ادّعيتُ أنني ميت لأكشف حقيقتها… فانهارت حقيقتي أنا
يعاملها أحد بهذه المسافة النظيفة بهذه الرغبة الصادقة في عدم الامتلاك في أن يفعل الخير دون أن يربطه بنفسه.
لم أطلب هذا همست أخيرا وكأن الكلمات خرجت بعد معركة قصيرة مع صوتها الداخلي.
أعلم قال داميان بهدوء لم يكن استعراضا. ولهذا تحديدا لا يمكن أن يكون قيدا.
ارتجف صوت صوفي لكنها رفعت رأسها. لم يكن في نظرتها تحد بل شرط أخير واضح لا يقبل الالتفاف.
إن تحدثنا مرة أخرى قالت بوضوح لا يحتمل التأويل لن تختبرني.
ابتلع داميان ريقه. شعر أن الكلمات أثقل من أي اعتراف سابق لأنها لا تطلب شيئا بل تضع حدا.
لا اختبارات بعد الآن وعد وهو يعلم في داخله أن هذا الوعد ليس لها وحدها بل لنفسه أيضا لنسخة منه لا يريد العودة إليها.
مر عام كامل.
عام لم يتغير فيه العالم من حول داميان كثيرا. نفس المدينة نفس العمل نفس الوتيرة. لكن داخله تغير ببطء مؤلم
أنهت صوفي شهادة المسعف. خاضت الامتحانات الليالي الطويلة التدريب القاسي والذكريات التي كانت تعود فجأة دون استئذان لكنها لم تعد تسيطر عليها. وعندما جاء يوم التخرج حضر داميان بهدوء. وقف في الخلف لا ليختبئ بل ليترك اللحظة لها وحدها. لم يرفع هاتفه. لم يطلب صورة. اكتفى بالمشاهدة وكأن المشاهدة وحدها اعتذار متأخر.
وعندما التقت عينا صوفي بعينيه وسط القاعة ابتسمت. لم تكن ابتسامة امتنان ولا حنين ولا دعوة. كانت ابتسامة فخر. ابتسامة إنسانة نجت وكملت طريقها دون أن تضطر إلى إنكار ما مرت به.
لم يكونا حكاية خرافية.
لم يكن هناك إنقاذ درامي في اللحظة
ولا حب مفاجئ يمحو الألم بجرة واحدة.
كانا شخصين يتعلمان يوما بعد يوم كيف يمسكان ببعضهما دون أن يعصرا. كيف يقتربان دون أن يملكا. كيف يحبان دون أن يختبرا ودون أن يحولا القرب إلى ساحة شك.
تعلم داميان أن الحب ليس شيئا يثبت بالفخاخ.
الحب هو الاستمرارية حين لا يكون هناك جمهور.
هو الحضور دون مراقبة.
هو الاحترام حين لا يراك أحد.
هو أن تختار ألا تستخدم معرفة ضعف إنسان كسلاح.
وفي إحدى الأمسيات وهما يغسلان الصحون جنبا إلى جنب في شقة صغيرة اختاراها معا دون بهرجة ودون محاولة تعويض عن الماضي نظرت صوفي إليه وسألته بصوت هادئ لا يحمل اتهاما ولا بحثا عن إجابة مثالية
لو لم تختبرني هل كنت ستعرف الحقيقة يوما
أغلق داميان صنبور الماء والماء يقطر من أصابعه كأن الزمن توقف لحظة قصيرة سمحت له بأن يكون صادقا دون خوف.
لا قال بعد صمت.
أومأت صوفي ببطء كأنها كانت تعرف الجواب قبل أن تسمعه.
هل تندم
نظر إليها طويلا. إلى المرأة التي توسلت إليه يوما ألا يرحل والتي تقف الآن بثبات مختلف تنقذ غرباء دون أن تسأل عن أسمائهم ودون أن تنتظر شكرا.
أندم على إيذائك قال. أندم على جعلك تعيشين الألم من جديد. أندم على الدموع.
لانت عيناها لا لأن الجواب كان مثاليا بل لأنه كان صادقا.
لكنني لا أندم على الاستيقاظ أضاف بصوت منخفض. لا أندم على تعلم أنني لا أستطيع العيش كرجل يظن أن الحب فخ.
دفعت صوفي كتفه برفق حركة صغيرة بسيطة لكنها حملت معنى أكبر من الكلمات. كانت غفرانا يتحرك ببطء لا يعلن عن نفسه ولا يطلب تصفيقا.
أنا سعيدة لأنك لست ميتا همست.
أمسك داميان بيدها ثابتة ودافئة دون شد دون خوف دون اختبار.
وأنا كذلك قال.
وهذه المرة
لم يكن تمثيلا.
لم
لم يكن خدعة.
كان الحقيقة.