جلسوا على العشب وتركوا البوفيه… لكنهم كشفوا معنى الغِنى الحقيقي في يوم التخرّج
لم يكن لدى عائلة الخريجة مال لدفع ثمن بوفيه فاختاروا أن يحتفلوا بنزهة بسيطة على عشب الجامعة لكن الأثرياء شعروا بالغيرة حين رأوهم.
كان يوم التخرج. الأجواء تعج بالفرح والضجيج خارج أسوار الجامعة.
كانت جوي الحاصلة على مرتبة الشرف العليا تضم بين ذراعيها شهادتها ووسامها. وإلى جانبها والدها ناردينغ سائق الدراجة الثلاثية ووالدتها باسنغ التي تعمل في غسل الملابس.
من حولهم كان زملاء جوي يصعدون إلى سيارات فاخرة كل منهم متجه إلى احتفال مختلف.
صرخ أحدهم نلتقي في مطعم فايكنغز!
وقال آخر سنحتفل في سبايرال!
بقيت عائلة جوي في موقف السيارات. بدا الخجل على وجه ناردينغ فأدخل يده في جيبه وتفقد ما فيه. لم يجد سوى خمسمئة بيزو وهو مبلغ لا يكفي لتناول وجبة لائقة لثلاثة أشخاص في مطعم.
قال ناردينغ بحزن
ابنتي سامحيني. لن نستطيع الاحتفال مثل زملائك. لا نملك ما يكفي للبوفيه.
ابتسمت جوي وأمسكت بيد والدها قائلة
لا بأس يا أبي. ما دمتما معي فهذا يكفيني سعادة.
ثم أضاف ناردينغ بنظرة يملؤها الأمل
لكن لدي مفاجأة لك.
توجه إلى دراجته المتوقفة في أحد أركان الموقف وأخرج حصيرة وحاوية بلاستيكية كبيرة.
بحثوا عن شجرة وارفة في العشب المقابل لساحة الجامعة وفرش ناردينغ الحصيرة هناك.
فتح الحاوية فانبثقت
صفقت جوي بفرح قائلة
ما أطيب هذا الطعام! أنت من طبخته يا أبي أليس كذلك يكفي أن أشمه لأعرف أنه رائع.
جلسوا على العشب الأخضر الذي كان ما يزال محتفظا بندى الصباح وقد افترشوه كما لو كان بساطا من كرامة ورضا.
لا طاولة تقيهم انحناء الظهور
ولا نادل يقدم الطعام بابتسامة مصطنعة
ولا مكيف هواء يخفف وطأة الحر.
لكن شيئا واحدا كان حاضرا بقوة ضحكات صادقة عالية نقية كانت ترتفع في الجو وتصل إلى الشارع وكأنها تعلن للعالم أن الفرح لا يحتاج إلى جدران ولا إلى قاعات فخمة.
كانت جوي تجلس بينهم بملابس تخرجها الوسام يلمع على صدرها والعينان تلمعان أكثر. كانت تمسك بالطعام بيديها تقتطع لقمة وتقربها من فم والدتها ثم تضحك وهي تفعل الشيء ذاته مع والدها. لم يكن في المشهد أي حرج بل حميمية دافئة لا تشترى.
كانوا يتحدثون عن أحلامها القادمة عن الوظيفة التي تأمل أن تحصل عليها عن رغبتها في أن تعيد الجميل لوالديها عن البيت الصغير الذي تحلم أن تشتريه لهما يوما ما وعن الأيام الصعبة التي مضت وكيف صارت اليوم ذكرى بعيدة. كانوا يتبادلون الكلمات وكأن الزمن توقف عندهم وكأن العالم كله انكمش ليصبح تلك
كان العناق بينهم طبيعيا عفويا لا يحمل أي تكلف. سعادة خالصة تظهر في العيون قبل الابتسامات وفي الصمت قبل الكلام. سعادة لا تحتاج إلى توثيق بعدسات الهواتف ولا إلى نشر على مواقع التواصل لأنها وجدت لتعاش لا لتعرض.
على مسافة غير بعيدة توقفت سيارة دفع رباعي سوداء لامعة تعكس الشمس على هيكلها المصقول. كانت من تلك السيارات التي تفرض حضورها أينما مرت وتجعل من حولها يلتفتون إليها دون قصد. بداخلها جلس والدا طالب ثري يدعى براين وكانوا في طريقهم إلى فندق فاخر من فئة خمس نجوم للاحتفال بتخرجه.
لكن داخل تلك السيارة الفارهة لم يكن هناك احتفال بل صمت ثقيل خانق يملأ الفراغ بين المقاعد الجلدية الفاخرة.
كان والد براين منغمسا في هاتفه جبينه مقطب وصوته مرتفع وهو يتحدث مع أحد عملائه بنبرة غضب واضحة
ماذا ألغ ذلك فورا! اليوم تخرج ابني! لا وقت لدي لمشاكلك الآن!
لم يكن صوته يحمل فخرا بابنه بقدر ما كان يحمل ضيقا من إزعاج غير متوقع.
أما الأم فكانت تنظر إلى مرآتها الصغيرة تعدل مكياجها بقلق وتتنهد قائلة
الحر لا يطاق! أشعر أنني أبدو مرهقة لماذا لم نذهب مباشرة إلى القاعة المكيفة
لم تكن كلماتها تحمل أي حديث عن براين أو عن إنجازه بل عن صورتها فقط.
أما براين نفسه
وبينما كانت السيارة متوقفة للحظات رفع الأب الثري عينيه عن الهاتف ونظر من نافذة السيارة دون وعي. هناك تحت شجرة كبيرة لفت نظره مشهد لم يستطع تجاهله.
رأى عائلة ناردينغ.
رأى فتاة بملابس التخرج تضحك من قلبها وهي تأكل خبزا بسيطا كأنها تتذوق ألذ وجبة في حياتها.
رأى أبا متعب الملامح بسيط الهيئة يمسح العرق عن جبين ابنته بحنان وفخر لا يمكن تقليده.
رأى أما تنظر إلى ابنتها وكأنها أعظم إنجاز حققته الحياة يوما.
ورأى طبقا متواضعا يتقاسمه الجميع لكنهم يتعاملون معه كما لو كان وليمة ملوك.
توقفت أفكاره فجأة وكأن شيئا داخله انكسر بصمت. شعر بأن ذلك المشهد البسيط يهز داخله شيئا كان يظنه ميتا منذ زمن.
تنهد بعمق تنهدة طويلة خرجت من صدر مثقل.
انتبهت زوجته إلى شروده المفاجئ وإلى نظراته التي طال صمتها فالتفتت إليه باستغراب وسألته بصوت يختلط فيه التعجب بشيء من الضيق
ما بك لماذا تحدق هكذا
لم يجبها على الفور. ظل ينظر عبر زجاج النافذة