الجميع هرب… إلا الخادمة التي اختارت أن تكون أمًّا
الماء لتخفي الجوع وتبتسم لتخفي الإرهاق.
باعت آخر ما تملك من أشياء بسيطة كانت قد احتفظت بها للذكرى صورا قديمة قطعة قماش مطرزة بيد أمها حليا زهيدة لا تساوي شيئا في نظر الآخرين لكنها كانت تمثل لها جزءا من ماضيها وهويتها. كانت تضعها جانبا لحظة البيع تشعر بوخزة قصيرة في القلب ثم تمضي لأن الماضي لا ينقذ طفلا أما الدواء فيفعل.
تعلمت كيف تسعف طفلا صغيرا حين يختنق فجأة كيف تميز بين بكائه العادي وبكائه حين يتألم كيف تلاحظ تغير لون بشرته وكيف تهدئ قلبه حين يتسارع. تعلمت أن تتصرف بسرعة حين يلزم وبهدوء حين ينهار كل شيء في داخلها. تعلمت كيف تخفي خوفها لا إنكارا له بل كي لا ينتقل إليه. كانت تبكي أحيانا في صمت في الحمام أو عند الفجر حين يكون العالم نائما ثم تغسل وجهها وتعود بملامح ثابتة لأن سيباستيان لا يحتاج دموعا بل يدا ثابتة وصوتا مطمئنا.
كانت تضحية واعية لم تولد من اندفاع أعمى ولا من بطولة متخيلة تبحث عن تصفيق بل من حب لم تخطط له ولم تطلبه
كان حبا جعلها أقوى مما كانت تظن نفسها يوما وأكثر شجاعة مما تخيلت أنها قادرة عليه وأكثر ثباتا مما علمتها الحياة بكل قسوتها. حب نقلها من موقع الدفاع الهش إلى موقع القرار من الخوف الصامت إلى الإصرار الهادئ من انتظار النجدة إلى أن تكون هي النجدة ذاتها.
وهكذا لم تعد فيوليتا مجرد خادمة تؤدي عملها مقابل أجر ولا وجها عابرا في بيت لا ينتمي إليها. لم تعد ظلا يمر في أروقة القصر دون أن يلتفت إليه أحد ولا اسما ينادى عند الحاجة ثم ينسى. صارت حضورا صارت معنى. صارت أما بالمعنى الأعمق للكلمة أما بالاختيار لا بالدم بالفعل لا باللقب بالفعل
صارت الصوت الذي لم يخذل حين صمت الجميع واليد التي لم تتخل حين هرب الآخرون واحدا تلو الآخر والقلب الذي اختار الحياة لطفل لم يختر أن يولد وسط هذا الخراب. قلب لم يسأل هل أستطيع بل سأل كيف أفعل ولم يبحث عن ضمانات بل صنعها خطوة خطوة.
وفي الوقت الذي ظل فيه رودريغو خلف القضبان محاصرا بجدران باردة وأيام متشابهة كان يعيد شريط حياته مرارا لا ليستعرض نجاحاته بل ليواجه إخفاقاته دون أقنعة. كان يفهم متأخرا معنى المسؤولية التي لا تقاس بالمال ومعنى الأبوة التي لا تختزل في الاسم ومعنى أن تملك كل شيء ثم تكتشف في لحظة صدق قاسية أنك لم تحم أهم ما لديك حين كان بحاجة إليك.
كان يدرك وهو في عزلته أن القوة التي ظنها يوما في النفوذ والقرارات السريعة لم تكن سوى وهم مؤقت وأن القوة الحقيقية كانت هناك خارج القضبان في امرأة لا تملك شيئا تقريبا لكنها اختارت ألا تترك طفلا وحيدا.
وفي الخارج كانت فيوليتا تخوض المعركة الحقيقية. معركة
وكان مصير الجميع بلا استثناء يتغير ببطء شديد.
لا بضربة واحدة ولا بحدث صاخب يهز العناوين
بل في صمت طويل يشبه النمو.
في قرارات صغيرة تتخذ كل يوم رغم التعب.
في خطوات محسوبة تبنى فوق خوف مروض لا ملغى.
في قلوب تعلمت أن تختار الصواب
حتى حين يكون الطريق مؤلما
وحتى حين لا يعدها أحد بنهاية سعيدة
ولا يضمن لها أحد سلامة الوصول.
وكان القادم
أثقل مما مضى
وأقسى مما تخيلوا
محفوفا بالاختبارات
ومليئا بما قد يكسر أو ينضج.
لكنه أيضا
كان يحمل بذرة الخلاص.
بذرة صغيرة هشة لا ترى من بعيد
لا تنمو بالضجيج ولا بالشعارات
ولا تحتاج إلى تصفيق أو اعتراف
بل تنمو بالصبر
وبالاستمرار
وبالإيمان الصامت بأن الخير
حتى إن تأخر
لا يضيع.
وما زالت