اعتقدوا أن المال يحميهم… ولم يعرفوا من يكون والد الفتاة إلا بعد فوات الأوان!
كان الوقت العاشرة صباحا من يوم سبت وكان عالمي كله محصورا في نصف فدان من الحديقة خلف منزلي. الهواء مشبع برائحة التراب الرطب وأوراق متحللة وعبق ورود السلام المتفتحة على أكمل وجه.
كان الجيران في هذه البلدة الصغيرة لا يعرفونني إلا باسم فرانك متقاعد هادئ يعيش وحده منذ أن رحلت زوجته. كانوا يرون الشعر الرمادي القصير والقميص الصوفي البالي والعرج الخفيف الذي يظهر كلما اشتدت الرياح. كانوا يرونني أقضي ساعات في تقليم الأغصان وتسميد التربة وأحيانا أجلس بصمت على الشرفة بكأس شاي مثلج أحدق بعيدا في الفراغ.
رأوا رجلا مسنا لطيفا.
لم يعرفوا أن العرج سببه شظية استقرت في جسدي في غرينادا عام 1983.
لم يعرفوا أن اليدين اللتين تحتضنان بتلات الورد الآن قد كسرتا أعناق أعداء في نصف العالم الآخر.
لم يعرفوا أن السكون في عيني ليس سكينة الشيخوخة بل يقظة دائمة لقناص استطلاع في مشاة البحرية الأمريكية ثم مدرس رئيسي لتكتيكات القتال القريب داخل الأبنية.
خمسة وثلاثون عاما. هذا هو العمر الذي تقاضيت فيه أجرا لتحويل شباب صغار إلى آلات قتال.
أما الآن فلم تعد مهمتي سوى منع حشرات المن من أكل شجيرات الورد.
اهتز الهاتف في جيبي قاطعا الصمت. نزعت قفازي ومسحت التراب الأسود عن بنطالي وأجبت.
مرحبا
أبي ألحقني
ثم انقطع الخط. طقة. طقة. طقة.
لا صراخ. لا بكاء.
مجرد همسة
كانت سارة. ابنتي. طفلي الوحيد وفخري وآخر صلتي بالإنسانية.
معظم الآباء لو تلقوا مكالمة كهذه لانهاروا. لتسارعت ضربات قلوبهم ولغمرهم الأدرينالين وارتجفت أيديهم حتى يعجزوا عن إدخال المفتاح في القفل.
أما أنا فلا.
في اللحظة التي انقطع فيها الخط انقلب مفتاح في رأسي. تباطأ العالم من حولي. خفتت أصوات الطيور. صارت الألوان أكثر حدة. بل إن نبض قلبي تباطأ استجابة فسيولوجية دربتها في جسدي عبر عقود من مواجهة الموت. حين يظهر التهديد يختفي الضجيج. ولا يبقى سوى الهدف.
نظرت إلى ساعتي.
الساعة 1400.
كانت سارة تسكن على بعد عشرين ميلا في ضيعة آل ستيرلينغ حصن من الثروة والغطرسة حيث يعيش زوجها جيسون وأمه إليانور كملوك في قلعتهم.
دخلت المرآب. لم أركض. الركض يبدد الطاقة ويجذب الانتباه. تحركت بخطوات طويلة ثابتة.
في زاوية المرآب كان هناك خزنة بيومترية تحتوي أدوات مسدس سيغ ساور P226 وبندقية ريمينغتون 870 وسكين قتال من نوع كابار رافقني عبر ثلاث قارات.
توقفت أمام الخزنة لثانية ثم لم أفتحها.
استخدام السلاح يكون لمواجهة عدو عن بعد.
واستخدام السلاح إعلان حرب صريح.
لكن هذا كان شخصيا. يحتاج تماسا مباشرا.
لم أكن بحاجة إلى سلاح للتعامل مع زوج مدلل من ضواحي المدينة. كنت أحتاجه أن يشعر بالعاقبة.
