ظنت أن ابنتها ستضعها في دار المسنين… لكن المفاجأة التي كانت تنتظرها غيّرت كل شيء
— قبل سبعة أشهر وجدت هذا المنزل معروضًا للبيع. كان يحتاج إلى إصلاحات، لكنه كان يملك شيئًا ذكّرني ببيتنا: الشرفة، شجرة البلوط، المطبخ الكبير. تحدثت مع ديفيد، وبعنا شقة المدينة واستخدمت مدخراتي. كما أخذت قرضًا عقاريًا. كنت آتي في عطلات نهاية الأسبوع لأصلحه بمساعدة كل هؤلاء.
وأشارت إلى الأشخاص على الشرفة. رفع الرجل الطويل يده مبتسمًا، وبدأ الطفلان يقفزان لأنهما لم يعودا قادرين على حفظ السر.
— لم أرد أن آخذك إلى مكان غريب — تابعت ليزا — أردت أن أعيدك إلى البيت. إلى بيت لا تكونين فيه وحدك، لكنك تبقين نفسك.
شعرت مارغريت بأن العالم يصبح ضبابيًا.
— بعتِ شقتك؟
أومأت ليزا.
— وأنا أيضًا انتقلت. ديفيد والأطفال هنا منذ أسبوع. الجناح الخلفي لنا. أما جناح الطابق الأرضي المطل على الحديقة فهو لك. بلا سلالم. مع حمام مجهز. ومع كرسيك الأزرق قرب النافذة، لأنني نعم، أخذته قبل أن تعترضي. ومع رف لكتبك. المطبخ الكبير مشترك، رغم أنني أخبرتهم أنك أنت من تديرينه.
فتحت مارغريت فمها وأغلقته كأنها تتحدث لغة نسيتها فجأة.
— لكن بيتي…
— لم أبعه — قالت ليزا بسرعة — أجرته لمدة عام لزوجين لطيفين يعتنيان بالحديقة. إن أردت يومًا أن تعودي لرؤيته سنذهب. وإذا قررت بعد بضعة أشهر أنك تكرهينني بسبب هذه المفاجأة، سنعيد التفكير معًا. لا شيء مغلق بالمفتاح يا أمي. لا شيء.
عندها بدأت مارغريت تبكي.
لم تبكِ بأناقة. ولم تبكِ بصمت. بكت وكتفاها يرتجفان ويدها تغطي فمها كأن الحزن كله قد يندفع فجأة. بكت خوف الأسابيع الماضية، وخجلها من أنها ظنت أن الحب قد ينفد عندما يُحتاج إليه أكثر، وبكت من أجل جورج الذي لم يكن هناك ليرى
ليزا دون استعجال. كما كانت تفعل عندما كانت مريضة. كما كانت تفعل عندما كانت مراهقة تدّعي أنها لا تحتاج إلى عزاء لكنها تقبله. كابنة لم تنسَ أولًا.
— سامحيني — همست مارغريت بين الدموع — ظننت… ظننت الأسوأ.
— أعلم — قالت ليزا وهي تقبّل صدغها — والذنب ذنبي لأنني كنت متحفظة جدًا. أردت أن تكون مفاجأة. لم أتخيل فقط أنها قد تخيفك أيضًا.
ركض الطفلان نزولًا من الشرفة.
— جدتي! تعالي لنريك غرفتك! — صاحت الكبرى، فتاة ذات نمش في العاشرة.
— والحديقة! — أضاف الصغير وهو يشد برفق كم مارغريت.
اقترب ديفيد بخطوات هادئة. كان دائمًا رجلًا طيبًا، من الذين يتكلمون قليلًا لكنهم حاضرون كثيرًا. قبّل مارغريت على خدها.
— مرحبًا بك في البيت يا مارغريت — قال بصوته الهادئ — وآمل أن تسامحيني على مشاركتي في عملية الاختطاف.
ضحكت ضحكة مبللة وغير مصدقة.
— يعتمد الأمر على المطبخ.
— كنت أخشى ذلك.
ساعدوها جميعًا على النزول من السيارة. حملت ليزا الحقيبة. أمسكت الحفيدة الكبرى بيدها الحرة. وهكذا، تقريبًا دون أن تشعر، صعدت مارغريت درجات الشرفة الثلاث كما لو أنها تعبر لا مدخل بيت، بل حدًا فاصلًا بين الخوف وشيء يشبه السلام كثيرًا.
في الداخل كانت رائحة الخبز الطازج والخشب المصقول والطلاء الجديد تملأ المكان. كانت هناك صور مؤطرة فوق الطاولة في المدخل: صورة لجورج يحمل ليزا على كتفيه؛ وأخرى لمارغريت وهي تمسك شهادة تخرج ابنتها من التمريض؛ وصورة حديثة يعانقها فيها الحفيدان في عيد الميلاد وهما يرتديان قبعات مضحكة على شكل
— لم أرد أن تصلي إلى مكان لا يتحدث عنك — قالت ليزا وهي تراها تنظر إلى الصور — لذلك جلبت أشياء من البيت القديم، قدر ما استطعت دون أن تشكي كثيرًا.
