أردتُ رمي وسادتها القديمة… فاكتشفت السرّ الذي جعلها تتركني
المحتويات
ذكرى قديمة.
أريد أن أعيش قرب بحيرة يوما ما قالت لي ذات مرة.
مكان هادئ كأن الزمن يتوقف فيه.
لم أعد إلى البيت.
قدت إلى لاغونا.
طوال الطريق سؤال واحد يلاحقني
هل ما زال لي الحق أن أبحث عنها
أم أنني تأخرت كثيرا
إن كانت حية سأحتضنها ولو حطمني ذلك.
وإن كانت رحلت دعني أحتضن حتى رمادها.
وصلت قرية صغيرة بعد الظهر.
كوخ قرب البحيرة.
هادئ.
تماما كما أرادت.
طرقت الباب.
لا جواب.
فتحته الريح قليلا.
همست
كارا
في الداخل كان سرير بسيط.
وطاولة.
وعلى الطاولة
الوسادة القديمة.
ركعت.
حتى هنا عصيتني.
ثم سمعت سعالا.
خفيفا.
من خلف الستار.
مارك
صوت مبحوح.
وقفت مرتجفا.
كانت هناك.
نحيلة.
ضعيفة.
لكنها حية.
ابتسمت.
على الأقل جئت قبل أن أرحل.
انهارت ركبتاي.
احتضنتها بحذر كأنها زجاج هش.
كنت أكرر
أنا آسف عن كل شيء.
أغمضت عينيها.
لا أحتاج إلى اعتذارات.
أحتاج فقط أن أعرف أنك لم تعد غاضبا.
جلسنا عند الغروب قرب البحيرة.
صامتين.
بسلام.
لكن سؤالا ظل معلقا في الهواء لم ينطق ولم يحتج إلى كلمات كي يكون حاضرا بكل ثقله
هل سأبقى حتى النهاية
أم أرحل احتراما لتلك الحرية التي اشترتها لي بألمها وصمتها
للمرة الأولى في حياتي لم أكن أعرف أي الخيارين أكثر إيلاما.
البقاء وأنا أراقب من أحب وهي تضعف
أم الرحيل وأنا أعيش حرا بجسد مثقل بالذنب
كنت أظن أن الحب قرار بسيط.
أن تبقى أو ترحل.
لكني أدركت حينها أن الحب الحقيقي هو أن تبقى وأنت تعرف ثمن البقاء.
لم أتركها منذ ذلك اليوم.
في الكوخ الصغير القريب من البحيرة تعلمت الإصغاء إلى أشياء لم أكن أسمعها من قبل
صوت الماء حين يلامس ضفافه ببطء
حفيف الأشجار في ساعات العصر
وأنفاسها المتقطعة في الليل التي كنت أعدها خوفا من أن ينقص واحد منها.
كل صباح كنت أستيقظ قبلها بدقائق أراقب صدرها يرتفع وينخفض وأحبس أنفاسي كأنني إن تنفست بقوة قد أوقظ الموت النائم قربنا.
قالت لي ذات صباح وأنا أرتب الغطاء حول كتفيها
لا أريد شفقة.
توقفت يداي.
نظرت إليها طويلا.
قلت بهدوء لم أعرفه في نفسي من قبل
لا أشفق عليك. أنا نادم.
ابتسمت ابتسامة خفيفة كانت بالكاد ترى لكنها حملت في طياتها تعب العالم كله تعب سنوات من الصمت ومن الاحتمال ومن القتال الخفي الذي لم أكن أراه.
قالت بصوت واهن لكنه واضح
الندم أثقل من الشفقة.
وكانت محقة.
الندم لا يواسي
لا يخفف
ولا يربت على الكتف.
الندم يبقى جالسا في الصدر يذكرك بكل ما كان يمكن أن تراه ولم تره وبكل كلمة كان يمكن أن تقولها ولم تقلها.
كانت تضعف يوما بعد يوم.
لم يكن ضعفا مفاجئا ولا انهيارا دراميا بل تآكلا بطيئا صامتا يشبه انطفاء شمعة في غرفة مغلقة دون ريح دون صوت.
كنت أراقب ذلك الانطفاء وأنا عاجز كأني أعد الثواني بين كل نفس وآخر.
