبس نفسي في حلقي.
لم أر ذلك الوجه منذ واحد وعشرين عامًا.
فؤاد.
أخو زوجي.
أخو سامي الأصغر.
ذلك الذي قال لي يومًا في وجهي يوم يموت سامي سترين قيمتك الحقيقية.
كان قد اختفى بعد جنازة زوجي.
والآن ها هو، حيًّا، يبتسم بعينين
لا تحملان أي فرح.
قلتُ بصوت مرتجف ماذا تفعل هنا؟
عبر الطريق ببطء وقال أنتِ تبنين يا ليلى. في صمت. وفي خفاء. لكنكِ نسيتِ أن بعض الأشباح لا
تم نسخ الرابط