ساروا في الممر حتى الجناح الخلفي. كان الباب يفتح على غرفة مشرقة فيها سرير واسع، وغطاء مرقع، وكرسيها الأزرق قرب نافذة كبيرة، ورفوف منخفضة مليئة بكتبها، وعلى الخزانة المصباح الخزفي الذي فاز به جورج مرة في سحب في البلدة وكان يميل دائمًا قليلًا إلى اليسار.
وضعت مارغريت يدها على صدرها.
— جلبت أيضًا صندوق الخياطة — قالت ليزا بخجل خفيف من كثرة التفاصيل — ولوحة البحيرة. وطقم الشاي الخاص بأيام الأحد، رغم أن ديفيد يقول إنه يبدو كقطعة متحف وقلت له إن رأيه لا يهم.
اقتربت مارغريت ببطء من النافذة.
في الخارج كانت هناك حديقة صغيرة تحدها حجارة فاتحة، وفيها شجرتا ورد صغيرتان ومقعد خشبي تحت شجرة البلوط. كان على المقعد لوحة صغيرة.
اقتربت بما يكفي لتقرأها من خلف الزجاج.
إلى مارغريت، التي علمتنا أن البيت يُبنى بالصبر لا بالجدران.
لم تكن لديها دموع جديدة، لكنها شعرت بموجة أخرى من العاطفة تعبر جسدها بقوة.
— ليزا… لماذا فعلتِ كل هذا؟
وقفت ابنتها عند العتبة، تنظر إليها بتلك المزيج من الحب والحياء الذي كان يميزها منذ طفولتها، كأن المشاعر العميقة تخجلها قليلًا.
— عندما جئت إلى بيتك وأنا في السابعة كنت أظن أن الأمر مؤقت — قالت أخيرًا — كنت أظن أنه إذا تصرفت جيدًا ربما يسمحون لي بالبقاء قليلًا. أنت أول شخص لم يجعلني أشعر أنني مستعارة. أبدًا. ولا مرة واحدة. والآن وقد احتجتِ إليّ، لم أكن لأرسلك إلى مكان مناسب ومريح يعتني بك فيه غرباء. أردت أن أرد لك،
نظرت إليها مارغريت طويلًا.
رأت الطفلة ذات العينين الجادتين. والمراهقة التي كانت تغلق الأبواب بقوة عندما تتألم. والمرأة المتعبة بعد نوبات العمل الطويلة في المستشفى. والأم التي، رغم طفلين وقرض عقاري وإرهاق لا يخفى، أعادت ترتيب حياة كاملة حتى لا تشيخ هي وحدها.
فتحت ذراعيها.
اقتربت ليزا وتركت نفسها في حضنها.
— لم تكوني يومًا مستعارة — همست مارغريت — كنتِ ابنتي منذ اليوم الأول.
— وأنت ما زلتِ أمي — قالت ليزا وهي تبكي أيضًا.
في تلك الليلة تناولوا العشاء جميعًا في المطبخ الكبير. كان هناك حساء وخبز ساخن وفطيرتان مختلفتان لأن الأطفال لم يستطيعوا الاتفاق، وزجاجة نبيذ فتحها ديفيد «احتفالًا بافتتاح السلام العائلي». وبعد العشاء جلست مارغريت تراقب حركة البيت: الأطفال يتجادلون حول من سيُريها الحديقة أولًا في الصباح، وليزا ترتب الأطباق بألفة سعيدة، وديفيد يجفف الكؤوس، ومصباح غرفة الطعام يلقي ضوءًا دافئًا فوق الطاولة.
فهمت أن ذلك لم يكن نهاية استقلالها.
بل شكلًا آخر من أشكال الانتماء.
وفي وقت لاحق، في غرفتها، أفرغت الحقيبة الصغيرة فوق السرير. أخرجت ألبومات الصور وخاتم الزواج والكتب ووشاحًا صوفيًا قديمًا. وفي القاع كانت صورة لم تتذكر أنها وضعتها هناك: ليزا في السابعة من عمرها في حديقة البيت القديم تحمل إبريق سقي كبيرًا بكلتا يديها وتنظر إليها خارج إطار الصورة بتعبير جاد ومنتبه، كأنها منذ ذلك الحين كانت تتعلم كيف تعتني بما تحبه.
ابتسمت مارغريت.
ثم وضعت الصورة على الطاولة قرب السرير، وأطفأت المصباح واستَمعت إلى همهمة البيت من حولها: خطوات خفيفة، ضحكة
وللمرة الأولى منذ شهور كثيرة، نامت دون خوف.