740 طفلًا على سفينة موت… والعالم كله قال “لا” إلا رجل واحد قال “نعم”!

لمحة نيوز

السؤال.
توقف جام صاحب لحظة لا لأنه لا يعرف الجواب بل لأنه أراد أن يقوله بدقة.
قال
لأنه لو كان لي أطفال لتمنيت أن ينقذهم أحد.
ولأن المعاناة ليست جواز سفر.
والرحمة لا تحتاج إلى تصاريح.
منذ ذلك اليوم بدأ شيء يتغير في بالاتشادي.
بدأ الأطفال ينظمون أنفسهم بشكل غريزي تقريبا كما تفعل أي جماعة تكافح للبقاء لكن هذه المرة بهدف مختلف الحياة.
تكونت مجموعات عمرية.
ساعدت الفتيات الأكبر سنا الصغيرات على الغسل وتمشيط الشعر وإعادة تعلم روتين الصباح بلا خوف.
حفر الفتيان الأكبر خنادق لتصريف المياه خلال موسم الأمطار لا كعقاب بل كعمل مفيد.
بنوا منصة خشبية صغيرة كانوا يقصون عليها القصص بالبولندية ليلا كأن الحديث بلغتهم يعيد إليهم ما حاولت الحرب محوه.
عثرت ماريا على ورقة مجعدة رطبة في جيب تنورتها الشيء الوحيد الذي حافظت عليه طوال الرحلة.
كانت ورقة بخط يد أمها بالكاد تقرأ تحتوي على جملة وسطرين
احمي أخاك. لا تنسي من تكونين.
قرأت ماريا الكلمات مرارا حتى توقفت عن إيذائها كسكين وبدأت تؤلمها كذكرى.
أما أخوها بيوتر فقد قل كلامه فترة.
كان يستيقظ ليلا وهو يصرخ فتركض ماريا إلى سريره تحتضنه وتغني له أغنية كانت أمهم تغنيها لهما في وارسو قبل أن ينهار كل شيء.
في البداية خرج اللحن مكسورا.
ثم مع مرور الأيام عاد تدريجيا.
كانت هناك معلمة بولندية بين البالغين المرافقين امرأة نحيلة تدعى زوفيا وعيناها مثقلتان
بالإرهاق.
استدعاها جام صاحب وقال لها
أنتم بحاجة إلى مدرسة.
ليس الطعام فقط.
الحرب سرقت وقتكم.
سنحاول أن نعيده.
فتحت الصفوف.
درست البولندية والرياضيات والتاريخ وقليل من الإنجليزية كي لا يفاجئهم المستقبل.
لكن الأهم كان الجو التعلم دون ضرب دون إهانة دون ذلك الرعب الذي يمنع العقل من النمو.
ذات يوم بينما كانت ماريا تنسخ قصيدة في دفترها لاحظت شيئا غريبا خطها يشبه خطها القديم في مدرستها بحيها السابق.
نفس الانحناءة نفس الميل.
كأن طفلة صغيرة ما زالت باقية تحت كل ذلك الفقد.
لم تختف التوترات السياسية.
استمرت الرسائل والاجتماعات والتحذيرات.
مارس البريطانيون ضغطهم عبر البيروقراطية تصاريح حصص وتهديدات مبطنة تتعلق بالموارد والسلطة.
خشي بعض المسؤولين المحليين من العواقب.
وتذمر آخرون قائلين إن هؤلاء الأطفال ليسوا شأن ناواناغار وإنهم يجلبون المشاكل والتكاليف والتعقيد.
كان جام صاحب يستمع ويرد دائما بنفس الهدوء
إذا كان شعبي يستطيع أن يتقاسم الماء في زمن الجفاف
فبوسعه أن يتقاسم الخبز في زمن الحرب.
وفي مناسبة ما أصر ممثل بريطاني ببرود
هل تدرك يا صاحب السمو أن هؤلاء الأطفال مسؤولية منظمات دولية وأن تصرفك قد يخلق سابقة
نظر إليه المهراجا كما لو أن الرجل اعترف بشيء مخز.
وقال
بالضبط.
فلتكن سابقة.
مع مرور الوقت أصبحت بالاتشادي عالما بولنديا صغيرا على أرض هندية.
احتفلوا بعيد الميلاد بخبز حلو
بدائي وشموع وتراتيل.
صنع الأطفال الزينة من الورق والأوراق اليابسة.
