اختفت في رحلة بألاسكا… وبعد سنوات أعاد النهر القصة إلى السطح
المحتويات
أسابيع. تقلصت عمليات البحث تدريجيا. توقفت المروحيات وعاد المتطوعون إلى حياتهم. ظل فريق صغير من المحققين يواصل العمل يمشطون الضفاف مرارا ويستجوبون الصيادين والصيادين البحريين الذين تواجدوا في المنطقة. لكن دون جدوى. لم يعثر على أثر واحد لا قطعة ملابس ولا غرض ضائع. اختفت جيسيكا لوسون. وصنف الملف في النهاية كقضية غير محلولة. وبقيت النسخة الرسمية لأغراض التوثيق مفقودة يفترض أنها توفيت ويفترض أنها غرقت.
بالنسبة لعائلتها كان ذلك أسوأ احتمال لا إجابات انتظار لا ينتهي وأمل يتلاشى عاما بعد عام. تركوا وحدهم مع ألمهم وغموض كامل.
على مدى سبع سنوات تراكم الغبار على ملف جيسيكا لوسون. وعلى مدى سبع سنوات احتفظ نهر سوسيتنا بسره. ثم في ربيع عام 2023 بدأ ذلك السر يظهر إلى السطح. كان الشتاء شديد الثلوج على غير العادة وجاء الربيع فجأة ودافئا. ذابت الثلوج سريعا في الجبال وبلغ منسوب مياه سوسيتنا مستويات قياسية. وعندما تحطم الجليد في النهر لم تكن مجرد كتل عائمة.
كانت كتلا جليدية هائلة تزن أطنانا تجرف قاع النهر كالجرافات وتزيح صخورا استقرت لعقود وتحرك أطنانا من الرواسب والرمال والحصى. تغير مجرى النهر أمام الأعين. وفي أواخر أبريل بعدما انحسر معظم الجليد وبدأت المياه تتراجع خرج اثنان من سكان تالكييتنا
في أحد المواضع التي كشفت فيها المياه عن جزء من القاع كان عادة مغمورا لاحظا شيئا غريبا. بدا كعظم بارز من الرمل الرطب والحصى. لم يعره أحدهما اهتماما في البداية إذ إن العثور على عظام أيل أو دب أمر مألوف في تلك المنطقة. لكن شكل العظم دفعهما للتدقيق. حرك أحدهما الشيء بطرف مجدافه.
تحت طبقة من الطمي ظهر ما أثار فزعهما وقلقهما. ظهرت بقايا حذاء ما زالت ملتصقة بعظام الساق. وتبين أنها رفات إنسانية. أبلغ الصيادان الشرطة فورا. وطوق المكان في اليوم نفسه. حضر فريق تحقيق وخبراء طب شرعي إلى ضفة سوسيتنا. كان العمل بطيئا ودقيقا. استخرجت الرفات من قاع النهر الكثيف باستخدام فراش ومجارف صغيرة كما يفعل علماء الآثار.
كلما أزيلت الطبقات ازدادت الصورة قتامة. كان هيكلا عظميا شبه كامل. اتضح أن التيار لم يجرف الرفات. بل استقر في تجويف طبيعي بين صخور كبيرة مغمورة وظل سبع سنوات مغطى بالطمي والرمل والحصى الصغير. كان النهر نفسه قد صنع له قبرا. ولم تكشفه إلا فيضانات هذا العام التي عملت كجرافة فأزالت الغطاء الواقي وأظهرت اكتشافا بالغ الحساسية.
عندما أخرج الهيكل بالكامل زال أي شك في سبب الوفاة. كانت حبال تسلق قديمة باهتة مربوطة بإحكام حول
تراجعت فرضية الحادث العرضي التي استمرت سبع سنوات. ومع تراكم المؤشرات بدأت السلطات تتعامل مع الأمر باعتباره قضية تتطلب تحقيقا أوسع.. عثر قرب الرفات على معطف واق من المطر أزرق داكن شبه متحلل وهو ذاته المذكور ضمن معدات جيسيكا وعلى ترمس معدني مغطى بخدوش عديدة. لم يكن ممكنا تحديد ما إذا كانت تلك الخدوش نتيجة سبع سنوات في قاع نهر مضطرب أم أنها تعود إلى لحظات سابقة لا يمكن الجزم بطبيعتها.
نقلت الرفات إلى أنكوريج للفحص الشرعي. لم يستغرق تحديد الهوية طويلا. تطابقت السجلات السنية مع الأسنان في الجمجمة. كما كشفت السجلات الطبية عن كسر قديم ملتئم في عظم الفخذ تعرضت له جيسيكا في شبابها إثر سقوطها من دراجة. أظهر الهيكل العلامة ذاتها. لم يكن ثمة شك كانت جيسيكا.
لكن الفحص أظهر نتيجة أكثر خطورة. وجد في عظم الفخذ نفسه فوق الكسر القديم مباشرة كسر حديث حدث عند الوفاة أو قريبا منها. تشير طبيعته إلى تعرضها لإصابة قوية قد تكون ناجمة عن سقوط شديد أو صدمة جسدية وبالنظر إلى الحجارة المربوطة بساقيها
وبعد استكمال الفحوصات أعيد تصنيف الملف رسميا كقضية جنائية وفق نتائج التحقيق. وأخرج الملف من الأرشيف. صار لديهم رفات وأدلة تشير إلى ظروف غير طبيعية للوفاة. لكن السؤال الأهم بقي بلا جواب من الفاعل قادت كل الخيوط إلى يوليو 2016 وإلى التسجيل الضبابي في محطة الوقود. الرجل الغامض صاحب الشاحنة السوداء الذي كان مجرد عابر سبيل صار المشتبه به الرئيسي والوحيد.
أعيد فتح التحقيق بحزم جديد. أعيد تحليل التسجيل إطارا بإطار باستخدام تقنيات حديثة. استخرجت سجلات كل الشاحنات السوداء المسجلة آنذاك. وفي عام 2023 أرسل التسجيل إلى مختبر الأدلة الجنائية التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي في كوانتيكو. استخدم الخبراء برامج متقدمة قائمة على الشبكات العصبية لتحسين الصورة. أزيل التشويش الرقمي وزيدت الحدة واستعيدت تفاصيل كانت تبدو مفقودة.
لم يكن الوجه في التسجيل المحسن واضحا بما يكفي لوضع اسم قاطع عليه غير أن ملامحه العامة باتت قابلة للتمييز خط الفك شكل الأنف وطريقة ميلانه حين كان يتحدث. إلا أن الاختراق الحقيقي لم يكن في الوجه بل في اللوحة المعدنية الصغيرة المثبتة في مؤخرة الشاحنة. ففي عدة إطارات التقطت لحظة ابتعاد المركبة استطاع
متابعة القراءة