ادّعيتُ أنني ميت لأكشف حقيقتها… فانهارت حقيقتي أنا
للحظة تجمدت صوفي في مكانها وانسحب اللون من وجهها تماما. ثم تحركت فجأة بسرعة وسقطت على ركبتيها إلى جانب داميان كأن الجاذبية تغيرت فجأة.
السيد كول
ارتجف صوتها. سيدي داميان
كان استخدام اسمه الأول صادما له. صوفي نادرا ما كانت تنطقه. لكن هذه المرة أفلت منها كغريزة لا يمكن كبحها.
لمست صدره بخفة ثم وضعت أصابعها المرتجفة على عنقه تبحث عن نبض. امتلأت عيناها بالدموع بسرعة جعلت الأمر يبدو وكأن جسدها كان ينتظر الإذن لينكسر.
أرجوك همست وهي تميل أقرب. أرجوك ليس الآن.
سقطت دمعة على خد داميان. دافئة. حقيقية.
انقبضت معدته بالذنب لكنه بقي ساكنا لأنه كان قد التزم بالكذبة ولأن كبرياءه رفض أن يسمح له بالتوقف.
ارتبكت صوفي وهي تخرج هاتفها وتتصل بالطوارئ كانت يداها ترتجفان بشدة حتى إنها ضغطت أرقاما خاطئة مرتين. وعندما رد المجيب أعطت العنوان بوضوح لكن صوتها بدا وكأنها تمسك نفسها بخيوط واهية.
تحققت من تنفسه اقترب وجهها من فمه عيناها واسعتان من الرعب. وعندما لم تشعر بكمية هواء كافية انهار تعبيرها تماما.
ابدئي الإنعاش القلبي الرئوي قال المجيب.
ترددت صوفي لجزء من الثانية فقط. ثم وضعت يديها على صدر داميان وبدأت بالضغطات تعد بصوت منخفض تختنق فيه الدموع.
واحد اثنان ثلاثة
وبين العدات
أنا هنا همست. لا تتركني. ليس هكذا.
كلماتها أصابت داميان بقوة لم تصبه بها أي خيانة عرفها من قبل.
في تلك اللحظة أدرك داميان أنه لا يشاهد تمثيلا.
كان يشاهد حزنا.
حزنا حقيقيا عاريا لا يهتم بالمال ولا بالمكانة ولا بالقوة.
لم تكن صوفي تتفاعل مع رئيس تنفيذي.
كانت تتفاعل مع إنسان لا تستطيع تحمل فكرة فقدانه.
ولم يعد داميان قادرا على الاحتمال.
فتح عينيه.
تجمدت صوفي وهي في منتصف الضغط تحدق به غير مصدقة. انحبس نفسها بقسوة.
أنت حي همست.
تراجعت إلى الخلف بسرعة كادت أن تسقط معها فوق المناشف المبعثرة خلفها. احمر وجهها من الصدمة والمهانة كأن جسدها لا يعرف إن كان عليه أن يبكي أم يصرخ.
جلس داميان وارتفع داخله الذعر لأول مرة ذعر حقيقي وقبيح.
صوفي قال بصوت أجش. انتظري. أنا آسف.
لكن صوفي استدارت وهرعت إلى المطبخ واضعة يدها على صدرها كأن قلبها لا يستطيع مجاراة ما حدث.
لحق بها داميان. وجدها متكئة على الثلاجة ترتجف تتنفس بصعوبة.
أنا آسف قال مرة أخرى لأنه لم يكن يملك غير ذلك. ما كان ينبغي لي أن أفعل هذا.
كانت عينا صوفي مبللتين لكن صوتها أصبح حادا.
لماذا سألت. لماذا تفعل هذا بي
انهار منطق داميان الذي كان قد أعده مسبقا.
أردت
أطلقت صوفي ضحكة صغيرة مكسورة بلا أي روح.
أنا حقيقية قالت بهدوء. أنا إنسانة. أخاف. أتألم.
ابتلعت ريقها وكان حلقها مشدودا.
ونعم أضافت بصوت مرتجف لدي مشاعر.
تقدم داميان خطوة ثم توقف غير متأكد إن كان حضوره سيواسيها أم يؤذيها.
أي مشاعر سأل بلطف.
أغلقت صوفي عينيها كأنها تستعد لصدمة.
الشعور همست بأنني لا أريد أن أفقدك.
سقطت الجملة في صدر داميان كأن شيئا انهار داخله.
حدق بها مذهولا من الصراحة التي انتزعها منها بقسوته.
مسحت صوفي وجهها بغضب خجلة من دموعها.
لم تظن أنني أستطيع أن أهتم قالت لا كاتهام بل كحقيقة. لأنك تعتقد أن أشخاصا مثلي لا يهتمون إلا عندما يريدون شيئا.
لم يكن لدى داميان أي دفاع لا يبدو كعذر.
أنا آسف قال. لا أملك سببا يجعل ما فعلته مقبولا. سمحت لخوفي أن يجعلني غبيا.
اهتزت كتفا صوفي. وتكلمت بصوت رفيع.
عندما رأيتك على الأرض شعرت وكأنني عدت إلى سن الرابعة عشرة.
تجمد داميان.
لم تكن صوفي تقصد قول ذلك. في اللحظة التي خرجت فيها الكلمات من فمها اتسعت عيناها. لكن الحقيقة كانت قد دخلت الغرفة بالفعل.
توفي والدي عندما كنت في الرابعة عشرة قالت بصوت بعيد كأنها تشاهد الذكرى من مكان آخر. نوبة قلبية. حاولت مساعدته. اتصلت بالطوارئ. حاولت الإنعاش.
شعر داميان بمرض ينتشر داخله ليس جسديا بل أخلاقيا.
كان قد حول أسوأ ذكرياتها إلى اختبار.
أراد أن يعيد الزمن ويمزق خطته بيديه.
لم أكن أعلم قال.
لا أجابت صوفي بهدوء. لم تكن تعلم لأنك لم تسأل. لأنك لم ترغب يوما في أن تراني عن قرب.
ثم أخبرته بتردد عن رغبتها في أن تصبح مسعفة طوارئ وعن تركها كلية المجتمع عندما مرضت والدتها وعن قبولها أي عمل لتنجو وعن أن تنظيف البيوت كان يتطلب شجاعة أقل من الحلم من جديد.
ثم قالت شيئا جعل حلق داميان ينغلق.
كنت أول صاحب عمل لا يجعلني أشعر أن علي الاعتذار عن وجودي همست. كنت تدفع في موعدك. لم تصرخ. لم تلمسني. سمحت لي أن أكون هادئة.
آمنة.
فهم داميان بوضوح مؤلم أن ولاء صوفي لم يكن مبنيا على تبادل مصالح. كان أعمق من ذلك احترام امتنان وثقة منحتها بحذر وهو داس عليها.
لا أستطيع العمل لديك بعد الآن همست صوفي.
أومأ داميان لأنه لم يكن يملك حق الاعتراض.
لكن فكرة رحيلها بهذه الطريقة وهي تحمل قسوته ككدمة كانت لا تحتمل.
بعد مغادرة صوفي تجول داميان في منزله كغريب. الغرف هي نفسها لكن كل شيء بدا خاطئا. الصمت لم يعد فاخرا. صار عقابا.
في غرفة الغسيل
كان ينبغي أن يتركه. لكن