أردتُ رمي وسادتها القديمة… فاكتشفت السرّ الذي جعلها تتركني
رفعت الوسادة القديمة بيدي.
كانت خفيفة أخف مما توقعت.
لكن شيئا ما لم يكن على ما يرام.
لم يكن ملمسها هو ملمس القطن المعتاد
ولا ذلك اللين المألوف.
كان في داخلها شيء صلب.
عقدت حاجبي.
لقد حملت هذه الوسادة مئات المرات من قبل لكنني لم ألاحظ ذلك إلا الآن ربما لأنني هذه المرة لم ألمسها بغضب بل بهدوء غريب صامت.
همست لنفسي
إذا كنت تخفين شيئا يا كارا.
تناولت مقصا من صندوق الأدوات.
قلت في نفسي قطع واحد فقط. قطع واحد ثم أرميها.
لكن ما إن شققت الخياطة حتى سقط شيء على الأرض.
لم يكن مالا.
ولا مجوهرات.
ولا صورا.
كان ظرفا قديما بني اللون متجعدا كأنه ابتل بالماء وجف مرات كثيرة.
في داخله كانت هناك إيصالات وتقارير طبية ودفتر صغير أزرق اللون.
بردت يداي.
أول ورقة التقطتها كانت تحمل ختم مستشفى
مستشفى سانت لوك
قسم الأورام
في البداية لم أفهم.
ثم رأيت الاسم.
اسم المريضة كارا ماي سانتوس
شعرت كأن شيئا ما ارتطم بصدري بعنف.
الأورام.
السرطان.
جلست على السرير. عندها فقط أدركت أن ركبتي كانتا ترتجفان. بدأت الأوراق تنزلق من بين أصابعي المرتعشة وتسقط على الأرض واحدة تلو الأخرى.
المرحلة الثانية.
المرحلة الثالثة.
جدول العلاج الكيميائي.
العلاج الإشعاعي.
تواريخ.
منذ عامين.
عامان.
منذ عامين حين بدأت تبتعد.
منذ عامين حين لم تعد ترغب في اللمس.
منذ عامين حين أصبحت مقترة فجأة.
لم أعد أستطيع التنفس.
تمتمت
لا هذا غير ممكن.
فتحت الدفتر.
في الصفحة
إن كنت تقرأ هذا يا مارك فهذا يعني أنني لم أعد في البيت.
آمل أنك الآن سعيد.
سقطت دموعي على الصفحة.
كلما واصلت القراءة انفتح أمامي عالم لم أحاول يوما أن أفهمه.
كتبت كل شيء.
أول مرة تقيأت فيها بعد العلاج الكيميائي.
تساقط شعرها الذي كانت تخفيه تحت قبعة.
الليالي التي بكت فيها في الحمام كي لا أسمعها.
لا أريد أن يراني ضعيفة.
مارك لديه معاركه الخاصة الورشة الخسائر حلمه بأن يكون كافيا كرجل.
كانت إحدى الصفحات ملوثة بآثار الدموع.
لو طلبت المساعدة سأثقل كاهله أكثر.
لذا يجب أن أكون قوية حتى لو كنت وحدي.
فجأة تذكرت الليالي التي كانت تقضيها في الحمام.
كنت أظنها تبالغ.
تذكرت المرات التي رفضت فيها لمسي.
ظننت أنها لم تعد تحبني.
ثم جاءت صفحة اخترقت قلبي.
ادخرت المال.
ليس من أجلي.
بل من أجل مارك.
نظرت إلى الإيصالات.
حساب مصرفي.
باسمي.
لم أكن أعلم.
وفي آخر الدفتر كانت الحقيقة الأثقل.
المرض يزداد سوءا.
قال الطبيب إنني أحتاج إلى علاج مكثف.
مكلف. طويل. دون أي ضمانات.
ضاق صدري.
لو بقيت سيضحي بكل شيء من أجلي.
سيبيع الورشة.
سيستنزف آخر ما تبقى من قوته.
ثم صفحة أخرى
لا أستطيع أن أشاهده يدمر فقط ليبقيني حية.
ثم أخرى
لذا علي أن أحرره.
انهرت تماما.
برودها كان جدارا.
تقشفها كان تضحية.
توقيعها على الطلاق كان آخر فعل حب.
من الأسهل عليه أن يكرهني من أن يحبني وأنا أختفي ببطء.
بكيت بحرقة.
صرخت في الغرفة الخالية
لماذا
تحت الوسادة كان هناك شيء آخر.
ذاكرة USB.
كتب عليها
لمارك فقط في حال
أدخلتها في الحاسوب.
