740 طفلًا على سفينة موت… والعالم كله قال “لا” إلا رجل واحد قال “نعم”!
يعمل عليه أحد بعناية.
أمسكت ماريا بالدبوس كأنه هش.
لم تتلق هدية منذ بدء الحرب.
ليس شيئا مسروقا بدافع الحاجة ولا كسرة خبز انتزعت من الجوع بل هدية.
عندما خرجت جلست تحت شجرة وبكت لأول مرة دون خوف من أن يسمعها أحد.
بكت لأمها لأبيها للبرد للبحر للسفينة المرفوضة.
لكنها بكت أيضا امتنانا وكان ذلك البكاء مختلفا كان فيه متسع للتنفس.
مرت السنوات.
استمرت الحرب في وحشيتها لكن وضع الأطفال بدأ يستقر.
بدأت المنظمات الدولية تحت ضغط الشهادات وخزي تقاعسها تنسق عمليات نقل.
سيرسل بعض الأطفال إلى شرق إفريقيا وآخرون إلى المكسيك وآخرون إلى نيوزيلندا وآخرون إلى مخيمات في الشرق الأوسط.
كانت الوجهات النهائية غير مؤكدة لكن لأول مرة كانت هناك وجهات لا مجرد غرق.
عندما وصلت أخبار أول مجموعة ستغادر امتلأت بالاتشادي بنوع جديد من الحزن.
لم يكن رعب الفراق القسري بل حزن مغادرة مكان محبوب.
شعر بعض الأطفال بالذنب هل يجوز أن يكون المرء سعيدا وسط كل هذه المأساة
شرحت لهم زوفيا
السعادة لا تخون الموتى.
السعادة تكرمهم لأنها تثبت أن العالم لم ينجح في تدميرنا بالكامل.
في صباح الرحيل الأول جاء جام صاحب إلى المعسكر.
اصطف الأطفال.
كانت هناك حقائب قماشية صغيرة تحوي القليل مما جمعوه دفاتر صور كوب منديل البطانية المطرزة.
تقدم المهراجا وتحدث بصوت ثابت بلا مبالغة
لقد مررتم بما لا ينبغي لأي طفل أن يمر به.
لا أملك القدرة على محو ذلك.
لكن لدي واجب واحد أن تتذكروا أينما ذهبتم أن لحياتكم قيمة.
لا بسبب الحرب ولا بسبب السياسة بل لأنكم أنتم.
توقف ونظر إلى كل واحد كأنه يحفظ وجوههم.
قال
وإن قال لكم العالم يوما لا مرة أخرى
تذكروا
وتلك النعم تعيش فيكم.
ثم تقدم أحد أصغر الأطفال بالكاد يتكلم وقال شيئا بالبولندية المكسورة بصوت خافت حتى إن المترجم كاد لا يفهمه.
وعندما فهم امتلأت عيناه بالدموع.
قال
إنه يقول إنه يريد أن ينادي صاحب السمو أبي.
ساد صمت ثقيل كأن الهواء توقف ليستمع.
لم يجب جام صاحب فورا.
انحنى ووضع يده على رأس الطفل وقال
نادني بما يحتاجه قلبك.
بكى كثيرون.
حتى الكبار.
كانت ماريا من بين من سيبقون مدة أطول لأن بيوتر كان لا يزال ضعيفا ولأن مجموعتهم لن تغادر إلا بعد أشهر.
لكن مشاهدة أصدقائها وهم يرحلون علمتها شيئا الحياة سلسلة من الوداعات نعم لكنها لم تعد وداعات إلى العدم. كانت هناك طرق.
في الأشهر التالية ساعدت ماريا في كتابة الرسائل للمغادرين رسائل إلى منظمات وإلى عائلات محتملة وإلى السلطات.
من دون أن تشعر أصبحت جسرا.
كانت بولنديتها متقنة وإنجليزيتها تتحسن وتعلمت بعض كلمات غوجاراتية للتعبير عن الشكر.
نظرت إليها زوفيا بفخر.
قالت لها
أنت قوية.
أجابت ماريا بجدية لم تعد مجرد ألم
أتعلم أن أكون قوية دون أن أنكسر.
ذات مساء عاد بيوتر راكضا من الساحة ووجهه متورد
ماريا! ماريا! صاحب السمو قادم!
خرجت ماريا ورأته.
كان جام صاحب يسير في الطريق ومعه شخصان يحمل ملفا.
قال
لدي أخبار.
كانت مستندات.
تصاريح.
ترتيبات.
ستغادر مجموعة ماريا وبيوتر إلى وجهة جديدة لمواصلة تعليمهم وربما البحث عن أقارب أحياء أو بناء حياة جديدة.
لم تكن بولندا بعد لكنها خطوة.
شعرت ماريا بعقدة في معدتها.
جزء منها خاف الرحيل لأن بالاتشادي كانت أول مكان لا يلاحقها فيه الموت.
