خرج من دار الأيتام بكيسٍ أسود… وبعد أشهر قلب الطاولة على شركة بمليون بيزو!
المحتويات
عزله عن العالم.
تابوت من صفيح.
وقفت أمامه طويلا.
كان يمكنني أن أضحك.
كان يمكنني أن أبكي.
كان يمكنني أن أستدير وأعود أدراجي.
لكنه كان لي.
وهذه الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل قدمي ثابتتين في مكانهما.
أخرجت المفتاح القديم من جيبي. كان ثقيلا باردا خشنا. أدخلته في القفل. قاومني. كأن المستودع نفسه لا يريد أن يفتح. أدرته بقوة أكبر حتى شعرت بعروق يدي تشد. صرخ المعدن صرخة حادة ثم صدر صوت طق.
ذلك الصوت الصغير.
كان أجمل صوت سمعته في حياتي.
فتحت الباب ببطء. تحرك على مفصلاته بصوت احتكاك طويل وكأن الزمن نفسه ينزلق. ضربتني رائحة الرطوبة والزمن والحديد المعتق في وجهي. كان الداخل مظلما تقريبا إلا من شعاع ضوء يتسلل من شق في السقف يسقط مثل إصبع ذهبي على نقطة محددة في المنتصف.
هناك كان شيء موضوع بعناية.
صندوق خشبي.
لم يكن ملقى بإهمال. لم يكن مدفونا تحت الغبار. كان في منتصف المساحة كأنه ينتظرني.
تقدمت نحوه ببطء وكأنني أخشى أن يتلاشى إن اقتربت بسرعة. ركعت أمامه ورفعت الغطاء.
في الداخل مرطبانات زجاجية من تلك التي تستخدم لحفظ الطعام. لوهلة ظننت أنها مليئة بفواكه محفوظة أو حبات فاصولياء قديمة.
لكنها لم تكن خوخا.
كانت لفافات من أوراق نقدية مربوطة بأربطة مطاطية قديمة مضغوطة داخل القش.
مددت يدي ببطء. التقطت مرطبانا. ثقيل.
آخر. ثقيل.
وثالث.
جلست على الأرض الخرسانية دون أن أشعر. شعرت أن الأرض تميل وأن الهواء صار أثقل.
وبكيت.
لم يكن بكاء فرح فقط. كان بكاء سنوات. بكاء على أبي الذي رحل على أمي التي لم تمهلنا الحياة على السنوات التي عشتها أتعلم كيف أكون قويا لأن لا أحد سيتطوع ليكون قويا عني. بكيت على يد ماريانا الممدودة خلف الزجاج على شعوري بأنني قابل للاستبدال على كل مرة قلت فيها لنفسي إنني لا أستحق أكثر.
وبكيت على جدي.
ذلك الرجل الذي لم يكن يتكلم كثيرا لكنه ترك لي نجاة صامتة.
بين القش وجدت دفترا جلديا بلون داكن مكتوبا عليه بخط باهت توماس فارغاس.
فتحته.
في الصفحة الأولى رسالة.
ليو إن كنت تقرأ هذا فأنت لم تختر السهل. جيد. لديك قلب أمك وعنادي. وهذا سينقذك.
توقفت لحظة ومسحت وجهي بطرف سترتي ثم تابعت.
المال لك ولماريانا. لكنه ليس الأهم. الأهم في الأساس.
الأساس.
أعدت قراءة الكلمة مرات عدة.
رفعت رأسي ونظرت إلى الأرضية الخرسانية التي أجلس عليها. كانت عادية رمادية مشققة قليلا.
في تلك الليلة نمت في المستودع. لم ألمس المال. لم أعده. لم أرتبه. تركته كما هو.
ليس لأنني زاهد بل لأنني كنت خائفا.
فالمال حين يأتي فجأة قد يكون فخا أيضا.
في اليوم التالي ذهبت إلى القرية واشتريت أدوات بسيطة مطرقة مسامير معجونا مانعا للتسرب بعض الألواح المعدنية وقفازات.