أحيانا
كانت المسافة قصيرة خطوات قليلة لكنها بدت لها كطريق طويل.
كنت أقترب منها فورا أحملها بذراعين مرتجفتين أخشى أن أضغط أكثر مما ينبغي أو أن أتركها تسقط من بين يدي.
كل خطوة كنت أخطوها وأنا أحملها كانت صلاة صامتة
ألا أؤلمها
وألا أفقدها.
في إحدى الأمسيات بينما كان الضوء البرتقالي للشمس ينسحب ببطء من الغرفة سألتني فجأة بلا مقدمات كأن السؤال ظل عالقا في ذهنها منذ زمن
أتتذكر أول شجار بيننا
ضحكت بمرارة تلك الضحكة التي لا تحمل فرحا بل اعترافا متأخرا
بسبب الطعام
ابتسمت ابتسامة خافتة
نعم. أردت حساء حامضا وأنت أردت أدوبو.
قلت محاولا التخفيف
فزت.
لكنها هزت رأسها ببطء وكأنها تصحح فكرة خاطئة ظلت عالقة لسنوات
لا. كلانا خسر. لم نكن نعرف كيف نتحدث. كنا نرفع أصواتنا حين كان ينبغي أن نرفع قلوبنا.
أنزلت رأسي.
وفي تلك اللحظة رأيت شجاراتنا القديمة على حقيقتها
لم تكن خلافات على طعام أو تفاصيل صغيرة
بل كانت صرخات استغاثة لم نسمعها
ومحاولات يائسة للقول أنا هنا انتبه لي.
في ليلة ماطرة كان المطر يطرق سقف الكوخ بإيقاع حزين منتظم كأنه عداد وقت لا يرحم.
مدت يدها إلي وقدمت لي صندوقا خشبيا صغيرا.
كان ملمسه دافئا دافئا على نحو غريب كأنه احتفظ بحرارة يديها أو بآثار روحها.
قالت بهدوء جعل قلبي ينقبض
افتحه حين أنام أو إن لم
لم أحتج إلى سؤال.
لم أحتج إلى اعتراض.
كنت أعرف أن بعض الطلبات لا تناقش لأنها تأتي من مكان أعمق من الكلمات.
في الصباح حين غلبها النوم فتحت الصندوق.
كانت صورة أشعة بتاريخ قديم أقدم مما توقعت.
وتحتها ملاحظة بخطها الذي كنت أحفظه عن ظهر قلب خطها الذي لطالما تجاهلته حين كانت تترك لي رسائل صغيرة على الطاولة
كنت حاملا يا مارك.
لكنني فقدت الطفل مع أول علاج.
انهرت.
لم يكن الألم في الفقد وحده
بل في الجهل.
في أنني كنت قريبا جسديا لكني بعيد عاطفيا.
غضبي القديم لم يعد له مكان
وبرودها الذي اتهمتها به لم يكن قسوة بل حزنا صامتا حملته وحدها دون أن تشتكي.
حين استيقظت لم أعد أحتمل الصمت.
قلت بصوت اختنق في منتصفه
لنعد إلى المستشفى.
نظرت إلى البحيرة طويلا نظرة من يودع شيئا يعرف أنه قد لا يعود إليه.
ثم قالت
أنا متعبة لا من الألم بل من القتال.
ركعت أمامها دون خجل دون كبرياء
إذا سأقاتل عنك. ولو الآن. ولو متأخرا.
ساد صمت طويل.
صمت يشبه الميزان لا يميل فورا ينتظر الصدق.
ثم أومأت
إن عدنا فلن يكون خوفا. بل أملا.
عدنا إلى المدينة.
عاد العلاج.
عادت الإبر.
عادت الليالي الطويلة التي لا ينام فيها أحد.
لكن شيئا كان مختلفا هذه المرة
لم أعد أترك يدها لا في غرفة الانتظار ولا في الممرات الباردة ولا في الليل.
كانت الأيام مؤلمة.
والليالي صامتة.
لكنها
جاءت ديانا مرة واحدة.
لم تكن غاضبة ولم تكن غيورة.
كانت فقط حزينة ناضجة صادقة.
قالت
الآن أفهم. اختر الصواب.
قلت
شكرا وأنا آسف.
وغادرت
متابعة القراءة