بعد أن أهانتني ابنة زوجتي… عادت إليّ حين فات الأوان

لمحة نيوز

انتقلت للعيش في شقة صغيرة في حي نارڤارتي.
هادئة. مرتبة.
لا صور عائلية على الجدران.
لا ضحكات مزيفة.
كنت وحدي فقط مع نوبات عملي في المستشفى ومع سلام داخلي كان في بدايته مؤلما لكنه شيئا فشيئا بدأ يشبه الحرية.
لم أحظر رقم إيلينا.
ولم أحذف رقم سوليداد.
لكنني أيضا لم أتصل.
تعلمت أن أعيش دون أن أنتظر منهما شيئا.
في إحدى ليالي المناوبة قرابة الثانية فجرا اهتز هاتفي في جيب المعطف الطبي.
رقم مجهول.
لم أجب.
اهتز مجددا.
ثم مرة أخرى.
أجبت أخيرا من شدة الإرهاق.
ألو
صمت.
ثم صوت تنفس متقطع.
أنا قالت بصوت مكسور سوليداد.
لم أشعر بالكراهية.
ولم أشعر بالفرح.
كان هناك فقط إرهاق عميق.
ما الذي حدث سألتها بنبرة مهنية باردة كما لو أنني أتحدث إلى مريضة.
انفجرت بالبكاء غير قادرة على تركيب الكلمات.
قالت إنها لا تعرف بمن تتصل.
إن والدتها مريضة.
وإنه لم يبق لديها أحد.
تنفست بعمق.
ما نوع المرض
سرطان.
الثدي.
في مرحلة متقدمة.
كانت إيلينا قد تجاهلت الأعراض لأشهر.
العمل الضغط الإنكار.
وحين ذهبت إلى الطبيب كان الأوان قد فات للعلاجات البسيطة.
كانت بحاجة إلى علاج كيميائي عاجل.
إلى جراحة.
إلى أدوية باهظة الثمن.
لا نملك المال قالت سوليداد التأمين لا يغطي كل شيء. لا أحد يقرضنا. أنا لا أستطيع وحدي.
سكت.
كانت المفارقة قاسية
عملت

