كانوا يظنّون أن الجدّ يؤذي حفيدته… لكن ما اكتشفته الأم داخل المخزن أبكاها وغيّر حياتهم إلى الأبد

لمحة نيوز

أرض المخزن وأنا أضم الكاميرا إلى صدري وانفجرت دموعي التي كنت أحبسها. الوحش الذي تخيلته في المخزن لم يكن إلا أبا يحارب تلاشيه كي يبقى بيننا ولو بخيط رفيع.
مسحت دموعي وحاولت أن أتماسك قبل أن أخرج. حملت الكاميرا وعدت إلى داخل البيت. وجدت ليتي تلعب في الصالة بينما كان أبي جالسا على كرسيه الهزاز ينظر إلى الفراغ كأن عقله يسافر بعيدا. ما إن رأتني ليتي حتى ركضت نحوي أمي لماذا عيناك منتفختان هل بكيت جثوت أمامها ورفعت وجهها بكفي ثم نظرت إلى الخدش الصغير في عنقها ليتي لقد عرفت كل شيء. شاهدت الفيديو. اتسعت عيناها وانحنت برأسها خوفا من أن أوبخها آسفة يا أمي لا تغضبي من جدي. لا ترسليه إلى دار المسنين أنا سأعتني به. أستطيع.
عانقتها بقوة. في السابعة من عمرها كانت أشجع مني وأفهم مني لغة الحب. قلت لها لن نغضب من جدك ولن نتركه أبدا. ثم نهضت واقتربت من أبي. أحس بوجودي ورفع رأسه وفي عينيه خوف وحيرة سارة هل سترحلان هل صار اليوم الأحد هززت رأسي وأريته الكاميرا يا أبي شاهدت كل شيء. عرفت أمر مرضك.
اصفر وجهه وانكسرت ملامحه خجلا. ذلك الحلاق الصارم الذي عرفته بدا كطفل أمامي سامحيني يا سارة. لم أرد أن أكون عبئا. أعرف أنك مشغولة وأن لك حياتك. إن عرفت أنني بدأت أنسى ربما تتركينني وحدي هنا حتى أموت.
اقتربت واحتضنت أبيشيء لم أفعله منذ سنين طويلة. قلت
نحن عائلة يا أبي. والعائلة لا تترك بعضها خصوصا حين يبدأ العالم يظلم. من اليوم سنعيش هنا. سأعود أنا وليتي إلى البلدة ونعتني بك. بكى أبي على كتفي وسقطت الجدران التي بناها بيننا. وفي ذلك اليوم تركت عملي في مانيلا واستثمرت مدخراتي لأبدأ مشروعا صغيرا عبر الإنترنت لأبقى قرب أبي وأطمئن عليه.
صار الاعتناء به جزءا من حياتنا اليومية. كانت هناك أيام يستيقظ فيها جيدا يتذكرنا ويحكي عن أمي ويعلم ليتي الشطرنج. وكانت هناك أيام أخرى صعبة لا يعرف من نحن ويضطرب ويسأل عن مقصاته وكأن لديه زبائن ينتظرونه. كنت قد أغلقت المخزن بإحكام حفاظا على سلامته فيغضب أحيانا ويبحث عنه. كان مؤلما أن أرى الرجل الذي كان سندا لي يبتلعه المرض تدريجيا. لكن ليتي كانت دائما تهدئه بصوتها الرقيق جدي اليوم إجازة. لنقص الشعر غدا. استرح الآن. فيهدأ كأنه سمع كلمة يعرفها منذ زمن.
ثم جاء اليوم الذي كنت أخشاه. في إحدى الظهيرات استطاع أبي أن يدخل المخزن لأنني تركت الباب مفتوحا لحظة وأنا أنظف. دخلت وراءه فوجدته يحمل المقص يحاول أن يصلح شعره أمام المرآة وهو غير ثابت اليد. كان قد خدش أذنه دون قصد وبدت عليه علامات الاضطراب. صرخت يا أبي! كفى! وهرعت لأخذ المقص منه. قاومني وهو لا يعرفني اتركيني! من أنت وكانت قوة خوفه أكبر مما توقعت. تعثرت واصطدمت بالرف.