انفتح مقطع فيديو.
ظهرت كارا.
نحيلة.
خال رأسها من الشعر.
تبتسم.
قالت بصوت هادئ
مرحبا يا مارك.
انهار عالمي.
إن كنت تشاهد هذا فهذا يعني أنني نجحت.
تنفست بعمق.
اخترت أن أكون الشريرة في قصتك كي تكون أنت بطل حياتك.
كنت أبكي بلا توقف.
كل المال كل راتب ادخرته لك.
كي تنقذ الورشة.
وكي لا تحتاج إلى أحد.
توقفت لحظة.
ونعم أعلم بشأن ديانا.
اتسعت عيناي.
لست غاضبة.
أنا سعيدة لأن هناك من يعيد الابتسامة إلى وجهك.
أنزلت رأسي خجلا.
لكن أرجوك لا تهدر الحب.
فالإنسان الذي يقبل أن يتألم لأجلك
ويغادرك ليحميك
لا يأتي مرتين.
انتهى الفيديو.
في أسفل الظرف كان هناك مستند أخير.
طلب شهادة وفاة.
غير موقع.
وعلى ظهره بخط يدها
إن لم أعد
أتمنى أن تتذكرني
لا كامرأة تركتك
بل كامرأة أحبتك حتى النهاية.
سقطت على الأرض.
تلك الوسادة لم تكن مجرد وسادة.
كانت تابوت كل ما لم تقله.
في صباح اليوم التالي جاءت ديانا.
كانت تبتسم تحمل حقائبها.
قالت
هل أنت مستعد لبداية جديدة
نظرت إلى الغرفة.
السرير.
الوسادة.
الأسرار.
لم أجب.
لأنني أخيرا فهمت.
كارا لم تتركني.
لقد حررتني.
لم أنم تلك الليلة.
جلست على حافة السرير أحتضن الوسادة التي كنت أكرهها يوما والآن صارت أثرا مقدسا لا أستطيع التخلي عنه. في كل خيط منها شعرت بكارا بأنفاسها بصمتها بالكلمات التي
كانت ديانا في غرفة الجلوس ترتب أغراضها. صوت العلاقات المعدنية خطواتها الخفيفة أصوات بداية جديدة.
لكن في صدري كان شيء ما ينهار.
لم أستطع أن أنظر إليها. لا لأنها مخطئة بل لأنني أدركت كم كنت أعمى.
في التاسعة صباحا وقفت.
أخذت الأوراق من الظرف.
التقارير الطبية.
اسم المستشفى.
مستشفى سانت لوك.
إن كان هناك ولو بصيص أمل
ولو واحد في المئة أن كارا ما زالت حية
كان علي أن أعرف.
في المستشفى لفني مزيج رائحة المطهرات والصمت الثقيل. هنا يلتقي الأمل بالوداع.
تقدمت إلى مكتب الاستعلامات.
قلت بصوت مرتجف
سيدتي أبحث عن كارا ماي سانتوس. كانت مريضة هنا.
كتبت الموظفة توقفت ثم كتبت من جديد.
طال الصمت.
قالت بحذر
متى كان آخر علاج لها
منذ نحو شهر أجبت.
أومأت ثم نظرت إلي كأنها تهيئ كلمات ثقيلة.
من فضلك انتظر.
نادت ممرضة.
امرأة في أواخر الأربعين عينان أنهكهما المرض والفقد.
قالت
تعال معي.
في مكتب صغير قالت
آخر دخول لكارا سانتوس كان منذ ثلاثة أسابيع.
توقف العالم.
أين هي الآن سألت بلهفة.
تنفست بعمق.
غادرت على مسؤوليتها.
لماذا كدت أصرخ.
قالت إنها لم تعد تحتمل العلاج. وتركت رسالة.
سلمتني ظرفا أبيض.
عرفت خط يدها فورا.
مارك
إن كنت تقرأ هذا فهذا يعني أنك وجدتني.
آسفة لأنني غادرت المستشفى.
لا أريدك أن تتذكرني موصولة بالأنابيب.
أريدك أن تتذكرني مبتسمة.
هناك مكان أريد الذهاب إليه قبل أن ينتهي كل شيء.
هادئ. بعيد.
لا تبحث عني.
وإن كنت تحبني ولو قليلا
دعني أنهي الأمر بسلام.
كنت أبكي دون أن أشعر.
سألت الممرضة برجاء
هل تعرفين أين ذهبت
ترددت ثم قالت
ذكرت مكانا الريف. كافينتي لاغونا.
كافينتي.
اندفعت