صعدت إلى شاحنتي القديمة فورد
وأنا أخرج من الممر تركت فرانك البستاني خلفي.
الرجل خلف المقود الآن كان الرقيب الأول فرانك ميلر.
وكنت في حالة صيد.
ظهرت ضيعة آل ستيرلينغ أمامي كتحد سافر. بوابات حديدية عالية كاميرات مراقبة تدور كعيون قاضية وبيوت تشبه المتاحف أكثر مما تشبه منازل.
ضغطت على الوقود. اندفعت الشاحنة إلى ثمانين ميلا في الساعة. لم يكن لدي رمز البوابة ولم يهمني. انعطفت إلى العشب الجانبي متجاوزا الحاجز الآلي تاركا آثار الإطارات عميقة على العشب المشذب بعناية.
شققت الطريق المتعرج المؤدي إلى قصر جيسون وأوقفت الشاحنة في وسط الحديقة الأمامية ساحقا أحواض زهور باهظة تحت العجلات.
كان صمت الحي خانقا. صمتا يخفي أسرارا قذرة خلف أبواب من خشب الماهوغني السميك.
وكان جيسون في انتظاري.
وقف على الشرفة الواسعة مرتديا قميص بولو أبيض ناصع ثيابا لم تعرف عرق العمل قط. وفي يده مضرب بيسبول خشبي.
قبض عليه بقوة مفاصله بيضاء محاولا التظاهر بدور السيد المدافع عن قلعته. لكنني رأيت ارتجاف ركبتيه ورأيت عينيه تلتفتان بحثا عن دعم. كان متنمرا نموذجيا شرسا أمام الضعيف جبانا أمام من يقف بثبات.
صرخ ارجع إلى بيتك يا فرانك!
تشقق صوته في آخر الكلمة.
هذا شأن عائلي خاص. سارة مريضة. تحتاج إلى تأديب. تحتاج أن تعرف مكانها.
تأديب
كررت الكلمة
تجرأ على استخدام لغة التدريب العسكري لتبرير الإيذاء.
قلت بصوت منخفض خال من أي شعور
ابتعد عن طريقي يا جيسون.
كان ذلك الصوت هو ذاته الذي أستخدمه قبل أن أرسب مجندا.
صرخ محاولا استعادة ثقته المصطنعة
قلت ارحل! وإلا كسرت ساقيك أيها العجوز!
ولوح بالمضرب.
كان الأمر مثيرا للشفقة.
كشف الضربة قبل تنفيذها بثانية كاملة. سحب كتفه نقل ثقله بشكل خاطئ وأغمض عينيه لحظة الضرب. طفل في الثالثة كان يمكنه تفاديها.
لم أتراجع.
تقدمت.
دخلت في قوس الضربة.
مر الخشب قرب أذني مخطئا الهدف بمقدار كف.
كنت الآن داخل منطقة دفاعه قريبا بما يكفي لأشم عطره الباهظ الذي يحاول إخفاء رائحة العرق الممزوج بالخوف.
فتح عينيه بدهشة حين رآني لم أهرب.
لم تعد يدي يد بستاني. كانت كتلة من الكالسيوم والندوب صقلتها سنوات من ضرب الخرسانة والأكياس الثقيلة والعظام.
سددت لكمة قصيرة نظيفة إلى ضفيرته الشمسية.
لم يصرخ.
بل طرد الهواء من رئتيه دفعة واحدة بصوت مكتوم مقزز.
انطوى جيسون ككرسي حديقة مكسور. تدحرجت عيناه وسقط المضرب على البلاط. انهار يلهث كسمكة خارج الماء وقد شل حجابه الحاجز مؤقتا.
لم أنظر إليه.
كان مجرد مطب في طريقي.
تجاوزت جسده المرتجف وركلت الباب الأمامي.
ومن أعلى الدرج الحلزوني سمعت صوتا جمد الدم في عروقي.
ليس صراخا
بل صوت قص قص المقص
اندفعت صعودا درجتين درجتين أتحرك بصمت