اختفت في رحلة بألاسكا… وبعد سنوات أعاد النهر القصة إلى السطح
البرنامج أن يستعيد معظم أحرف لوحة الأرقام بعدما أزال طبقات التشويش الرقمي وكأنه ينفض الغبار عن نقش قديم. بقي حرف أو حرفان ملتبسين لكن ذلك لم يعد عائقا حقيقيا. صار لدى المحققين خيط رقمي يمكن تتبعه.
انطلقت عملية بحث موسعة في قواعد بيانات المركبات. أدخلت جميع التركيبات المحتملة للأحرف الناقصة مع تحديد نوع المركبة ولونها وسنة صنعها التقريبية. كانت القائمة طويلة لكنها لم تكن بلا نهاية. جلس فريق كامل أمام الشاشات يطابق الأرقام ويقارن السجلات ويدقق في أي مركبة سوداء قديمة مرت عبر ألاسكا في صيف عام 2016. لم يكن الأمر مجرد بحث تقني كان سباقا مع الزمن سباقا مع سبع سنوات من الصمت.
وبعد أيام من العمل المتواصل ظهر اسم واحد لفت الانتباه. شاحنة بيك آب سوداء قديمة تحمل رقما يكاد يطابق التسلسل المستعاد من التسجيل مسجلة في ولاية مونتانا. اللافت أن هذه الشاحنة نفسها تلقت مخالفة مرورية في أنكوريج قبل أسبوع واحد فقط من اختفاء جيسيكا. لم يكن ذلك دليلا مباشرا لكنه كان اقترانا زمنيا ومكانيا لا يمكن تجاهله.
كان مالك المركبة رجلا يدعى بريان رودز يبلغ من العمر اثنين وأربعين عاما من مدينة بيلينغز في مونتانا. وما إن أدخل اسمه في قواعد البيانات الجنائية حتى بدأت الصورة تزداد قتامة. لم يكن اسما عابرا. قبل عشرة أعوام أدين رودز بجناية اعتداء من الدرجة الثانية. بعد واقعة اعتداء على سائحة في مسار جبلي ومحاولة إبعادها عن الطريق قبل أن تنجو وتطلب المساعدة. لكن الضحية قاومت وتمكنت من الإفلات والهرب إلى الطريق حيث طلبت النجدة. ألقي القبض عليه وحكم عليه بالسجن عدة سنوات قبل أن يفرج عنه.
أظهرت سجلاته أنه لم يكن يملك إقامة مستقرة. كان يعيش من أعمال
كان ينطبق عليه الوصف تماما. شخص ذو سوابق مقلقة سبق أن استهدف امرأة غريبة في مكان منعزل. بلا روابط اجتماعية راسخة بلا عنوان دائم وبلا شبكة دعم واضحة يمكن تتبعها. حصلت شرطة ألاسكا على مذكرة لإحضاره والتحقيق معه. لكن حين حاولوا العثور عليه اكتشفوا أن الرجل لم يعد موجودا حيث كان ينبغي أن يكون.
لم يشاهد في عنوانه الأخير في بيلينغز منذ سنوات. قال بعض أقاربه إنهم فقدوا الاتصال به منذ عام 2017 تقريبا. لم يكن لديه حساب مصرفي نشط ولم تسجل أي معاملات مالية باسمه بعد أواخر عام 2016. توقفت بطاقاته الائتمانية عن الاستخدام ولم تسجل أي مساهمات في الضمان الاجتماعي. بدا وكأنه اختفى عن قصد.
عند مراجعة سجلات عبور الحدود ظهر خيط جديد. في مارس 2017 بعد نحو ثمانية أشهر من اختفاء جيسيكا سجلت الكاميرات عند أحد المعابر الحدودية شاحنة سوداء مطابقة للوصف تعبر من الولايات المتحدة إلى كندا. كانت لوحة الأرقام هي ذاتها التي اشتبه بها المحققون. لم يسجل أي عبور عكسي بعد ذلك. دخل رودز إلى كندا ولم يعد رسميا.