خمسة عشر عاما في هذا النظام الصحي نفسه.
كنت أعرف تماما كم يكلف إنقاذ حياة
وكم يؤلم العجز عن دفع ثمن ذلك.
وأين ماريو سألت.
ساد صمت أطول.
لا يجيب. لم يعد أبدا.
بالطبع لم يعد.
بدأت سوليداد تتحدث بسرعة بارتباك.
قالت إنها أخطأت.
وإنها تعرضت للتلاعب.
وإنها تدرك الآن كل ما فعلته من أجلها.
وإنني كنت دائما والدها الحقيقي.
وإن تلك الليلة ليلة التخرج كانت أسوأ خطأ في حياتها.
أرجوك توسلت ساعدنا. أتوسل إليك.
أغمضت عيني.
تذكرت الصف السابع عشر.
تذكرت صوتها وهي تصرخ في وجهي أنني لا أساوي شيئا.
تذكرت يد ماريو على كتفي.
سأساعد قلت أخيرا.
أطلقت شهقة ارتياح.
شكرا أبي
قاطعتها فورا.
لا تناديني هكذا.
في اليوم التالي حركت علاقاتي تحدثت مع أطباء أورام حصلت على تخفيضات رتبت خطط العلاج.
دفعت جزءا كبيرا من التكاليف.
لا بدافع الحب.
ولا بدافع الغفران.
بل بدافع الإنسانية.
لم أعد للعيش معهما أبدا.
كنت أزور إيلينا في المستشفى بانتظام.
لم أكن أتغيب ولم أكن أكثر الزيارات أيضا.
كنت أجيء في أوقات محددة أجلس قرب سريرها أسأل عن حالها أطمئن على الألم ثم أغادر.
كنت أتحدث إليها باحترام واضح لكن بلا عاطفة.
لا دفء الزوج ولا قسوة الغريب.
نبرة متزنة محايدة كأن السنوات التي جمعتنا تحولت إلى ملف طبي مغلق.
كانت تبكي كثيرا.
تبكي بصوت منخفض
أحيانا وباختناق كامل أحيانا أخرى.
كانت تطلب الصفح مرارا لا بعبارات كبيرة بل بجمل قصيرة متقطعة كأنها تخشى أن ينهار صوتها إن أطال الكلام.
كانت تقول إنها أدركت الحقيقة متأخرة.
إنها رأتني دائما موجودا لكنها لم تفهم قيمتي إلا حين غبت.
وكنت أستمع دون أن أعد بشيء.
لم أكن أجادلها ولم أعاتبها.
كنت أعرف أن بعض الاعترافات تأتي متأخرة لدرجة أن الرد عليها يصبح بلا معنى.
وكانت سوليداد تراقبني من عند الباب.
لم تكن تدخل الغرفة إلا نادرا.
كانت تقف هناك مترددة كأنها تخشى الاقتراب أو تخشى ما قد تسمعه إن فعلت.
لم تعد تنظر إلي بنظرة تعال كما في السابق.
ولا بتحد.
بل بنظرة مثقلة بالذنب وبأسئلة لم تجرؤ على نطقها.
في أحد الأيام بينما كانت إيلينا نائمة تحت تأثير المسكنات اقتربت سوليداد مني ببطء.
جلست على الكرسي المقابل ويديها متشابكتان بقوة كأنها تمسك نفسها من الانهيار.
قالت بصوت خافت
لو كان بإمكاني إعادة الزمن
قاطعتها بهدوء دون انفعال
لا يمكن.
رفعت رأسها نحوي وكأنها لم تتوقع المقاطعة.
أضفت
وحتى لو كان ممكنا لا أعلم إن كنت سأغير شيئا.
ساد صمت ثقيل ليس من ذلك الصمت العابر الذي يملأ الفراغ بين كلمتين بل صمت ممتد مشبع بما لم يقل وبما فات أوانه.
كان الهواء نفسه يبدو متوقفا وكأن الغرفة تحبس أنفاسها معنا.
ثم سألت بصوت
بالكاد يسمع صوت متردد كمن يعرف أن السؤال قد يكون بلا جواب
هل هل لن تسامحني أبدا
لم يكن السؤال موجها إلى لساني بقدر ما كان موجها إلى ضميري إلى تلك السنوات الطويلة التي مضت إلى كل لحظة صمت فيها حين كان الكلام واجبا وإلى كل مرة افترضت فيها أن التضحية تفهم وحدها دون شرح.
نظرت إليها طويلا.
لم يكن في النظرة غضب ولا شفقة ولا رغبة في العتاب.
كانت نظرة فحص أخير كمن يتأمل صفحة انتهت كتابتها ولا يمكن تعديلها.
لم تعد تلك الطفلة التي كنت أمسك يدها الصغيرة لتتعلم ركوب الدراجة أركض خلفها وأكتم خوفي وأنا أراقب توازنها الهش أضحك حين تسقط وأطمئنها حين تبكي.
ولا تلك المراهقة التي كانت تعود من المدرسة غاضبة من زميلة أو محبطة من اختبار وتجلس قرب المطبخ تروي التفاصيل بثقة من يعرف أن هناك من يستمع.
التي أمامي الآن كانت امرأة بالغة.
امرأة اتخذت قراراتها بوعي كامل لا بدافع الجهل ولا الطفولة بل بقناعة لحظية ظنتها حقيقة.
وامرأة تحمل الآن نتائج تلك القرارات لا كعقاب بل كواقع لا يمكن التملص منه.
قلت بهدوء دون أن أرفع صوتي ودون أن أبحث عن تأثير
الغفران لا يعني دائما العودة.
توقفت لحظة لا لأصنع دراما بل لأن بعض المعاني تحتاج فراغا كي تفهم.
ثم تابعت
أحيانا يعني فقط ألا نكره.
لم تبك.
لكن عينيها امتلأتا بشيء أثقل من الدموع.

ذلك الامتلاء الصامت الذي لا يفيض لأنه أثقل من أن يسكب ولا يصرخ لأنه تجاوز مرحلة الصراخ.
رأيت في نظرتها فهما متأخرا لا
تم نسخ الرابط