حبستُ زوجتي لإرضاء أمّي… وفي الصباح اختفت ومعها كلّ شيء

لمحة نيوز

لم يكن سببه كلام الناس فقط بل إدراكي المتأخر لما فعلته بيدي. خزي لأنني خذلت امرأة وثقت بي وتركت أهلها وبيتها من أجلي ثم وجدت نفسها وحيدة مهينة محاصرة بين صمتي وغضبي وطاعة عمياء لأمي.
في إحدى الليالي بعد تردد طويل حملت الهاتف واتصلت بماريانا. كنت أتدرب في رأسي على الكلمات أبحث عن جملة واحدة لا تبدو كذبة ولا طلبا أنانيا ولا محاولة متأخرة لتبرير ما لا يبرر. وعندما ردت ظهرت على الشاشة وهي تحمل ابننا نائما على صدرها رأسه الصغير مستقر قرب قلبها وأنفاسه هادئة مطمئنة.
في تلك اللحظة انكسر شيء عميق في داخلي. شيء لم ينكسر يوم حبستها ولا يوم صرخت ولا يوم وقفت صامتا أمام إهانات أمي. انكسر الآن حين رأيت ابني في حضنها بعيدا عني وكأنه ينتمي إلى عالم آخر لم أعد جزءا منه.
قلت بصوت متوسل خال من أي ادعاء بالقوة
ماريانا دعيني أراه. أشتاق إليه. أحتاج فقط أن أراه.
نظرت إلي بحدة لم أعهدها فيها من قبل. لم يكن في عينيها غضب صاخب بل برود حاسم ذلك النوع من البرود الذي يأتي بعد أن يستنزف الغضب كله.
قالت
الآن تذكرت ابنك وأين كنت عندما حبستني كأنني قمامة أين كنت عندما تركتني وحدي مرهقة مكسورة بلا سند فات
الأوان يا ليو. لن أعود إليك.
لم ترفع صوتها. لم تصرخ. وهذا ما جعل كلماتها أقسى. لأنها لم تكن تحاول إقناعي بل كانت تغلق بابا.
مرت الأيام التالية كثقل لا يحتمل. كانت تشبه ظلا طويلا يرافقني أينما ذهبت. لم أستطع التركيز في عملي. كنت أجلس أمام الأوراق أو الشاشة لساعات بلا إنجاز بلا وعي حقيقي بما أفعل. وفي الليل كانت الأحلام تطاردني أرى ماريانا تمشي بعيدا تحمل الطفل وأنا أركض خلفهما أصرخ أمد يدي لكن المسافة بيننا لا تقل أبدا.
استيقظ مذعورا وقلبي يخفق وصدري ضيق وكأن الخسارة تحدث من جديد كل ليلة.
شيئا فشيئا بدأت أرى الحقيقة كما هي بلا تبريرات بلا أقنعة. أدركت أنني طوال عامين كاملين كنت أستمع إلى صوت واحد فقط صوت أمي. كنت أطيع وأبرر وأسكت أي صوت آخر باسم البر والواجب. لم أستمع إلى زوجتي يوما استماعا حقيقيا. لم أسأل نفسي كيف تشعر ولا ماذا تحتاج ولا كم كانت تتألم بصمت.
لم أحمها حين كان يجب أن أحميها. لم أدافع عنها حين أهينت. لم أكن زوجا بل كنت مجرد امتداد لأمي. وهي تركت كل شيء من أجلي. تركت مدينتها أهلها دعمها واستقرت في مكان لم يكن لها فيه أحد سواي. وأنا بدل أن أكون ملاذها كنت سبب خوفها.

ذات صباح وفي لحظة لم تكن تشبه أي صباح مر علي من قبل اقتربت مني عمتي دونيا لوبيتا. لم تكن من النساء اللواتي يكثرن الكلام ولا من أولئك اللواتي يتلذذن بإعطاء النصائح. كانت امرأة عركتها الحياة طويلا ومرت عليها خيبات وخسارات جعلتها ترى الأمور كما هي بلا تزيين ولا مجاملات. لم ترفع صوتها ولم تبدأ باللوم أو العتاب بل نظرت إلي طويلا نظرة من يعرف أن الكلمات التي سيقولها ستترك أثرا لا يمحى.
ظلت صامتة بضع ثوان قبل أن تتكلم وكأنها تمنحني فرصة أخيرة لأن أستعد لما سأسمعه. ثم قالت بصوت هادئ لكنه حاسم
اسمع يا بني. عندما ترفع امرأة دعوى طلاق وخصوصا حين يكون السبب إساءة فالأمر لا يؤخذ بخفة. هذا ليس غضبا عابرا ولا تهديدا لتخويفك. المرأة لا تصل إلى المحكمة إلا بعد أن تستنزف تماما. ومن تلك النقطة يكون التراجع صعبا جدا.
توقفت قليلا ثم أكملت
أمامك طريقان لا ثالث لهما إما أن تقبل بالخسارة وتعيش معها وتتحمل نتائج ما فعلت أو أن تطلب الصفح بصدق حقيقي. لا بالكلام الجميل ولا بالوعود الفارغة بل بالفعل. وأكثر ما يقلقني يا بني أن هذا الأمر لم يعد شأنكما وحدكما. لقد خرج من حدود البيت وأصبح شأن العائلة كلها
وسمعتها وما سيقال عنها اليوم وغدا.
كانت كلماتها كأنها تسحب من داخلي واحدة تلو الأخرى. لم أجادلها ولم أحاول الدفاع عن نفسي. كنت أعلم في قرارة نفسي أن ما تقوله ليس مبالغة ولا تهويلا. كنت أعرف لكنني كنت أتهرب من الاعتراف.
أخذت نفسا عميقا نفسا حاولت أن أملأ به صدري الذي كان يضيق أكثر مع كل فكرة. شعرت وكأن كل شيء يجثم على صدري دفعة واحدة بلا رحمة أمي بحضورها الطاغي وسلطتها التي لم أجرؤ يوما على كسرها. الأقارب بنظراتهم وكلماتهم وأحكامهم التي لا تنتهي. ضغط المجتمع الذي لا يرحم رجلا يقال إن زوجته تركته بسبب إساءة. الخوف من الفضيحة من أن يذكر اسمي مقرونا بالعار. الخوف من القانون من القاعات المغلقة ومن الأحكام التي لا تغيرها الأعذار. الخوف من المستقبل من أن أستيقظ ذات يوم وأجد نفسي وحيدا بلا زوجة بلا طفل وبلا معنى واضح لما تبقى من حياتي.
لكن وسط كل هذا الركام من المخاوف كان هناك خوف واحد يعلو فوق الجميع خوف لا يشبه أي خوف آخر خوف لم يكن نظريا ولا اجتماعيا ولا قانونيا بل كان شخصيا عاريا يمس القلب مباشرة
أن لا أسمع ابني يناديني أبي كل صباح.
أن تمر الأيام ثم السنوات وهو يكبر بعيدا عني ينطق
بالكلمة ذاتها لشخص
تم نسخ الرابط