كنتُ أتنمّر على زميلي الفقير كل يوم… حتى قرأتُ رسالة أمّه التي غيّرت حياتي
كنت متنمر المدرسة بحق.
وليس في ذلك مبالغة بل حقيقة.
حين كنت أسير في الممرات كان الطلاب الأصغر سنا يخفضون أبصارهم وكان المعلمون يتظاهرون بعدم ملاحظة بعض الأمور. اسمي ميغيل سانتوس. كنت الابن الوحيد. كان والدي سياسيا نافذا من أولئك الذين يظهرون على شاشات التلفاز بابتسامة وهم يتحدثون عن تكافؤ الفرص. وكانت والدتي تملك سلسلة من المنتجعات الصحية الفاخرة في أنحاء مترو مانيلا. كنا نعيش في قصر شاسع إلى درجة أن الصمت كان يتردد صداه في ممراته.
كان لدي كل ما قد يتمناه فتى في مثل سني أغلى الأحذية الرياضية أحدث هاتف ذكي ملابس تحمل أشهر العلامات التجارية وبطاقة ائتمان لا يبدو أن لها حدا.
لكن كان لدي أيضا شيء لا يراه أحد وحدة ثقيلة خانقة تلاحقني حتى وأنا محاط بالناس.
في المدرسة كانت قوتي نابعة من الخوف.
وككل جبان يمتلك سلطة كنت بحاجة إلى ضحية.
وكانت تلك الضحية هي باولو.
كان باولو طالب المنحة. ذاك الذي يجلس دائما في آخر الصف. الذي يرتدي زيا مدرسيا موروثا من قريب مجهول. كان يمشي بكتفين منحنيتين وعيناه مثبتتان على الأرض كأنه يعتذر عن وجوده. وكان يحمل غداءه دائما في كيس ورقي بني متجعد ملطخ بالزيت يفضح بساطة طعامه وتكراره.
بالنسبة إلي كان هدفا مثاليا.
كل يوم في الاستراحة كنت أكرر المزحة نفسها. أخطف الكيس من يده أصعد
لنر ما القمامة التي جلبها أمير الأحياء الفقيرة اليوم!
تنفجر الضحكات كالألعاب النارية.
كنت أعيش لأجل ذلك الصوت.
لم يكن باولو يدافع عن نفسه أبدا. لم يصرخ ولم يدفعني. كان يقف فقط عيناه محمرتان يتوسل بصمته أن ينتهي الأمر سريعا. كنت أخرج طعامه أحيانا موزة كدمت وأحيانا أرزا باردا وألقيه في سلة المهملات كأنه شيء ملوث.
ثم أتوجه إلى المقصف وأشتري البيتزا أو البرغر أو ما أشاء أدفع ببطاقتي دون أن أنظر إلى السعر.
لم أكن أرى في ذلك قسوة.
كان بالنسبة إلي مجرد تسلية.
إلى أن جاء ذلك الثلاثاء الرمادي.
كانت السماء ملبدة والهواء باردا على نحو مزعج. كان هناك شيء مختلف لكنني تجاهلته. حين رأيت باولو لاحظت أن كيسه بدا أصغر من المعتاد وأخف.
قلت بابتسامة ملتوية
واو خفيف اليوم. ما الأمر يا باولو نفد المال حتى للأرز
ولأول مرة حاول باولو أن يستعيده.
قال بصوت متكسر
أرجوك يا ميغيل أعده. ليس اليوم.
ذلك الرجاء أيقظ شيئا مظلما داخلي.
شعرت بالقوة. شعرت بالتحكم.
فتحت الكيس أمام الجميع وقلبته رأسا على عقب وأنا أتوقع كعادتي أن يتناثر شيء آخر أكمل به عرض السخرية.
لكن لم يسقط طعام.
لم يسقط أرز ولا موزة ولا حتى فتات.
سقطت فقط قطعة خبز يابسة قاسية بدت كأنها قاومت الزمن أكثر مما قاومت الجوع
وسقطت معها
ضحكت بصوت عال ضحكة اعتدت أن أطلقها بلا تفكير ضحكة كنت أستخدمها سلاحا.
