اختفى الأب وابنته في إجازة غامضة… وبعد 15 عامًا وصلت رسالة قلبت كل شيء!

لمحة نيوز

غطّت لورديز فمها بيدها. بدا أن الغرفة كلها تميل. خمسة عشر عامًا من الانتظار لإشارة، لحلم بعودة مستحيلة، وها هي أول أخبارهما تأتي محمّلة بالخوف من فقدانهما مرة أخرى.
في أسفل الرسالة كان هناك عنوان مكتوب بضغط شديد، كما لو أن رامون أراد أن يتأكد أنه لن يُمحى أبدًا.
إن بقي في قلبك شيء من الحب لهذا الرجل الجبان، تعالي. لا أعلم كم من الوقت بقي لي. تالا تستحق أن تعود إليك حتى لو لم أتمكن أنا من ذلك.
سامحيني إن استطعتِ.
رامون.
قرأت لورديز الرسالة ثلاث مرات تلك الليلة. في المرة الثالثة لم تعد تبكي كما في البداية؛ بل كانت ترتجف بطريقة مختلفة، بقوة يائسة تشبه الأمل حين ينهض بعد سنوات من الدفن. لم يكن هناك شيء في العالم سيمنعها من الذهاب.
في صباح اليوم التالي طلبت إجازة مفتوحة من المدرسة. ظن زملاؤها أنها فقدت عقلها حين أعلنت، بعينين منتفختين وصوت مكسور، أنها ستسافر بحثًا عن زوجها وابنتها. تبادل بعضهم النظرات المشفقة، وحاول آخرون إقناعها بالتراجع، مذكرينها بعمليات الاحتيال والرسائل المزيفة والمقالب القاسية. لكن لورديز لم تعد مستعدة لسماع كلمات الحذر.
وضعت في حقيبة صغيرة تبديلين من الملابس، ومدخراتها كلها التي كانت مخبأة في علبة بسكويت، والصورة العائلية التي التقطت قبل تلك العطلة، والفستان الأصفر الصغير الذي احتفظت به لتالا طوال خمسة عشر عامًا. لم تكن تعلم لماذا تحمله معها؛ ربما لأنها كانت بحاجة إلى لمس شيء حقيقي من ابنتها بينما العالم يعود ليفتح أبوابه.
كان السفر طويلًا. من كيزون سيتي إلى باغيو، ثم إلى طرق تضيق أكثر فأكثر،
حيث كان الضباب يعانق الجبال، والهواء تفوح منه رائحة الصنوبر الرطب والتراب القديم. كانت كل منعطفة تضغط على صدرها. تنظر إلى العنوان مرارًا وتكرارًا، تخشى أن تصل فلا تجد شيئًا أو أسوأ من ذلك أن تصل متأخرة.
كانت القرية مخبأة بين الجبال، كأنها قررت ألا تنتمي تمامًا إلى بقية العالم. بيوت خشبية، دجاج يتجول بحرية، أطفال حفاة يركضون في الضباب. نزلت لورديز من سيارة النقل وقلبها يخفق بعنف. كان شيخ يجلس أمام متجر صغير يراقبها بفضول.
قالت بصوت أجش
أبحث عن رامون دي لا كروز وعن فتاة اسمها تالا.
توقف الرجل عن مضغ التبغ.
هل أنتِ لورديز؟
شعرت أن ركبتيها ستنهاران.
نعم.
أومأ ببطء وأشار إلى ممر موحل يصعد نحو بيت منعزل قرب شجرة كبيرة.
وصلتِ في الوقت المناسب تمتم.
ركضت لورديز دون أن تهتم بالطين الذي لطخ ثوبها، ولا بالألم في صدرها، ولا بالهواء البارد الذي يقطع وجهها. عندما وصلت كان الباب مواربًا. في الداخل كانت رائحة الأعشاب المغلية والخشب الرطب والدواء الرخيص.
ثم رأتها.
من الخلف أولًا. طويلة، نحيلة، شعرها الأسود مجدول في ضفيرة طويلة. كانت تنحني فوق طاولة تعصر قطعة قماش في دلو. وعندما سمعت الخطوات استدارت.
توقفت لورديز عن التنفس.
لقد فعلت السنوات فعلها، لكنها لم تستطع محو الطفلة التي بقيت في ذاكرتها. نفس العينين الواسعتين، نفس انحناءة الفم، نفس الشامة الصغيرة قرب الحاجب الأيسر.
سقطت قطعة القماش من يد الفتاة.
أمي؟
كانت الكلمة بالكاد همسًا، لكنها كانت كافية.
فتحت لورديز ذراعيها وهي تبكي بكاءً حملته في صدرها خمسة عشر عامًا. ركضت تالا
