كنتُ أتنمّر على زميلي الفقير كل يوم… حتى قرأتُ رسالة أمّه التي غيّرت حياتي
فارغا.
معدة باولو كانت فارغة
لكن قلبه كان ممتلئا بحب جعل شخصا آخر يختار الجوع لأجله دون شكوى دون تذمر ودون انتظار شكر.
تقدمت نحوه ببطء.
كل خطوة كانت أثقل من سابقتها.
كان الجميع يراقب.
كنت أشعر بعيونهم على ظهري تنتظر الإهانة التالية الضحكة التالية القسوة التالية
فالناس اعتادوا أن أكون كذلك.
لكنني توقفت أمامه.
وركعت.
ركعت أمامه أمام الجميع لأول مرة لا أشعر فيها أنني أعلى من أحد ولا أحتاج أن أكون.
ركعت لأن شيئا في داخلي قال لي إن الوقوف لم يعد يليق بي.
التقطت قطعة الخبز بعناية كأنني ألتقط شيئا مقدسا شيئا لا يجوز أن يداس ولا أن يهان.
لم تكن مجرد طعام كانت قرارا وتضحية وصباحا قاسيا اختارت فيه أم أن تجوع كي لا يجوع ابنها.
مسحت عنها الغبار بكمي لا لأن الغبار كان يزعجني بل لأنني شعرت أنني أنا من لوثها.
أن سخريتي وضحكتي وصوتي العالي قبل دقائق كانت أثقل من أي تراب عالق بها.
وأعدتها إلى يده مع الورقة كما كانت كما خرجت
ثم فتحت حقيبتي تلك الحقيبة التي كنت أتباهى بها وأخرجت غدائي ووضعته في حضنه.
لم أقدمه كصدقة.
لم أقدمه من عل.
قدمته باعتذار صامت باعتراف داخلي لم أجد له كلمات.
قلت بصوت مبحوح لم أتعرف عليه
بدل الغداء معي يا باولو
رجاء خبزك أثمن من كل ما أملك.
لم أعرف إن كان سيسامحني.
ولم أكن متأكدا أنني أستحق المسامحة أصلا.
لكنني كنت متأكدا من شيء واحد أنني لم أعد الشخص نفسه.
جلست إلى جانبه.
لم أعد أسمع ضحكا.
لم أعد أسمع همسا.
كأن العالم من حولي انسحب خطوة إلى الخلف وتركنا وحدنا مع الحقيقة.
كنت أسمع فقط دقات قلبي كأنها تعيد ترتيب شيء ما في داخلي كأنها تزيل طبقات قديمة من الغرور وتكشف فراغا لم أكن أعترف بوجوده.
في ذلك اليوم لم آكل بيتزا.
لم أمسك بطاقة الائتمان.
لم أبحث عن الطعم الأغلى ولا عن الشعور الزائف بالقوة.
أكلت تواضعا.
وتجرعت حقيقة لم أعرفها من قبل
أن الشبع لا علاقة له بما
الأيام التي تلت لم تجعلني بطلا فجأة.
فالذنب لا يزول بسهولة ولا يمحى باعتذار واحد ولا يغسل بلقطة واحدة أمام الجميع.
كان يرافقني يذكرني ويمنعني من العودة إلى ما كنت عليه.
لكن شيئا ما تغير في داخلي ببطء عميق تغير لا يرى من الخارج لكنه يحس في كل تصرف.
توقفت عن السخرية.
وتوقفت عن البحث عن ضحك على حساب الآخرين.
وبدأت ألاحظ الناس حقا ألاحظهم.
لاحظت أن باولو لم يكن متفوقا لأنه يسعى للمجد أو التصفيق بل لأنه كان يشعر أن النجاح دين في عنقه لأمه دينا لا يسدد بالكلام بل بالاجتهاد والصبر.
لاحظت أنه كان يمشي مطأطئ الرأس لا لأنه ضعيف بل لأنه تعلم مبكرا أن العالم لا يفتح ذراعيه بسهولة وأن عليه أن يثبت أحقيته في كل خطوة.
وفي أحد أيام الجمعة وبعد تردد طويل جمعت شجاعتي وسألته إن كان بإمكاني لقاء والدته.
نظر إلي طويلا نظرة فحص صامت كأنه يقيس صدقي ثم هز رأسه بالموافقة دون كلمة.
استقبلتني
كانت يداها خشنتين من العمل وعيناها ممتلئتين بحنان لا يشترى ولا يقلد.
وحين قدمت لي فنجان قهوة أدركت دون أن تقول أنه ربما كان الشيء الساخن الوحيد الذي تملكه في ذلك اليوم وقد قدمته لي دون تردد كما قدمت فطورها لابنها ذات صباح.
هناك في ذلك البيت البسيط بين جدران متواضعة وروائح تعب شريف فهمت درسا لم يعلمني إياه أحد في قصري الكبير.
فهمت أن الثروة لا تقاس بما نملك
ولا بما نرتدي
ولا بما نظهر للناس.
بل بما نضحي به حين لا يرانا أحد.
بما نختاره حين يكون الاختيار مؤلما.
وبما نعطيه دون انتظار مقابل.
ومنذ ذلك اليوم قطعت وعدا على نفسي
ما دام في جيبي مال وما دام في قلبي نبض فلن تضطر تلك المرأة إلى تخطي فطورها مرة أخرى ولن ينام باولو وهو يشعر أن العالم ضيق عليه.
وقد وفيت بوعدي.
لأن هناك أناسا يعلمونك أعظم الدروس دون أن يرفعوا أصواتهم ودون أن يوبخوا ودون أن يطلبوا شيئا في المقابل.
ولأن هناك قطع خبز
تحمل وزن التضحية
وتفوق في معناها
كل ذهب العالم.