جلبت زوفيا بعض الطحين وبمساعدة الطهاة المحليين صنعت شيئا يشبه بيروغي.
لم يكن مثاليا لكنه كان منزليا.
في يناير جاء جام صاحب بهدية غير متوقعة ملابس دافئة للأشهر الأبرد ولكل طفل بطانية مطرزة في زاويتها بتطريز بسيط تاج صغير وكلمة Balachadi.
ليس لتأكيد الملكية بل لتذكيرهم بأنهم انتموا إلى مكان آمن.
احتفظت ماريا ببطانيتها كأنها علم.
حدثت أيضا صدمات ثقافية وهو أمر لا مفر منه لكن جرى التعامل معها بدقة نادرة في زمن الحرب.
تردد بعض الأطفال في تناول الطعام الحار وارتعب آخرون من أصوات الصلوات المحلية ومن الألوان الزاهية للأسواق ومن شمس لا تعرف الرحمة.
اقترب السكان المحليون بدافع الفضول في البداية لرؤية أولئك الأطفال الشاحبين الصامتين.
كانت هناك نظرات غريبة نعم لكن كانت هناك أيضا أياد ممدودة.
جلبت بعض نساء غوجارات الفاكهة والأقمشة وألعابا يدوية.
لم يستطعن نطق الأسماء البولندية لكنهن تعلمن الابتسام دون سؤال.
ذات مساء صيفي نظم الأطفال مباراة كرة قدم.
في البداية ركضوا بلا حماس كأن أجسادهم لم تتصالح بعد مع اللعب.
لكن بعد دقائق اشتعل شيء ما.
صرخوا.
ضحكوا.
دفعوا بعضهم بفرح خشن لمن نسي كيف يكون.
ركض بيوتر خلف الكرة بإصرار.
وحين ركلها أخيرا نحو المرمى لم يسجل هدفا لكنه نظر إلى قدميه كأنهما جديدتان.
رأته ماريا ولأول
مرة سمحت لنفسها بتخيل مستقبل لا يعيش فيه أخوها لمجرد البقاء.
في تلك الليلة كتبت ماريا في دفترها
ضحك بيوتر اليوم.
الضحك مثل الخبز.
حين يعود يبدو كل شيء ممكنا.
مرت الأشهر.
وصلت أخبار متفرقة من الجبهة شائعات عن أوروبا أسماء مدن مدمرة انتصارات وهزائم كانت بالنسبة للأطفال صدى بعيدا لعالم لفظهم سابقا.
لكن في بالاتشادي أصرت الحياة على النمو.
زرعوا حديقة صغيرة.
تعلموا أغان محلية.
وتعلم بعض الأطفال تحيات بسيطة بلغة غوجاراتية.
وأحيانا كان جام صاحب يتجول بينهم دون إعلان كأنه يريد أن يتأكد أن عزيمته ما زالت صامدة.
في أحد الأيام استدعيت ماريا إلى مكتب المعسكر.
وصلت وقلبها يخفق تخشى خبرا سيئا.
في الداخل كانت زوفيا والمترجم وجام صاحب.
تجمدت ماريا ويداها مشبوكتان بقوة.
قالت زوفيا
ماريا صاحب السمو يريد أن يتحدث معك.
ابتسم المهراجا بلطف.
قال
سمعت أنك تعتنين بأخيك كما لو كنت بالغة.
هذا عبء ثقيل على طفلة.
نظرت ماريا إلى الأرض. لم تعرف كيف تجيب دون أن تبكي.
قال
أريد أن أخبرك شيئا.
وعدك لأمك لم يكن خطأ.
إنه جميل.
لكن الآن لست وحدك.
هناك من سيساعدك.
يمكنك أن تكوني طفلة أيضا.
شعرت ماريا بأن الهواء يهتز في صدرها.
رفعت عينيها وقالت دون تخطيط
أنا لا أعرف كيف أكون طفلة.
هز جام صاحب رأسه كأن ذلك الاعتراف هو الأكثر إنسانية في العالم.
قال
إذن سنتعلم. خطوة خطوة.
ناولها صندوقا صغيرا.
في داخله
دبوس بسيط زهرة معدنية ذات مركز أزرق.
ليس فخما لكنه لامع.
قال
لتتذكري أن حتى الحديد يمكن أن يصبح جميلا عندما
تم نسخ الرابط