الجميع هرب… إلا الخادمة التي اختارت أن تكون أمًّا
المحتويات
رودريغو إلى سيباستيان كأنه يراه للمرة الأولى. كان أضعف مما يتذكر. أصغر. أشد هشاشة. وحين فهم الحقيقة حين أدرك أن زوجته لم تكن هناك وأن هذه المرأة هي التي أنقذت ابنه شعر بشيء ينكسر داخله. لم يكن كسر رجل أعمال خسر صفقة بل كسر أب أدرك أنه كان أعمى.
بصوت مبحوح سلمها المال وطلب منها أن تفعل ما يلزم. لم يسأل عن نفسه ولا عن مستقبله ولا عن مصير الإمبراطورية التي انهارت خلفه. سأل فقط عن الطفل. عن نبضه وعن أنفاسه وعن احتمالات نجاته. وفي تلك اللحظة شعر رودريغو للمرة الأولى منذ سنوات أنه مجرد رجل خائف لا مال ينقذه ولا نفوذ يحميه. غير أن ما لم يكن يعلمه هو أن الشر لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد.
حين عادت فيوليتا إلى القصر كانت تشعر بثقل غريب في صدرها كأن الهواء نفسه صار أثقل كأن الجدران التي اعتادت أن تمر بينها بصمت باتت تراقبها. لم يكن المكان كما تركته. الصمت لم يعد صمتا مألوفا بل صمتا مشدودا متحفزا كأنه يسبق انفجارا وشيكا. توقفت عند الباب لحظة أطول مما ينبغي شدت الطفل إلى صدرها وأخذت نفسا عميقا قبل أن تدخلهما إلى الداخل.
وحين فتحت الباب رأت أوغوستو ميندوزا واقفا في الردهة كأن
لم ينظر إلى سيباستيان كرضيع ضعيف يحتاج الحماية بل كورقة ضغط كأداة قابلة للاستخدام كمفتاح يفتح أبوابا مغلقة في صراعات لا علاقة لها ببراءة طفل. وفي تلك اللحظة انقشع آخر وهم في ذهن فيوليتا. فهمت بوضوح موجع أن الخطر الحقيقي لم يكن الفقر الذي عاشت فيه ولا الجوع الذي خبرته ولا السجن الذي ابتلع رودريغو بل هذا الرجل الذي تعلم أن يرى البشر أرقاما وأدوات لا قلوبا تنبض ولا أرواحا تتألم.
مرت الأيام بعدها بطيئة خانقة كأن الزمن نفسه قرر أن يعاقبها. بدأت تفقد معناها تذوب في بعضها وتتحول إلى ليال طويلة ثقيلة لا ينقطع فيها القلق. كانت فيوليتا تشعر دائما بأن أحدهم يراقبها. نظرات تلاحقها في الممرات. خطوات تتوقف حين تلتفت. صوت سيارة يظهر في الشارع في أوقات متشابهة ثم يختفي. لم تكن
الطفل يتعبك أليس كذلك
تحمل هذه المسؤولية وحدك ليس سهلا
كل شيء يمكن أن يحل بسهولة لو تعاونا.
كانت تسمع هذه العبارات فتبتسم ابتسامة مقتضبة وترد بإجابات قصيرة بينما في داخلها كانت كل حاسة في جسدها في حالة تأهب. كانت تعرف أن أي ضعف قد يقرأ كفرصة وأي تردد قد يفسر كدعوة للضغط أكثر.
لكن فيوليتا لم تتراجع. لم تسمح للخوف أن يشلها أو أن يسلبها قدرتها على التفكير. كانت تدرك أن الخوف إن ترك حرا يتحول إلى سيد قاس يفرض قراراته ويزرع الشلل في الروح. لذلك اختارت المواجهة الصامتة. مواجهة بلا صراخ بلا استعراض بلا تهور. مواجهة تبدأ من الداخل من قرار حاسم لا رجعة فيه.
في الليل كانت تنام وهي تضم سيباستيان إلى صدرها كأن جسدها صار درعا وكأن قلبها تحول إلى حصن لا يخترق. لم تكن تلك الليالي نوما حقيقيا بل حالة يقظة دائمة. كانت تستيقظ مع كل حركة مع كل تغير في أنفاسه مع كل صوت خافت يصدر عنه. تراقب صدره الصغير وهو يعلو ويهبط تعد أنفاسه واحدة واحدة تخشى أن تفوتها واحدة تخشى أن يغدرها
كانت تهمس له بكلمات لا يعرف معناها كلمات لم تتعلمها من الكتب بل من الحاجة تطمينات بسيطة وعود غير منطوقة دعوات خرجت من قلب أنهكه الخوف لكنه لم يستسلم. كانت تعرف أن نبرتها قبل الكلمات تمنحه شيئا من الطمأنينة التي حرم منها مبكرا طمأنينة لا تأتي من الفخامة ولا من المال بل من القرب من الحضور من الإحساس بأن هناك من يبقى.
كانت تعلم بوعي كامل أنها قد تخسر عملها في أي لحظة. قد تطرد من القصر بلا إنذار بلا تفسير كما يطرد الزائد عن الحاجة. وقد تلاحق أو تهدد بطرق ملتوية لا تترك أثرا واضحا لكنها تزرع الخوف في الأعماق. ومع ذلك كانت تعلم أيضا أن هناك حدا لا يمكن تجاوزه وخطا واحدا لن تتراجع عنه مهما كان الثمن هذا الطفل لن يمس. لا اليوم ولا غدا ولا ما دامت قادرة على الوقوف.
ومع كل يوم يمر كانت التضحية تكبر لا على نحو مفاجئ بل بتراكم صامت. كانت تتخذ أشكالا جديدة أعمق وأكثر إيلاما. لم تعد تضحية لحظة أو قرارا عابرا اتخذ بدافع الشفقة أو الاندفاع بل تحولت إلى نمط حياة كامل إلى سلسلة خيارات يومية لا يراها أحد ولا يصفق لها أحد. كانت تؤجل وجباتها وأحيانا تتجاوزها تماما لتشتري الدواء
متابعة القراءة