بعد أن أهانتني ابنة زوجتي… عادت إليّ حين فات الأوان
يطلب تبريرا ولا ينتظر تخفيفا بل يقف عاريا أمام الحقيقة.
مرت الأيام بعد ذلك ببطء غريب.
كان الوقت يسير لكن الروح لم تكن تواكبه.
كنت أزور إيلينا أراقب ضعف جسدها تراجع صوتها وتقلص المساحة التي كانت تشغلها في العالم.
لم يكن هناك مجال للأوهام. النهاية كانت واضحة مهما حاولنا تأجيلها بالكلمات.
بعد أربعة أشهر توفيت إيلينا.
وصلني الخبر بهدوء غير متوقع دون صدمة مفاجئة كمن كان يعرف في داخله أن الهاتف سيرن في أي لحظة وأن الجملة التي ستقال في الطرف الآخر لن تحمل مفاجأة بل تأكيدا لما كان يؤجل فقط.
لم أصرخ.
لم أشعر بحاجة إلى الاعتراض على الواقع.
لم أبك.
جلست طويلا أحدق في الجدار المقابل لا أفكر في الموت نفسه ولا في الرحيل بل في الزمن في هذه القوة الصامتة التي تمضي دون أن تستأذن وتطوي الناس بعضهم فوق بعض وتغلق الفصول دون أن تمنحنا فرصة المراجعة.
فكرت في كيف تنتهي العلاقات أحيانا قبل أن ينتهي أصحابها وكيف نكتشف متأخرين أننا كنا نعيش في منتصف قصة ظنناها طويلة فإذا بها أقصر مما تخيلنا.
حضرت الجنازة.
دخلت المكان بهدوء وجلست في الخلف بعيدا عن الصفوف الأولى حيث تجلس الذكريات المصقولة والكلمات المحضرة سلفا والوجوه التي تعرف متى تنظر ومتى تنكس رؤوسها.
كنت أفضل أن أكون في الظل لا لأنني أقل شأنا بل لأن بعض الحضور لا يحتاج إلى موقع.
لم ألق كلمة.
لم أدل بشهادة.
لم أتقدم للحديث عن الماضي ولا عن العشرة ولا عن السنوات التي لا يعرفها أحد سوانا.
لم أكن بحاجة إلى وداع علني ولا إلى إثبات شيء لأحد.
بعض الوداعات تقال في الصمت وبعضها لا يقال أصلا.
وقفت أراقب من بعيد.
أستمع للدعاء وهو يرتفع وينخفض يحمل أسماء ومعاني ثم يعود إلى الصمت.
كنت أفكر في السنوات التي مرت لا بندم يحرق الصدر ولا بغضب يطلب إنصافا بل بقبول هادئ قبول من أدرك أن بعض القصص لا تنتهي كما تمنينا
في نهاية المراسم حين بدأ الناس يتفرقون وتحولت الجموع إلى أفراد اقتربت مني سوليداد.
كانت شاحبة متعبة كأن الحياة ضغطت عليها ما يكفي لتسلبها سنوات في أشهر قليلة.
هناك دروس لا تأتي بالتدريج بل تأتي دفعة واحدة والزمن لا يرحم من يتعلمها متأخرا.
وقفت أمامي لحظة لم تتقدم فورا ولم تتراجع.
كانت تلك الوقفة القصيرة مشبعة بتردد طويل كأنها تحاول أن تستجمع ما تبقى من شجاعة أو كأنها تمنح نفسها فرصة أخيرة للتراجع قبل أن تسلمني شيئا تعرف في قرارة نفسها أنه أثقل من أن يحمل بسهولة.
ثم ناولتني شيئا ملفوفا بورق قديم.
لم يكن الورق أنيقا ولا جديدا بل بدا وكأنه حفظ سنوات وطوي بعناية وفتح مرارا ثم أعيد لفه في كل مرة على مهل.
كانت تمسكه بحذر واضح لا كمن يخشى أن ينكسر بين يديه لأنه هش ماديا بل كمن يخشى أن ينكسر ما في داخله هو إن أفلت الشيء أو سقط.
أخذته منها دون أن أسأل.
كانت هناك أشياء لا تحتاج سؤالا.
فتحته ببطء.
كانت صورة قديمة.
صورة لا تحمل تاريخا مكتوبا لكن الزمن كان ظاهرا فيها بوضوح.
أنا أصغر سنا بوجه أقل تعبا وخطوات أكثر خفة أركض خلفها في الحديقة.
أمسك الدراجة من الخلف بكلتا يدي أضحك وأنا ألهث أحاول أن أوازنها وأوازن نفسي في الوقت ذاته كأننا كنا نتعلم معا كيف نمضي دون أن نسقط.
وهي
تبتسم بأسنان غير منتظمة بفرح خالص لا يعرف الخوف ولا التردد ولا الحسابات.
تصرخ بصوت ملآن حياة صوت لا يعرف الكسر
بابا لا تتركني!
توقف الزمن للحظة.
ليس لأن الماضي عاد ولا لأن الذكرى غلبت الحاضر
بل لأن الذاكرة أحيانا تفتح نافذة قصيرة دون استئذان تسمح لك أن ترى ما كنت عليه ثم تغلقها بهدوء كأنها تقول هذا ما كان وهذا ما انتهى.
رفعت عيني عنها ببطء.
قالت بصوت مكسور لا يحمل طلبا ولا عتابا
لم تتوقف يوما عن كونك أبي
توقفت
ثم أضافت بعد صمت قصير كمن يجمع شجاعة الكلمات من أعماق أنهكتها التجربة
أنا من تركت.