أرسلت طلبات تعاون فوري إلى الشرطة الكندية. جرى التحقق من سجلات الإقامة الفنادق المخالفات وأي نشاط مسجل باسمه. وبعد أيام قليلة وصل الرد الذي حمل في طياته نهاية غير متوقعة. كان بريان رودز قد توفي.
في عام 2019 عثر على جثته داخل غرفة بموتيل رخيص في بلدة صغيرة بمقاطعة كولومبيا البريطانية. استدعيت الشرطة المحلية آنذاك
بالنسبة لمحققي ألاسكا كان الخبر يحمل طعمين متناقضين. من جهة وجدوا الرجل الذي يتوافق مع جميع المؤشرات آخر شخص تحدث مع جيسيكا صاحب شاحنة ظهرت في التسجيل شخص له سوابق موثقة في ملفات القضايا غادر البلاد بعد الواقعة بوقت غير بعيد ثم توفي لاحقا خارج الولايات المتحدة وفق السجلات الرسمية. ومن جهة أخرى لم يعد بالإمكان استجوابه ولا مواجهته بالأدلة ولا سماع روايته.
لم تكن هناك بصمات ولا حمض نووي صالح يمكن استخراجه بعد سبع سنوات في قاع نهر بارد متقلب. الحبال التي ربطت حول كاحلي جيسيكا كانت قد فقدت أي أثر بيولوجي محتمل. الملابس تحللت جزئيا. والمياه الجارية على مدى أعوام كانت قد محت كل أثر قابل للاستخدام في محكمة.
لم يكن لدى المحققين سوى سلسلة قوية من القرائن الظرفية. تسلسل منطقي متماسك لكنه يفتقر إلى اللحظة الحاسمة الاعتراف أو الدليل المادي القاطع الذي لا يدحض أمام هيئة محلفين. ومع وفاة رودز سقطت إمكانية المحاكمة إلى الأبد.
أغلق ملف جيسيكا لوسون رسميا مرة أخرى لكن هذه المرة بعنوان مختلف. لم تعد مفقودة يفترض أنها غرقت. بل أصبحت واقعة جنائية والمشتبه به الرئيسي متوفى . في التقرير النهائي أشار المحقق الرئيسي إلى أن الأدلة المتاحة تشير بقوة إلى تورط بريان رودز إلا
أن وفاته حالت دون إثبات التهمة قضائيا.
بالنسبة لعائلة جيسيكا كانت المشاعر
لكنهم لم يعرفوا لماذا. لماذا اختارها لماذا اقترب منها في محطة الوقود هل تبعها هل خطط للأمر أم كان قرارا لحظيا هل قال لها شيئا قبل أن يضربها هل حاولت الهرب أسئلة لن تجد إجاباتها أبدا.
توفي الشخص الذي عد المشتبه به الأبرز في القضية وحمل دوافعه وأفكاره وظلامه الداخلي معه إلى القبر. لم تقف أمامه محكمة ولم يسمع حكما ولم يواجه عائلة الضحية. بقيت العدالة ناقصة كما لو أن فصلا أخيرا من القصة مزق قبل طباعته.
ظل نهر سوسيتنا شاهدا صامتا. سبع سنوات وهو يحتفظ بالرفات في حضنه البارد يغطيه بالطمي ويحرس سره في أعماقه. ثم في لحظة فيضان عارم قرر أن يكشف الحقيقة. كأن الطبيعة نفسها رفضت أن يبقى الأمر مدفونا إلى الأبد.
وهكذا انتهت القضية رسميا لكن أثرها لم ينته. بقيت صورة الخيمة الفارغة الحذاء الموضوع بعناية عند المدخل المذكرة التي تركها الحراس على باب القماش والحديث القصير في محطة الوقود لحظات عادية في ظاهرها لكنها كانت آخر فصول حياة شابة حلمت برحلة في البرية.
لم تتحقق العدالة كما ينبغي ولم تسمع اعترافات ولم يكشف الدافع. بقي فقط سجل رسمي ورفات انتشل من قاع نهر واسم أغلق بجواره ملف بسبب الوفاة. وفي ذاكرة عائلة جيسيكا لم يكن ذلك مجرد ملف. كان ابنة وأختا وحلما انقطع فجأة وسبع سنوات من الصمت انتهت بإجابة ناقصة وبقصة