جلسوا على العشب وتركوا البوفيه… لكنهم كشفوا معنى الغِنى الحقيقي في يوم التخرّج

لمحة نيوز

تنصرفا عن ذلك المشهد البسيط الذي شده بقوة لا يفهمها تماما. ثم قال بعد لحظة صمت بصوت خافت لم تعهده منه صوت أقل صلابة وأكثر صدقا
لا شيء فقط أنظر إليهم. نحن نملك الكثير من المال لكن يبدو أنهم أغنى منا.
كانت تلك الجملة صادقة إلى حد موجع صادقة لأنها خرجت من إدراك مفاجئ لا من فلسفة معدة مسبقا. في تلك اللحظة أدرك الرجل أن المال الذي جمعه طوال عمره والعقارات التي امتلكها والحسابات التي امتلأت بالأرقام لم تستطع أن تمنحه تلك اللحظة الصافية من القرب الإنساني التي رآها أمامه. فهم أنه يستطيع أن يحجز أفخم المطاعم في المدينة وأن يقيم الاحتفالات في أغلى الفنادق وأن يطلب أندر الأطعمة دون أن ينظر إلى السعر لكنه عاجز عن شراء تلك السعادة الحقيقية التي لا تعتمد على المال ولا تفرض بالترف ولا تصنع بالديكور الفاخر.
تسلل إلى قلبه شعور لم يعتد عليه من قبل شعور هادئ لكنه عميق كنسمة باردة في يوم حار غيرة صامتة. لم تكن غيرة حقد أو ضيق من الآخر ولا رغبة في زوال ما يملكه غيره بل غيرة رجل وقف فجأة أمام مرآة الحقيقة فرأى فيها ما غاب
عنه طويلا. أدرك وبشيء من الأسى المتأخر أن الثروة لا تقاس بما تراكم في الخزائن ولا بما كتب في دفاتر الحسابات بل بمن يشاركك اللحظة دون مصلحة وبمن يجلس معك حول الطعام دون تصنع أو تكلف وبمن يضحك معك بلا سبب معد سلفا وبمن يشعر أن وجوده إلى جوارك هو بذاته سبب كاف للفرح والطمأنينة.
شعر أن سنوات طويلة من السعي واللهاث خلف النجاح المادي مرت كقطار سريع لم يترك له فرصة لالتقاط أنفاسه ولا للتأمل فيما كان يبتعد عنه شيئا فشيئا. تذكر أمسيات عاد فيها إلى بيت واسع لكنه بارد وأياما مرت دون حديث حقيقي واحتفالات أقيمت بكل مظاهر الفخامة لكنها خلت من الدفء. لأول مرة شعر بأن شيئا أثمن من المال قد انزلق من بين يديه دون أن ينتبه.
ثم عاد المشهد إلى العشب حيث كانت الحقيقة أبسط وأصدق وأكثر وضوحا من أي خطاب أو فلسفة.
هناك تحت ظل الشجرة كانت جوي ما تزال بين والديها قريبة منهما كما كانت دائما بلا حواجز ولا مسافات. عانقت والدها عناقا طويلا عناقا لا يشبه عناق الصور الملتقطة ولا عناق المجاملات العابرة بل عناق ابنة تعرف تماما حجم التعب
الذي انحنى له ظهر هذا الرجل وعدد الأيام التي عاد فيها مرهقا وعدد الليالي التي نام فيها وهو يفكر في مستقبلها قبل أي شيء آخر. كان عناقا يحمل شكرا صامتا عن كل وجبة بسيطة وكل تضحية خفية وكل حلم أجله من أجلها.
ثم ضمت والدتها في اللحظة ذاتها وكأنها تخشى أن يستثنى أحد من هذا الامتنان الصادق. كانت الأم تبتسم والدموع تلمع في عينيها دموع فخر لا تحتاج إلى كلمات. قالت جوي بصوت مملوء بالعاطفة صوت تهتز فيه الكلمات قبل أن تخرج وكأن القلب يسبق اللسان
أبي أمي شكرا لكما من قلبي. هذا أفضل احتفال تخرج يمكن أن أحلم به.
لم يستطع ناردينغ أن يمنع الدموع من عينيه. لم تكن دموع ضعف ولا انكسار بل دموع رجل شعر في تلك اللحظة تحديدا أن كل سنوات التعب لم تذهب هباء وأن كل ساعات العمل تحت الشمس وكل لحظة حرمان وكل تعب صامت تحمله دون شكوى قد تحول الآن إلى معنى حي بين يديه. انسابت دموعه بهدوء وهو يقول بصوت مبحوح تختلط فيه العاطفة بالفخر
من أجلك يا ابنتي نفعل كل ما نستطيع بل وأكثر.
في تلك اللحظة تلاشت الحدود التي صنعها الناس بأيديهم. لم يعد
هناك غني ولا فقير لم يعد هناك بوفيه فاخر ولا فندق خمس نجوم لم تعد هناك مقارنات ولا مظاهر ولا أرقام. كان هناك معنى واحد واضح لا يقبل الجدل أن القيمة الحقيقية لأي إنجاز لا تكتمل إلا بوجود من تعب من أجلك ومن سار معك في الطريق حين كان الطريق طويلا وشاقا ومن آمن بك حين لم يكن معك شيء سوى الحلم والإصرار.
وفي النهاية ثبت للجميع سواء لمن شاهد ذلك المشهد بعينيه أو لمن لم يسمع به قط أن المناسبات لا تحتاج إلى ثريات فاخرة تتدلى من السقوف ولا إلى قوائم طعام باهظة مليئة بالأسماء الأجنبية ولا إلى قاعات مترفة تعج بالضيوف لكي تكون عظيمة ومؤثرة. فالعظمة الحقيقية تولد في البساطة وتنمو في الصدق وتستقر في الذاكرة لأنها ارتبطت بالمشاعر لا بالمظاهر وبالقلوب لا بالمقاعد الوثيرة.
وطعم النجاح يصبح أصدق وأعمق وأحلى حين يشارك مع عائلة مستعدة لأن تفرش حصيرة على العشب وتجلس معك تحت السماء المفتوحة غير آبهة بنظرات العابرين فقط لتقول لك دون حاجة إلى كلمات طويلة أو خطب رنانة ودون ضجيج أو بهرجة
أنت مهم
وأنت محبوب
وأنت أثمن من أي ثروة يمكن
أن يهبها المال.

تم نسخ الرابط