طرق باب بيته فجرًا… والصوت الذي سمعه من القبو دمّر حياته للأبد
في أحد الأحياء القديمة في إيكاتبيك حيث تتكدس البيوت فوق بعضها كأنها تخشى الانهيار كانت تعيش الحاجة كارمن. تجاوزت الستين من عمرها جسدها نحيل ويداها مليئتان بعروق بارزة وصوتها الذي كان في السابق يصدح بالغناء وهي تكنس فناء البيت خبا مع الأيام.
كان ابنها جوليان يعمل سائق شاحنة نقل ثقيل. يجوب ولايات كاملة ويقضي أسابيع طويلة بعيدا عن المنزل. دفعته الحياة إلى ذلك العمل نوبات شاقة طرق لا تنتهي نوم في كبائن باردة لكن بدخل يكفي لإعالة زوجته وإرسال بعض المال إلى أمه. كان جوليان يظن أنه أدى واجبه كابن. كان يظن ذلك فحسب.
أما زوجته فكان اسمها فيرونيكا. كانت دائما تبتسم للجيران تلقي التحية بلطف وتتحدث عن الاحترام والأسرة وعن صعوبة بقائها وحدها لأشهر طويلة. لم يشك أحد في شيء. لم يشك أحد سوى جدران البيت والقبو.
كان القبو مظلما رطبا تفوح منه رائحة التراب العتيق والصدأ. لم يكن مهيأ للسكن. كانوا يخزنون فيه الأدوات والصناديق المكسورة والذكريات التي لا قيمة لها. وهناك انتهى المطاف بالحاجة كارمن.
حدث ذلك للمرة الأولى في ليلة ماطرة. كان جوليان قد غادر قبل يومين فقط.
قالت فيرونيكا بصوت جاف دون أن تنظر إليها
أنت تعلمين أن زوجي غير موجود. لا أريد مشكلات. هنا في
ظنت الحاجة كارمن أن الأمر مؤقت. ظنت أنه ليلة واحدة. نزلت الدرج ببطء تحمل بطانية رقيقة وكرسيا قديما. انتظرت. ولم يعد أحد من أجلها.
تحولت الأيام إلى شهور.
وتحولت الشهور إلى سنوات.
طوال سبع سنوات في كل مرة كان جوليان يخرج للعمل كانت فيرونيكا تنزل الحاجة كارمن إلى القبو. وعندما يعود كانت تصعدها تنظفها قليلا وتملي عليها ما يجب أن تقوله.
إن تكلمت فلن يصدقك أحد. جوليان يحبني أنا لا امرأة عجوزا عديمة الفائدة كانت تهمس لها بصوت خافت لكنه حاد كالسهم يخترق الصدر قبل الأذن.
وكانت الحاجة كارمن تصمت.
لم يكن صمتها استسلاما ولا ضعفا ولا قبولا بما يحدث لها.
كان صمتها خوفا من شيء واحد فقط أن تفقد ابنها.
لم تكن تخشى الموت فقد تعلمت مع السنين أن الموت أرحم من بعض أشكال الحياة. لكنها كانت تخشى أن يكرهها جوليان أو أن يظن أنها تبالغ أو أن يراها عبئا كما أرادت فيرونيكا أن تبدو. كانت تقول في نفسها كل ليلة وهي تحدق في العتمة
عندما يعود نهائيا عندما يتوقف عن السفر عندما يستقر سيفهم كل شيء. سيتغير كل شيء.
لكن جوليان كان يعود فقط ليغادر من جديد.
كان يدخل البيت محملا بالتعب يقبل زوجته يسأل عن أمه فتجيبه فيرونيكا بابتسامة مصطنعة
إنها بخير تنام
ثم يرحل.
وفي كل مرة كانت الحاجة كارمن تعاد إلى القبو كما تعاد قطعة أثاث لا حاجة لها.
في الأعلى كانت المائدة تمتلئ بالأطباق الساخنة والروائح الزكية والضحكات العابرة.
وفي الأسفل كانت الحاجة كارمن تعيش على بقايا الطعام وبقايا الصمت وبقايا الذكريات.
كانت تسمع وقع الخطوات فوق رأسها تسمع صوت الصحون وصوت التلفاز وصوت الضحك أحيانا.
وكان الصمت الذي يلي ذلك أقسى من أي صراخ.
مع مرور الوقت توقفت عن عد الأيام. لم تعد تعرف إن كان اليوم اثنين أم جمعة. لم تعد تنتظر شيئا محددا. تعلمت أن تعرف الوقت من أشياء صغيرة
من صوت الأقدام عند الفجر
من شاحنة القمامة التي تمر كل صباح
من السكون الثقيل الذي يسبق بزوغ الضوء.
تورمت ركبتيها من الجلوس الطويل.
وانحنى ظهرها أكثر حتى صار جسدها يبدو كأنه ينحني اعتذارا للعالم.
كانت يداها ترتجفان أحيانا من البرد وأحيانا من الوحدة.
كانت تحدث نفسها كثيرا.
تسأل الجدران إن كانت ما زالت مرئية.
تسأل الظلام إن كان يسمعها.
وأحيانا كانت تغني.
تغني بصوت خافت مكسور تلك الأغاني التي كانت تغنيها لجوليان عندما كان طفلا حين كان يخاف من الظلام فيأتي إلى سريرها فتضمه وتهمس
نم يا صغيري أمك هنا لن يصيبك شيء
وكانت تبتسم رغم الدموع
إلى أن جاء يوم
يوم لم تكن تنتظره
ولم تتخيله
ولم تعد تؤمن بأنه سيأتي.
عاد جوليان دون سابق إنذار.
كان قد أنهى عقدا طويلا في مونتيري. أشهر من الطرق ومن التعب ومن الغياب. وفي تلك الليلة قرر أن يعود فجأة. أراد أن يفاجئ فيرونيكا أن يدخل البيت بهدوء أن يراها نائمة أن يشعر أخيرا بأنه عاد إلى مكانه.
وصل في الفجر مرهق الجسد لكنه خفيف القلب.
فتح الباب بهدوء كما لو كان يخشى أن يوقظ البيت نفسه.
لكن البيت لم يكن نائما.
كان صامتا على نحو غريب.
صمتا ثقيلا لا يشبه هدوء البيوت الآمنة بل يشبه صمت الأماكن التي تخفي سرا.
توقف جوليان في مكانه.
شعر بانقباض مفاجئ في صدره بلا سبب واضح.
ثم سمع الصوت.
صوت ارتطام خافت.
صوتا مكتوما مترددا كأنه تردد بين أن يسمع أو أن يبقى حبيس العتمة.
مرحبا نادى بصوت منخفض فيرو
لم تأته إجابة.
لكن الصوت تكرر.
لم يكن مجرد صوت عابر ولا وهما عالقا في أذن متعبة.
كان حقيقيا واضحا يأتي من عمق البيت من ذلك المكان الذي لم يكن جوليان يفكر فيه أبدا.
وكان آتيا من الأسفل.
توقف جوليان في مكانه.
مد أذنه أكثر وحبس أنفاسه كأن أي حركة قد تفقده ذلك الخيط الرفيع الذي يقوده إلى الحقيقة.
عاد
لم