لم يكن في صوتها محاولة لتبرير ولا بحث عن غفران فوري.
كان صوت من وصل أخيرا إلى الحقيقة ولو متأخرا.
أومأت برأسي ببطء.
لم أعلق.
لم أجادل.
لم أبحث عن تصحيح ولا عن توضيح ولا عن إعادة كتابة ما حدث.
بعض الاعترافات حين تأتي متأخرة لا تحتاج ردا
لأنها وصلت أصلا إلى المكان الذي يجب أن تصل إليه
سواء قوبلت بكلمات أم بالصمت.
أعدت لف الصورة كما كانت وأمسكتها لحظة أطول مما يلزم
ثم سلمتها لها بهدوء.
غادرت المكان قبل أن يحل الظلام.
لم ألتفت خلفي.
ليس قسوة ولا تجاهلا
بل لأن الالتفات أحيانا يعيد فتح أبواب أغلقت بشق الأنفس
ويوقظ مشاعر أنهكت بما يكفي
مشاعر لم تعد تحتاج إلى اختبار جديد لتثبت أنها ما زالت حية.
سرت وحدي بخطوات ثابتة أستمع إلى صوتي الداخلي أكثر مما أستمع إلى ضجيج الخارج.
كنت أعرف أنني إن التفت فلن أجد جديدا
وأن البقاء في الأمام مهما كان صامتا أكرم من الرجوع خطوة واحدة إلى الوراء.
اليوم ما زلت أعيش وحدي.
ليس وحدة قاسية كما كنت أتصورها يوما ولا عزلة هاربة من الناس بل وحدة مختارة تشبه غرفة هادئة أغلقت أبوابها بعد ضجيج طويل.
حياة بسيطة هادئة بلا ضجيج زائد وبلا مرارة متراكمة في الزوايا.
لا
ازدحام فيها بالماضي ولا تكدس للأسئلة المؤجلة التي كانت تلاحقني في كل مساء.
أستيقظ في مواعيدي دون منبه يصرخ في وجهي ودون استعجال.
أفتح النافذة قليلا أتنفس هواء الصباح وأترك النهار يبدأ كما يشاء.
أذهب إلى عملي بخطوات ثابتة لا أحمل معي شيئا أثقل من حقيبتي ولا أفكارا تطلب حلا عاجلا.
أؤدي عملي بإتقان لا لأثبت شيئا لأحد بل لأنني تعلمت أن الإتقان شكل من أشكال السلام الداخلي.
أعود إلى منزلي في المساء.
منزل لا تملؤه الصور ولا تعيش فيه الأصوات القديمة.
أعد قهوتي كما أحب ببطء وكأنني أحتفل بتفصيل صغير لم أكن أملكه من قبل.
أجلس أحيانا قرب النافذة أراقب حركة الشارع لا لأفكر ولا لأسترجع
بل فقط لأدع الأفكار تمر أمامي دون أن تتشبث بي
كأنها غيوم عابرة تعلمت أخيرا ألا أحتجزها.
أترك الماضي في مكانه.
لا أحمله معي كعبء يومي ولا أجره خلفي كدليل إدانة.
ولا أطارده بأسئلة لم يعد لها معنى لأن بعض الأسئلة حين تتأخر إجاباتها تتحول إلى ثقل لا إلى معرفة.
لا أفتش فيه عن ندم متأخر ولا عن انتصار أخلاقي يريح الضمير
فالماضي حين ينتهي لا يحتاج حكما بل يحتاج حدودا واضحة.
لا أحمل حقدا لأن الحقد عبء ثقيل لا يصلح رفيقا للطريق الطويل.
تعلمت أن الغضب المؤجل يستهلك صاحبه أكثر مما يعاقب من وجه إليه.
ولا أنتظر اعتذارا جديدا لأن بعض الاعتذارات مهما صدقت نواياها لا تغير ما مضى ولا تعيد الزمن إلى نقطة أقل ألما.
ولا أبحث عن تعويض عاطفي متأخر لأن ما فات لا يستعاد كما كان
بل يفهم ثم يوضع في مكانه الصحيح ثم يترك هناك.
تعلمت أن بعض الناس لا يدركون قيمة شخص ما إلا بعد أن يفقدوه
لا لأنهم أشرار بالضرورة بل لأن القرب يعمينا أحيانا عن المعنى الحقيقي للوجود.
وتعلمت أن المساعدة لا تعني دائما العودة
ولا تعني إعادة فتح الأبواب القديمة التي أغلقت يوما لأسباب كانت ضرورية
حتى وإن بدت قاسية في وقتها.
تعلمت أيضا أن الرحمة لا تتناقض مع الحزم
وأن الإنسانية لا تفرض علينا أن نضحي بأنفسنا إلى الأبد كي نثبت أننا طيبون.
بعض العطاء يجب أن يتوقف
ليس لأن القلب قسا
بل لأن الروح تعبت بما يكفي.
وأحيانا تكون الكرامة الحقيقية
ليست في الانتصار
ولا في الكلمات الأخيرة
ولا في أن نفهم الآخرين خطأهم بعد فوات الأوان
بل في أن نغلق الدائرة بهدوء
دون صخب
دون ضجيج داخلي
دون رغبة في الانتقام أو التبرير
أن
لا كما تمنيناها
وأن نمضي قدما
أخف وزنا
أوضح رؤية
وأصدق مع أنفسنا
دون أن ندخل الدائرة من جديد.