دخل طفلٌ يحمل عملاتٍ باردة… فخرج العالم كلّه أدفأ من قبل
المحتويات
الآن.
ما إن وقعت عيناها على القلادة حتى تجمد الزمن.
لا هذا مستحيل
ارتجفت يداها وهي تلمس العقد تعرف كل تفصيل فيه.
بوبوي من أين جئت بهذا
خفض رأسه وقال
استعدته لك.
انهمرت دموعها وضمت ابنها بقوة كأنها تريد أن تذوب فيه.
ظننت أنني فقدته إلى الأبد هل تعلم كم تألمت عندما رهنته
أعلم يا أمي. لذلك كان يجب أن يعود.
نظرت إليه وقالت
ماذا فعلت لتحصل على المال
تردد لحظة ثم قال
عملت.
ضمته مجددا وبكت بحرقة خليطا من الذنب والفخر.
سامحني لأنني حملتك أكثر مما يحتمل عمرك.
هز رأسه وقال
لا يكون الحمل ثقيلا إذا كان من أجلك.
في اليوم التالي حدث ما لم يكن في الحسبان.
توقفت سيارة سوداء أمام محل المجوهرات.
نزل منها رجل مسن ببدلة بسيطة وهيبة واضحة.
كان أنطونيو فيلاسكو مالك المتجر الذي نادرا ما يزور المكان.
استقبلته السيدة كارلا بدهشة.
قال
سمعت قصة مثيرة للاهتمام عن طفل.
أجابت
ليست مثيرة فقط بل ملهمة.
وسردت له القصة كاملة.
صمت الرجل طويلا ثم سأل
أين يعيش الطفل
في ذلك المساء طرق باب بيت بوبوي.
فتحت ألينغ روزا بحذر فإذا بالسيدة كارلا والسيد فيلاسكو يقفان أمامها.
قال الرجل بانحناءة خفيفة
نعتذر عن الإزعاج. جئنا من أجل بوبوي.
ظهر الطفل خلف
قالت المديرة بسرعة مبتسمة
ليس في ورطة.
جلسوا جميعا في صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت الريح الخفيفة المتسللة من نافذة قديمة.
راح السيد فيلاسكو يتأمل البيت المتواضع بعين هادئة الأرض الخشبية التي حملت آثار السنين والجدران البالية التي شهدت تعبا وصبرا أكثر مما شهدت راحة. لم يكن في المكان شيء لافت ومع ذلك شعر أنه يقف أمام ثراء من نوع آخر.
تنفس بعمق ثم قال أخيرا بنبرة صادقة
بوبوي هل تحب أن تذهب إلى المدرسة
اتسعت عينا الطفل دهشة وكأن السؤال جاء من عالم بعيد ثم أجاب بسرعة امتزج فيها الحلم بالحذر
بالطبع يا سيدي هذا ما أتمناه دائما لكننا لا نستطيع
قاطعه الرجل بهدوء حاسم
أنا أستطيع.
تعليم كامل وملابس وكتب وطعام كل ما تحتاجه لتكون طفلا يتعلم لا طفلا يقلق على الغد.
نهضت الأم فجأة وكأن الكلمات أثقل من أن تحتمل وكأن العرض الذي سمعته أكبر من قدرتها على التصديق. ارتجف صوتها وهي تقول بتردد صادق
لا يمكننا قبول هذا إنه كثير أكثر مما نحتمل وأكثر مما نستحق.
ابتسم السيد فيلاسكو ابتسامة هادئة لا تحمل شفقة ولا تعاليا بل فهما عميقا وقال بنبرة مطمئنة
ليس فضلا بل استثمار.
رفعت الأم نظرها إليه وقد انعقد حاجباها دهشة وحذرا وسألته
استثمار في ماذا
أجاب دون تردد وكأن الجواب ظل يرافقه سنوات طويلة
في طفل أثبت وهو في هذا العمر أنه يستحق أن يمنح فرصة.
نظرت الأم إلى ابنها ونظر هو إليها.
في عينيهما خوف صامت من المجهول من التغيير من الأمل ذاته لكن خلف ذلك الخوف كان يقف نور خافت أمل خجول يشبه ضوءا صغيرا في نهاية نفق طال السير فيه.
سألت أخيرا وقد غلبها التأثر وصار صوتها أقرب إلى الهمس
ولماذا تفعل هذا
تنفس الرجل بعمق وكأنه يستدعي ذكرى دفينة لم تزل حية في قلبه ثم قال ببطء
لأن أحدا لم يفعل ذلك من أجلي عندما كنت في عمره.
وتوقف لحظة ثم أضاف
ولأن هذا الطفل دون أن يدري ذكرني بما يجعلنا بشرا حقا قبل أن يجعلنا المال أرقاما.
أخرج من جيبه علبة صغيرة فتحها ببطء واحترام فإذا بقلادة قديمة تشبه قلادة الأم وقد بهت لونها لكن معناها ظل حيا.
قال بصوت خافت يحمل وجع السنين
أمي رهنت هذه القلادة عندما كنت طفلا. لم أستطع استعادتها. ماتت وهي تظن أنها فشلت وأنها قصرت.
ثم نظر إلى بوبوي مباشرة نظرة طويلة صادقة وقال
اليوم وبفضلك أغلقت جرحا ظل مفتوحا خمسين عاما.
لم تتمالك ألينغ روزا نفسها فانهمرت دموعها بصمت. لم تكن دموع ضعف بل دموع امتنان وارتياح وشعور نادر
مرت السنوات.
كبر بوبوي عاما بعد عام ومع كل سنة كان يكبر داخله شيء آخر لا يرى بالعين وعي عميق بالمسؤولية.
درس واجتهد لا بدافع التفوق وحده بل وفاء لكل يد امتدت إليه يوم كان ضعيفا. ولم ينس يوما من أين جاء ولا كيف بدأ ولا تلك اللحظة التي وقف فيها طفلا أمام واجهة زجاجية بعملات باردة وقلب ساخن بالإصرار.
لم يتعامل مع الفرصة التي أعطيت له على أنها امتياز يفاخر به ولا كنعمة عابرة بل حملها كأمانة ثقيلة يخشى أن يفرط فيها أو يسيء حملها.
كان يدرك في أعماقه أن ما ناله لم يكن مجرد دعم مادي بل ثقة والثقة أثقل من المال.
كان يعود كل أسبوع إلى البيت مهما ازدحمت أيامه ليساعد أمه ويجلس معها ويستمع إلى تفاصيلها الصغيرة.
وكان يخرج أحيانا ليجمع القوارير الفارغة لا حاجة ولا فقرا بل تواضعا وتذكيرا للنفس بأن الإنسان إن نسي بداياته خسر نفسه قبل أن يخسر غيره.
كان يقول في سره الكرامة لا تقاس بالمكانة ولا بالقيمة في أعين الناس بل بالصدق مع الذات.
صار شابا متفوقا لكن تفوقه لم يكن أرقاما في كشوف الدرجات فقط.
عرفه أساتذته بأخلاقه قبل علمه وبهدوئه قبل طموحه وبإصراره قبل نجاحه.
كان من أولئك الذين يدخلون
وفي يوم تخرجه الجامعي صعد إلى المنصة
متابعة القراءة