عدت
أصلحت الشق في السقف. أغلقت الفتحة التي كان الضوء يتسلل منها. نظفت الأرضية. أزلت الأعشاب المحيطة بالمبنى. في الزاوية الخلفية وجدت موقد حطب قديم صدئا لكنه قابل للإصلاح.
ملأت يداي بالبثور. تقشرت أطراف أصابعي. دخل التراب تحت أظافري. كنت أتعب حتى أستلقي على الأرض بلا قوة.
وللمرة الأولى في حياتي لم أشعر بالخجل من التعب.
شعرت بالفخر.
كنت أتصل بماريانا كل بضعة أيام.
أصبح لدينا موقد قلت مرة.
حقا كان صوتها أكثر إشراقا.
نعم. وأبني غرفة لك.
صمتت لحظة ثم قالت بصوت مكسور قليلا
لا تبك.
ضحكت رغم الدموع. لم أكن أعلم كيف تعرف أنني أبكي لكنها كانت تعرف دائما.
بعد شهر وصلت رسالة جديدة من شركة سييرا أزول للتطوير. العرض ارتفع إلى ثلاثمئة ألف بيزو. وتحت العرض جملة مبطنة حديث عن إمكانية اعتبار العقار خطرا وطلب تدخل البلدية.
لم يكن ذلك عرضا فقط. كان تهديدا مغلفا.
عندها فهمت.
لم يكونوا يريدون المستودع.
كانوا يريدون شيئا آخر.
تذكرت كلمات جدي الأهم في الأساس.
عدت إلى الأرضية. نظفتها بعناية. بدأت أطرق ببطء. أبحث عن اختلاف في الصوت. أراقب الشقوق.
حتى رأيت مربعا مرسوما بدقة بالكاد يلاحظ كأنه غطاء مخفي.
وضعت المعتلة في طرفه. ضغطت بكل قوتي.
ارتفع الجزء الخرساني ببطء كأنه يتنفس بعد طول صمت.
تحته تجويف مظلم.
وسلم معدني.
أشعلت
في الأسفل غرفة حجرية جافة مبنية بعناية. الهواء فيها بارد ونظيف. في الوسط قاعدة حجرية وعليها صندوق معدني. وبجانبه مرطبان يحتوي رسالة أخرى.
فتحتها.
ليو إن وجدت هذا فقد فهمت اللعبة. قيمة الأرض ليست فيما فوقها بل فيما تحتها. حين كنت شابا عملت مع مهندس قاس المنطقة. هنا نبع عميق خزان ماء نقي. لم يسجله أحد كما يجب. أنا فعلت.
فتحت الصندوق.
مستندات. مخططات قديمة. دراسات جيولوجية. وملف طلب امتياز ماء مبدئي.
حينها فهمت كل شيء.
الشركة لم تكن تريد الأرض لأنها قريبة من شيء جميل.
كانت تريد الماء.
عدت إلى الموثق بالمستندات. قرأها ببطء ورفع رأسه نحوي بعينين مختلفتين.
جدك قال ببطء كان رجلا بعيد النظر.
استأجرنا محاميا مختصا. حاولت الشركة الضغط. ثم أرسلت عرضا جديدا.
مليون بيزو.
هذه فرصتك لتبدأ بكرامة قال أحدهم مبتسما ابتسامة بلا حرارة.
نظرت إليه.
فكرت في كيسي الأسود. في يد ماريانا خلف الزجاج. في الموقد الذي اشتعل بيدي. في الغرفة التي كنت أبنيها لها.
لن أبيع قلت.
سكتوا.
لكنني مستعد لاتفاق أضفت حق مرور لأنبوب في زاوية الأرض. أنتم تمولون البئر والكهرباء. الامتياز يبقى باسمي. وتنشئون صندوقا يضمن وصول الماء لأهل القرية بسعر عادل.
نظر بعضهم إلى بعض. خرجوا دون جواب.
عادوا بعد أسبوعين.
وقعوا.
ليس لأنهم طيبون. بل لأنهم
وبتوقيع ذلك الاتفاق تغير ميزان حياتي بالكامل. لم يعد الأمر مجرد
متابعة القراءة