نحوها وتعانقتا بعنفٍ يائس حتى لم تستطيعا الوقوف جيدًا. سقطتا على ركبتيهما متشبثتين ببعضهما، تبكيان دون كلام، كأنهما تخشيان أن يفسد أي تفسير هذا المعجزة.
لمست لورديز وجهها وشعرها وكتفيها غير مصدقة.
دعيني أراك يا إلهي تالا طفلتي
ظننت أنك لن تتعرفي عليّ بكت الفتاة.
كنت سأعرفك بين آلاف.
ضحكت تالا ضحكة مبللة بالدموع تشبه ضحكتها وهي طفلة. ثم أمسكت بيد أمها وقادتها إلى الغرفة الخلفية.
كان رامون مستلقيًا على سرير
ضيق، مغطى ببطانية رمادية. بدا أكبر بكثير مما تسمح به خمسة عشر عامًا. نحيلًا، جلده مصفر، لحيته منثورة بالشيب. لكنه كان هو. عرفت لورديز ذلك حتى قبل أن يفتح عينيه.
وعندما رآها عند الباب، مرّ على وجهه ظل من الدهشة والارتياح.
لولو همس، مستعملًا اللقب الذي لم ينطقه أحد منذ اختفائه.
وضعت لورديز يدها على فمها. لسنوات تخيلت تلك اللحظة مليئة بالغضب والعتاب والأسئلة. لكن أمامه، وهو بهذا الضعف، لم تشعر إلا بثقل الوقت المسروق.
اقتربت ببطء.
نعم أنا هنا جئت.
بكى رامون بصمت.
لم أظن لم أعتقد أنني أستحق أن تأتي.
ربما لا قالت وهي تجلس قربه لكن ابنتنا تستحق أن نكون نحن الثلاثة هنا.
بقيت تالا إلى جانبهما تمسك البطانية بأصابع مرتجفة.
كانت الأيام التالية مزيجًا غريبًا من الفرح والألم والترميم. استمعت لورديز إلى قصة الأعوام الطويلة من فم رامون، وإلى طفولة تالا المقسومة بين الانتظار والتأقلم مع حياة لم تكن لها.
نقلوه لاحقًا إلى مستشفى في باغيو. أكد التشخيص الأسوأ سرطان متقدم.
عاش رامون ما يكفي ليراهما تضحكان معًا صباحًا في مقهى المستشفى.
ظل يراقبهما طويلًا بسلام لم تعرفه لورديز في وجهه منذ سنوات.
وفي تلك الليلة طلب أن يتحدث معهما.
قال بصوت متعب
لم يبق في عمري ما يكفي لأعوضكما لكن يكفي لأقول الحقيقة عشت من أجلها، واستمررت في التنفس من أجلك. طوال هذا الوقت، الشيء الوحيد الذي أبقاني حيًا هو تخيلي أنك ستنظرين إليّ مرة أخرى حتى لو كان ذلك بكراهية.
ضغطت لورديز شفتيها حتى لا تبكي.
لا أكرهك حاولت لكنني لم أستطع.
أمسكت تالا بيدي الاثنين وضمهما فوق الغطاء.
إذن لن نتحدث بعد الآن وكأننا ما زلنا ضائعين.
مات رامون بعد يومين، عند الفجر، بينما كانت المطرات تضرب نوافذ المستشفى بالحزن نفسه الذي رافق وصول الرسالة.
دفنوه في القرية بين الجبال.
وبعد شهر عادت لورديز وتالا معًا إلى كيزون سيتي.
البيت الذي كان ضريحًا طوال خمسة عشر عامًا عاد يمتلئ بالخطوات. وقفت تالا طويلًا أمام غرفة طفولتها التي لم تجرؤ أمها على لمسها.
قالت همسًا
احتفظتِ بكل شيء.
أجابت لورديز
لم أعرف ماذا أفعل سوى أن أنتظرك.
عانقتها تالا من الخلف.
لم تعودي مضطرة للانتظار وحدك بعد الآن.
ومع مرور الوقت تغير البيت. لم تعد الغرفة متحفًا لذكريات طفلة، بل غرفة امرأة شابة تتعلم أن تعيش في مدينة كان يجب أن تكون وطنها منذ البداية.
كانت لورديز أحيانًا تضع طبقًا إضافيًا على المائدة بدافع العادة. ثم تتوقف وتنظر إليه بصمت.
فتبتسم تالا بحزن هادئ وتقول
اتركيه يا أمي هكذا جيد.
هو يعرف أين يجدنا.
وبدأت لورديز أخيرًا تصدق أن ذلك صحيح.
لأن تلك الرسالة المفاجئة لم تحمل أخبار الماضي فحسب، بل فتحت باب حياة ظنت أنها ضاعت
إلى الأبد حياة لا يختفي فيها الألم، لكنه يفسح أخيرًا مكانًا للعودة.

تم نسخ الرابط