قلت بسخرية وأنا ألوح بالخبز
انظروا! خبز كالصخر! انتبه يا باولو قد تكسر أسنانك!
ضحك بعضهم لكن الضحكات هذه المرة جاءت مترددة متقطعة كأنها خرجت مجبرة لا راغبة.
كان في الهواء شيء ثقيل شيء لم أعهده من قبل.
انحنيت والتقطت الورقة.
ظننتها قائمة أعمال أو ملاحظة مدرسية أو أي شيء أجد فيه مادة إضافية للسخرية.
فتحتها وبدأت أقرأ بصوت مبالغ فيه مسرحي ليصل إلى الجميع
ابني
سامحني. اليوم لم أستطع شراء الجبن أو الزبدة.
هذا الصباح تخطيت فطوري كي تأخذ هذه القطعة من الخبز معك.
هذا كل ما نملكه حتى أقبض يوم الجمعة.
كلها ببطء لعلها تشبعك أكثر.
اجتهد في دراستك.
أنت فخري وأملي.
بكل حبي
أمك.
مع كل سطر كان صوتي يخفت دون أن أشعر.
لم أعد أمثل.
لم أعد أضحك.
وحين وصلت إلى التوقيع كنت بالكاد أستطيع النطق.
ساد صمت ثقيل على ساحة المدرسة.
صمت خانق غير مألوف كأن الزمن نفسه توقف احتراما لتلك الكلمات البسيطة التي خرجت من ورقة صغيرة لكنها حملت ما لم تحمله خطب طويلة.
لم يعد أحد يضحك.
لم يعد أحد يتهامس.
حتى الريح بدت وكأنها خففت مرورها.
نظرت إلى باولو.
كان واقفا في مكانه لا يتحرك يبكي بصمت يغطي وجهه بيديه الصغيرتين.
لم يكن بكاء احتجاج ولا غضب
كان بكاء خجل.
خجل طفل كشفت حاجته أمام العالم دون أن يختار ذلك.
خجل إنسان لم يطلب الشفقة لكنه تلقاها فجأة على مرأى الجميع.
نظرت إلى قطعة الخبز الملقاة على الأرض.
لم تكن قمامة.
لم تكن بقايا طعام.
كانت فطور أمه.
كانت وجبة لم تؤكل كي يأكل هو.
كانت قرارا صامتا اتخذ فجرا حين نظرت أم إلى طفلها وفضلت جوعها على جوعه.
كانت جوعا تحول إلى حب.
في تلك اللحظة شعرت بشيء يتصدع داخلي.
شيء كنت أظنه صلبا منيعا لا يمس فإذا به هش يتفتت دون صوت.
تذكرت حقيبة غدائي الجلدية الإيطالية الموضوعة بلا اكتراث على المقعد.
تذكرت ملمسها الناعم ثمنها وكيف كنت أتعامل معها كأمر بديهي لا يستحق التفكير.
في داخلها شطائر فاخرة عصائر مستوردة شوكولاتة باهظة الثمن.
أشياء لم أكن أعرف قيمتها لأنني لم أعرف يوما غيابها.
لم أكن أعرف محتواها بدقة
ولم يهمني يوما أن أعرف.
لم تكن أمي من تعدها.
كانت الخادمة.
وأنا لم أسأل.
لم أشكر.
لم أهتم.
وتذكرت فجأة أن أمي لم تسألني عن يومي الدراسي منذ ثلاثة أيام.
لم تسألني إن كنت بخير.
إن كنت حزينا.
إن كنت سعيدا.
إن كنت وحيدا رغم ازدحام البيت بالخدم والغرف.
في تلك اللحظة أدركت أن الوحدة لا تأتي من الفقر فقط
بل قد تسكن القصور أيضا.
شعرت بالاشمئزاز.
اشمئزاز لم يصعد من معدتي بل من أعماقي.
اشمئزاز من نفسي
جسدي كان ممتلئا
لكن قلبي كان