طرق باب بيته فجرًا… والصوت الذي سمعه من القبو دمّر حياته للأبد

لمحة نيوز

يكن جوليان ينزل إلى القبو أبدا.
لم يكن جزءا من يومه ولا من ذاكرته ولا من تصوره عن البيت الذي تركه خلفه في كل رحلة.
القبو في ذهنه لم يكن سوى مكان مهمل بلا معنى بلا حياة.
لكن في تلك اللحظة شعر بشيء مختلف.
شيء ما شده إلى الأسفل.
لم يكن فضولا.
ولم يكن خوفا خالصا.
كان شعورا أثقل من الخوف وأقوى من التردد وأقسى من أي تعب عرفه على الطرق الطويلة.
نزل الدرج ببطء.
كانت كل درجة تصدر صريرا خافتا كأن البيت نفسه يحتج على ما أوشك أن يكشف.
كان المصباح يتدلى فوق رأسه يومض بضوء شاحب يشتعل وينطفئ كأنه يتردد بين أن ينير الحقيقة أو يتركها في الظلام.
الهواء كان باردا.
رطبا.
يحمل رائحة الأرض القديمة والحديد الصدئ والعزلة الطويلة.
ومع كل خطوة كان صدره يضيق أكثر كأن الهواء يقل وكأن المكان لا يريد دخوله.
وعندها
رآها.
لم ير أمه كما كان يتذكرها.
لم ير المرأة التي كانت تضحك بصوت عال ولا التي كانت تقف عند الباب تودعه وتدعوه بالحفظ.
رأى هيئة منحنية صغيرة تكاد تختفي داخل نفسها ملفوفة ببطانية مهترئة فقدت لونها منذ زمن.
كانت جالسة على كرسي مكسور لا يسنده إلا العادة كما لو أنها اعتادت الجلوس هناك حتى صار جزءا منها.
وجه مألوف
لكن مختلف.
وجه نحيل محفور بخطوط لم تكن موجودة
من قبل.
وجه أرهقته السنوات ونحته المعاناة وأطفأت فيه الحياة شيئا فشيئا دون صراخ دون احتجاج.
أمي
خرجت الكلمة من فمه كهمس مرتجف كأنها تخشى أن تسمع أو أن تكون خطأ.
رفعت الحاجة كارمن رأسها ببطء شديد.
تحركت كأن الجسد يطيع بصعوبة وكأن كل حركة تحتاج إذنا من الألم.
حدقت فيه طويلا طويلا إلى حد موجع كأنها لا تصدق ما تراه وكأنها تخشى أن يكون طيفا صنعه الحنين.
ثم
امتلأت عيناها المتعبتان بالدموع.
يا بني لقد عدت قالت.
لم يكن صوتها قويا.
كان مكسورا واهنا لكنه كان صادقا.
وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة أشبه باعتذار طويل عن سبع سنوات من الصمت.
في تلك اللحظة تحطم عالم جوليان.
لم يصرخ.
لم يبك.
لم يستطع حتى أن يتنفس بعمق.
سقط على ركبتيه أمامها كما يسقط الإنسان حين تخونه قوته دفعة واحدة.
أمسك بيديها الباردتين بجلدها الهش وشعر بأن كل الطرق التي قطعها وكل الليالي التي غابها وكل الأعذار التي أقنع بها نفسه تنهار فوق رأسه دفعة واحدة.
لم تحتج إلى شرح.
لم تقل شيئا.
لم تشتك.
كان كل شيء واضحا واضحا حد الألم.
وفي الأعلى دوى صوت خطوات سريعة.
نزلت فيرونيكا مسرعة وقد تغير لون وجهها وارتسم الذعر في عينيها قبل أن تنطق.
جوليان! أستطيع أن أشرح
نهض ببطء.
كانت ملامحه جامدة
لا غضب فيها ولا دموع فقط صلابة باردة تخيف أكثر من الصراخ.
وصوته خرج ثابتا على نحو لم تعرفه فيه من قبل.
سبع سنوات قال.
لم تكن الكلمة مجرد رقم.
كانت وزنا سقط من فمه وارتطم بالمكان كله.
ثم أعادها كأن الرقم يحتاج أن يقال مرتين ليصبح حقيقة لا مهرب منها
سبع سنوات وأنا أعمل من أجل هذا البيت
سبع سنوات وأنا أظن أنني أبني جدرانا آمنة
وأنت في الوقت نفسه دفنت أمي حية.
سكت قليلا لا لأن الكلمات انتهت بل لأن الغضب كان أكبر من أن يقال دفعة واحدة.
كانت فيرونيكا تقف أمامه يداها ترتجفان وعيناها تبحثان عن مخرج عن جملة واحدة قد تخفف وقع الحقيقة.
حاولت التبرير.
قالت كلمات متقطعة لا يمسك بعضها ببعض.
بكت كما يبكي من يفاجأ بانكشاف أمره لا كما يبكي من يندم.
ثم في محاولة أخيرة يائسة حاولت أن تلقي اللوم على الحاجة كارمن كأن الضحية يمكن أن تتحول فجأة إلى سبب.
لكن شيئا من ذلك لم يعد يجدي.
لم تعد الكلمات تملك وزنا ولا الأعذار قادرة على الوقوف. كان جوليان قد تجاوز مرحلة الغضب الصاخب ذلك الغضب الذي يرفع الصوت ويكسر الأشياء. وصل إلى تلك النقطة الباردة القاسية التي يصبح فيها القرار أثقل من الانفعال ويغدو الصمت أوضح من أي صراخ.
في تلك اللحظة لم يشعر بالانتصار ولا بالراحة.
شعر فقط بأن عليه أن يفعل ما كان يجب أن يفعل منذ زمن ولو جاء متأخرا سبع سنوات كاملة.
أخرج هاتفه بيد ثابتة على نحو أدهشه هو نفسه.
لم ترتجف أصابعه.
لم يتردد صوته.
كأن سبع سنوات من الغياب والطرق الطويلة والليالي التي أقنع فيها نفسه بأنه يفعل الصواب تحولت فجأة إلى قرار واحد واضح لا يقبل المساومة.
اتصل بالسلطات.
ثم بالجيران.
ثم بكل من لزم الأمر.
لم يتراجع.
لم يحاول التخفيف.
لم يسأل نفسه إن كان ما يفعله قاسيا.
كان يعرف أن القسوة الحقيقية قد حدثت بالفعل وأن ما يقوم به الآن ليس سوى مواجهة متأخرة.
نقلت الحاجة كارمن إلى المستشفى.
عندما دخلت الممر الأبيض شعرت بالارتباك.
كان كل شيء نظيفا أكثر مما اعتادت مضاء أكثر مما تحتمل عيناها في البداية.
كانت تنظر إلى السقف طويلا لا لأنها كانت تهتم بتفاصيله بل لأنها كانت تخشى أن ينطفئ الضوء فجأة أن يطلب منها النزول أن يقال لها إن هذا المكان ليس لها.
كانت تنتظر الأمر ولم يأت.
للمرة الأولى منذ سنوات لم يأت أحد ليأخذها إلى الأسفل.
نامت في سرير حقيقي بملاءة ناعمة لم تشم فيها رائحة الرطوبة ولا العتمة.
كان الضوء دافئا ثابتا لا يخيف.
وكان الصمت مختلفا صمت لا يهدد ولا يعاقب ولا ينتظر خطأ.
جلس جوليان إلى جوارها ممسكا
بيدها.
لم يكن يمسكها بقوة بل بحذر شديد كمن يخشى أن يوقظ جرحا قديما أو أن يفلت الزمن من
تم نسخ الرابط