حبستُ زوجتي لإرضاء أمّي… وفي الصباح اختفت ومعها كلّ شيء

لمحة نيوز

آخر أو لا ينطقها لي أبدا.
أن أكبر وهو يراني صورة باهتة في ذاكرته رجلا يظهر في أحاديث متقطعة أو اسما جامدا في أوراق المحكمة.
أن أتحول من دون أن أشعر إلى ذكرى غامضة أو جرح صامت أو خطأ يحاول الجميع تجاوزه.
في تلك الليلة لم أستطع البقاء في البيت دقيقة إضافية. شعرت وكأن الجدران تقترب مني ببطء وكأن السقف ينخفض وكأن الهواء نفسه صار أثقل من أن يستنشق. كل زاوية في ذلك المكان كانت تذكرني بما فعلت وبما قصرت فيه وبالسكوت الطويل الذي راكم الأخطاء حتى صارت كابوسا. لم يكن البيت بيتا بل محكمة صامتة وأنا المتهم الوحيد فيها.
خرجت إلى الفناء وحدي. أغلقت الباب خلفي بهدوء كأنني أخشى أن أوقظ ضميري إن أحدثت ضجيجا. كان الليل ساكنا على غير عادته سكونا عميقا لا يبعث على الطمأنينة بل يفرض عليك أن تسمع صوتك الداخلي رغما عنك. لا سيارات لا أصوات جيران
لا همسات الريح فقط أنا وأنفاسي المتقطعة وأفكاري التي لم يعد لها أين تهرب.
رفعت رأسي نحو السماء. كانت واسعة ممتدة بلا حدود مرصعة بنجوم بعيدة تلمع ببرود لا تهتم لآلام البشر ولا لانكساراتهم. حدقت فيها طويلا حدقت كمن يبحث عن علامة أو إشارة أو حتى عذر سماوي يخفف عنه ثقل ما ارتكب. حدقت كطفل ضائع يسأل النجوم أسئلة يعرف في داخله أنها لن تجيب.
وفي ذلك الصمت صمت الليل وصمت الأفكار حين تتعب من الدوران حول نفسها حدث شيء مختلف. لم تأت الإجابة على هيئة صوت ولا ومضة ولا إحساس مفاجئ. جاءت كوضوح قاس بسيط لا يقبل النقاش. وضوح لم يعد يسمح لي بالاختباء خلف أي شيء.
فهمت أخيرا أنني وصلت إلى نقطة لا يصلح معها الصمت.
الصمت الذي سميته احتراما.
والصمت الذي بررته بالبر.
والصمت الذي أخفيت خلفه خوفي من المواجهة.
فهمت أن الطاعة العمياء ليست فضيلة حين
تدمر بيتا.
وأن الأعذار القديمة لم تعد صالحة للاستخدام.
وأن قول لم أقصد لا يصلح ما كسر ولا يمحو أثر الإهانة ولا يعيد كرامة إنسانة أغلق عليها باب.
أدركت أنني عشت طويلا في منطقة رمادية أحاول أن أكون ابنا مطيعا على حساب زوج مكسور ورجلا يتجنب الصدام على حساب أب غائب. كنت أظن أنني أوازن الأمور لكن الحقيقة أنني كنت أتهرب أؤجل وأترك الجرح يكبر حتى صار أعمق من أن يخفى.
وصلت إلى قناعة مؤلمة
لا يمكن أن أكون نصف رجل.
ولا يمكن أن أكون أبا حقيقيا وأنا أختبئ خلف أمي.
ولا يمكن أن أطالب بالاحترام وأنا أول من خان مسؤوليته.
في تلك اللحظة شعرت بثقل في صدري لكنه لم يكن ثقل الخوف هذه المرة بل ثقل القرار. القرار الذي طالما أخرته لأنه مخيف ولأنه يتطلب شجاعة لم أدرب نفسي عليها من قبل.
لقد حان الوقت لأفعل ما لم أفعله في حياتي كلها.
ما هربت منه طويلا.

ما أقنعت نفسي أنه سيحل وحده مع الوقت.
لقد حان الوقت أن أنظر إلى الحقيقة كما هي لا كما أريدها أن تكون.
أن أواجه أمي لا بغضب أعمى ولا بقسوة بل بحدود واضحة لا تقبل الالتباس.
أن أفهمها أن البر لا يعني الظلم وأن الطاعة لا تعني إلغاء زوجة ولا كسر أم لطفل.
أن أتحمل مسؤولية أفعالي كاملة بلا تبرير بلا تهرب بلا تحميل الذنب لأحد سواي.
وأن أقاتل نعم أقاتل لكن بصدق هذه المرة.
لا بالكلام.
لا بالوعود المؤقتة.
بل بالأفعال بالوقوف في المكان الصحيح مهما كان الثمن.
أن أقاتل من أجل استعادة زوجتي لا لأنني أخشى الخسارة بل لأنني أدركت متأخرا قيمتها.
وأن أقاتل من أجل ابني لا لأن القانون قد يسلبني حضانته بل لأنني أريد أن أكون أبا حقيقيا في حياته.
أبا لا ينادى باسمه لأنه أنجب طفلا فحسب
بل لأنه تعلم أخيرا كيف يحميه
وكيف يحمي أمه
وكيف يكون رجلا حين
يكون الصمت خيانة والمواجهة ضرورة.

تم نسخ الرابط