الجميع هرب… إلا الخادمة التي اختارت أن تكون أمًّا
كان رودريغو سانتيانا فيلاسكيز يعتقد دائما أن حياته تحت السيطرة. في الثانية والأربعين من عمره كان قد شيد إمبراطورية تمتد عبر العالم من برشلونة إلى مدينة مكسيكو. وبطموح متقد غزا سوق العقارات فأصبحت ممتلكاته رموزا للفخامة والنفوذ. ومن مكتبه في برج الإمبراطور الواقع في قلب مدريد كان يراقب المدينة بمزيج من الرضا والفخر. غير أنه لم يتخيل قط أن عالمه كله سينهار في ليلة واحدة.
في فجر ذلك الثلاثاء أضاءت الأضواء الحمراء والزرقاء لسيارات الشرطة قصره في حي لا موراليخا. نزل رودريغو السلالم الرخامية على عجل حافي القدمين غير مدرك لما يحدث. ومن بهو الطابق الثاني كانت زوجته ماريانا تراقبه بنظرة باردة وبعيدة. لم يكن على وجهها خوف ولا دهشة بل شيء أسوأ من ذلك بكثير اللامبالاة. وحين قيد الضباط يديه بالأصفاد لم يستطع رودريغو تصديق ما يجري. كان يكرر وهو يقاوم هذا جنون لا بد من خطأ لكن الأوان كان قد فات.
قام المفتش خوليان فارغاس باعتقاله بتهم الاحتيال المالي واختلاس الأموال والاحتيال المشدد. وبينما كانت ومضات الكاميرات تضيء الليل جرى اقتياد المليونير إلى سيارة الشرطة. كانت حياته المليئة بالترف والنفوذ والاحترام تتلاشى أمام نظرة العدالة الصارمة.
في سجن
تذكر التوقيع. قبل ثلاثة أشهر كان شريكه الموثوق أوغوستو ميندوزا قد قدم له وثائق تتعلق باستثمار في غوادالاخارا. وقع رودريغو دون تردد واثقا بشخص كان صديقه منذ خمسة عشر عاما. غير أن خيانة أوغوستو هي التي قادته إلى هذا المصير. فقد زور الشريك مستندات وحول ملايين إلى حسابات وهمية فوقع عبء الذنب كله على عاتق رودريغو.
وبينما كان يعاني عواقب تلك الخيانة كانت فيوليتا دوران كاستييانوس الخادمة المنزلية في قصر لا موراليخا تخوض معركتها الخاصة. في الثامنة والعشرين من عمرها وصلت إلى إسبانيا قادمة من ولاية أواهاكا في المكسيك ومعها ثلاثمئة دولار فقط وحلم بحياة أفضل. عملت لدى عائلة سانتيانا عامين وكانت شبه غير مرئية بالنسبة لماريانا ربة العمل. غير أن شيئا في الطفل الصغير سيباستيان ابن رودريغو مس قلبها بعمق. وعلى الرغم من برود ماريانا ولا مبالاتها تعلقت فيوليتا بالرضيع الذي لم يكن قد تجاوز ثمانية أشهر.
وحين
في تلك اللحظة لم تشعر فيوليتا بالحزن فقط بل بشيء أعمق وأخطر غضب حارق. غضب لم تعرفه من قبل. كيف يمكن لأم أن تفعل هذا كيف يمكن لقلب بشري أن يترك قطعة منه تنزف ببطء ثم يمضي حملت سيباستيان بين ذراعيها وضغطته إلى صدرها كأنها تحاول أن تعوضه عن غياب العالم كله. كان جسده خفيفا على نحو مؤلم وكأن الحياة بالكاد متشبثة به.
كانت تعلم بحالته الصحية. كانت قد سمعت الأطباء يتحدثون عن مرض خلقي في قلبه عن دواء لا يجوز تأخيره عن مواعيد لا ترحم. لكنها لم تكن تتخيل أن تقع المسؤولية كاملة على عاتقها. خادمة بسيطة لا تملك مالا ولا سندا ولا أوراقا تحميها. ومع ذلك في تلك اللحظة لم تفكر في نفسها. فكرت فقط في الطفل الذي بين يديها.
في الأيام التالية تحولت حياة فيوليتا إلى سباق
عادت إلى غرفتها الصغيرة في القصر وأخرجت كل ما تملك عقدا بسيطا كانت أمها قد أعطته لها قبل السفر خاتما رخيصا بعض الملابس. باعت كل شيء. لم تحتفظ بشيء. لم تفكر في الغد لأن الغد بالنسبة لها كان مرهونا بنجاة سيباستيان اليوم. اشترت الدواء والرضاعة والحفاضات. وعادت وهي تحبس دموعها لا لأنها حزينة بل لأنها خائفة من أن تتأخر ثانية واحدة.
مرت الأيام ثقيلة وكل يوم كان اختبارا جديدا. كان جسد فيوليتا ينهك لكن قلبها كان يزداد صلابة. وحين بدأت الأموال تنفد تماما وحين لم يعد هناك شيء يمكن بيعه أدركت أنها وصلت إلى الحافة. لم يكن أمامها سوى خيار واحد رودريغو.
لم تكن الزيارة إلى سجن سوتو ديل ريال سهلة. وقفت فيوليتا أمام الأسوار العالية تحمل طفلا بين ذراعيها وتشعر بأن العالم كله ينظر إليها بوصفها امرأة لا تنتمي إلى أي مكان. وحين دخلت وحين رآها رودريغو لم يتعرف عليها في البداية. لكن حين رأى الطفل حين رأى ابنه تغير كل
نظر