لكن جزءا آخر عرف أن نعم المهراجا لم تكن قفصا
في الليلة السابقة للمغادرة جلست ماريا عند طرف المعسكر حيث يرى البحر من بعيد.
لم يكن بحر التابوت العائم بل بحرا واسعا صامتا.
جلس بيوتر بجانبها.
سألها
هل أنت خائفة
فكرت ماريا.
قالت
نعم.
لكن لدي شيء لم يكن لدي من قبل.
قال
ما هو
وضعت ذراعها حول كتفيه.
قالت
أتذكر.
أتذكر أن أناسا طيبين موجودون.
وهذا يغير كل شيء.
في اليوم التالي عندما صعدوا إلى المركبة التي ستأخذهم إلى الميناء كان جام صاحب هناك.
لم يلق خطبا طويلة.
اقترب فقط من ماريا وبيوتر.
عدل وشاح بيوتر كما يفعل الأب.
ثم قال لماريا
وعدك لأمك مستمر.
لكن لديك الآن وعد آخر عيشي.
عضت ماريا على شفتيها لتمنع الدموع.
ثم انحنت برأسها احتراما كما رأت الآخرين يفعلون.
قالت له بالبولندية
شكرا.
كرر المترجم لكن جام صاحب أوقفه بابتسامة.
قال
لا حاجة للترجمة.
الامتنان مفهوم بكل اللغات.
أخرجت ماريا دبوس الزهرة من جيبها وأرته له.
قالت
سأرتديه دائما.
هز رأسه وقال
إذن أينما ذهبت ستحملين معك جزءا من هذا المكان.
تحركت المركبة.
ظل الأطفال ينظرون من النافذة حتى صارت بالاتشادي ضبابا بين الأشجار والغبار.
شعرت ماريا كأنها تودع جزءا من نفسها لا بيأس بل بحزن كريم.
بعد سنوات عندما انتهت الحرب وحاولت أوروبا إعادة بناء نفسها من الركام تفرق أطفال بالاتشادي في أنحاء العالم.
عاد بعضهم إلى بولندا ليجدوا بيوتهم مفقودة.
وبنى آخرون حياتهم في أماكن غريبة إفريقيا أوقيانوسيا الأمريكتين.
تزوج كثيرون وأنجبوا وعملوا وشاخوا.
لكن حتى في أهدأ الليالي عندما بدا أن العالم يعود إلى طبيعته كانت ذكرى واحدة تلمع كمصباح رجل يرتدي الأبيض راكعا في
احتفظت ماريا وقد أصبحت امرأة بثلاثة أشياء في صندوق
رسالة أمها والدفتر الذي كتبت فيه عن أيام السلام الأولى ودبوس الزهرة الزرقاء.
وفي غرفة جلوسها علقت صورة باهتة مجموعة من الأطفال البولنديين في ساحة تحت أشجار النخيل ابتساماتهم خجولة.
وفي الوسط رجل بملامح هادئة.
أصبح بيوتر طبيبا.
قال إنه اختار هذه المهنة لأنه تذكر الأيدي التي شفته دون أن تطلب شيئا.
وكلما عالج طفلا مريضا تذكر تلك النعم التي أنقذت حياتهم وحاول بصمت أن يكررها بأفعاله.
في لقاء جمع لاجئين سابقين بعد سنوات طويلة روت ماريا القصة لشباب لم يتخيلوا المجاعة السوفيتية ولا الرفض عند الموانئ.
سألوها
كيف كان
ابتسمت ماريا وفي
ابتسامتها كان من الألم بقدر ما كان من النور.
قالت
كان شخصا فهم أن القوة الحقيقية لا تكمن في الأمر بل في الحماية عندما لا يريد أحد أن يفعل ذلك.
في أواخر حياتها عادت ماريا إلى الهند مرة أخرى.
لا كلاجئة بل كضيفة.
سارت في الأماكن التي كانت فيها طفلة.
في بالاتشادي كان الهواء لا يزال يحمل رائحة الملح والتراب.
وقفت تحت شجرة ما زالت هناك وأغمضت عينيها.
وفي ذهنها سمعت الضحك والغناء وخطوات صغيرة.
وضعت زهرة على الأرض وهمست
وفيت بوعدي يا أمي.
وساعدني أحد على الوفاء به.
ثم أضافت كأنها تخاطب الماضي
شكرا.
لأن ما فعله جام صاحب في النهاية لم يكن إنقاذ أرواح فحسب بل إعادة 740 طفلا إلى الإيمان من جديد.
في عالم أنكر عليهم حق الوجود منحهم شيئا أعظم من ميناء منحهم الكرامة.
وهكذا حين يروي التاريخ أهوال الحرب ينبغي أن يروي أيضا هذه اللحظة الصغيرة والعملاقة في آن واحد اللحظة التي انتصرت فيها
لأن ضميرا واحدا أحيانا يكفي لإشعال منارة في أحلك السنوات.
وقد تبع 740 طفلا ذلك النور إلى الشاطئ.