في تلك اللحظة دخلت ليتي
جدي!
ما إن سمع صوتها حتى توقف. نظر إليها وتبدل الغضب في وجهه إلى حيرة ثم حزن. أفلت المقص فسقط على الأرض. جلس على كرسي الحلاقة القديم وانهمرت دموعه أنا لا أفهم أنا متعب ساعداني
التقطت المقص وأبعدته ثم جلست إلى جانبه. أخرجت مشطا وقطعة قماش ونظفت أثر الخدش برفق. قلت له يا أبي تعبت يداك. الآن دورك أن ترتاح. وأنا سأخدمك.
بدأت أمشط شعره الأبيض الخفيف ثم أخذت أقصه ببطء وحذر ممتلئة بالمحبة. كانت تلك أول مرة أقص له فيها شعره. ومع كل حركة كان يهدأ أكثر. أغمض عينيه وابتسم ابتسامة صغيرة.
همس يدك خفيفة كيد زوجتي كيد أمك.
قلت أنا سارة يا أبي.
فتح عينيه لحظة ونظر إلي في المرآة وفي ومضة قصيرة رأيت بريق التعرف يعود إلى عينيه سارة ابنتي أنت جميلة أنا فخور بك.
كانت تلك آخر مرة سمعته يتحدث بصفاء كامل. بعد ذلك غاص عقل أبي في غياهب النسيان. ومع مرور الأشهر صار يحتاج إلى رعاية أكبر. لكننا لم نتركه. حتى لحظاته الأخيرة كانت ليتي تمسك يده اليمنى وأنا أمسك اليسرى. رحل أبي بسلام في غرفته محاطا بمن يحبونه.
وبعد انتهاء مراسم العزاء وبينما كنا نرتب الأشياء وجدت كاميرا الفيديو في المخزن. كانت هناك شريط أو تسجيل أخير بداخله وعليه ورقة صغيرة إلى سارة وليتيشاهداه عندما لا أكون موجودا.
جلسنا أنا وليتي في الصالة وشغلناه.
ظهر أبي على كرسي الحلاقة مرتديا
لباسا أنيقا كأنه سجله في الأيام التي كان وعيه فيها أوضح. ابتسم للكاميرا وقال
سارة ليتي إن كنتما تشاهدان هذا فمعناه أن معركتي انتهت. لا تبكيا. أنا سعيد. سعيد لأنني في آخر أيامي لم أكن وحدي. سارة ابنتي شكرا لأنك عدت. شكرا لأنك سامحت هذا العجوز القاسي. وليتي يا حفيدتي أنت أفضل زبونة قصصت لها شعرا. قصتنا معا أجمل ذكرياتي. أترك لكما هذا البيت وهذه الأرض. لكن أثمن ما أتركه ليس مالا ولا شيئا ماديا. إرثي هو هذا
ثم أشار إلى صدره.
الذاكرة قد تضيع. والعقل قد ينسى. لكن القلب القلب لا ينسى كيف يحب. حتى إن لم أعد أستطيع نطق اسميكما في النهاية تذكرا أن قلبي يعرفكما. أحبكما حبا لا ينتهي. وداعا.
ثم انطفأت الشاشة. تعانقنا أنا وليتي وبكينا طويلا.
ومضت عشر سنوات.
صار المخزن القديم صالونا
مضيئا جميلا. وعلى اللافتة صالون بيرتينغ وليتي. كانت ليتيوقد صارت في السابعة عشرةتديره في عطلات نهاية الأسبوع وهي تدرس التجميل. كانت ماهرة كأنها ورثت يد جدها.
وكلما جاء طفل يخاف من قص الشعر ابتسمت ليتي وحكت له عن جدها لا تخف فكل قصة شعر تحمل حكاية حب.
وفي رف داخل الصالون بقيت الكاميرا القديمة ومقص أبي معروضين داخل صندوق زجاجي. لم يعودا مجرد أدوات بل صارا رمزا لحب تجاوز حدود الذاكرة والزمن. تعلمنا أن المرض قد يمسح أسماء وصورا من العقل لكنه لا يستطيع أن يمحو
المحبة المكتوبة في القلب.

تم نسخ الرابط