هرب يوم وُلد أطفاله… وعاد بعد ثلاثين عامًا بالحقيقة القاسية

لمحة نيوز

الشفقة بل بكاء رجل أدرك متأخرا أن حياته بكل ما فيها من نجاحات ظاهرية بنيت على هروب واحد وعلى قرار واحد اتخذه حين فضل راحته على مسؤوليته.
راح يعتذر لا مرة واحدة بل مرارا كأن تكرار الكلمة قد يعيد الزمن إلى الوراء. أخذ يبرر ويتحدث عن الخوف وعن ضغط المجتمع وعن نظرات الناس وعن صور نمطية كانت تسيطر على عقله في تلك اللحظة البعيدة. تحدث عن ضعفه وعن ارتباكه وعن عدم نضجه آنذاك. كان يتكلم كثيرا يربط الجمل ببعضها بلا نظام وكأن كثرة الكلمات قد تخفف وطأة الفعل أو تذيب ثقل السنوات التي ضاعت.
استمع إليه أطفالي بصمت. لم يقاطعوه لأنهم لم يعودوا بحاجة إلى إجابات. لم يسألوه لأن الأسئلة فقدت معناها بعد أن طال الانتظار. لم يهاجموه لأن الهجوم لا يغير ما حدث. كنت أراقب وجوههم وأرى فيها شيئا لم أره من قبل وضوحا نقيا هادئا خاليا من التناقض. لم يكن في أعينهم غضب مشتعل ولا رغبة في الانتقام ولا حتى شفقة تثقل القلب. كان هناك فقط يقين راسخ بأنهم كبروا من دونه ومع ذلك لم ينكسروا ولم يضيعوا ولم تتشوه هويتهم كما كان يخشى.
كبروا وهم يعرفون قيمة الخبز القليل حين يكون هو كل ما نملك. عرفوا معنى التعب حين يتحول
إلى رفيق يومي وحدود الصبر حين يصبح الصبر أسلوب حياة لا خيارا مؤقتا. كبروا وهم يرون أمهم تعمل بصمت تستيقظ قبل الفجر وتعود متعبة وتسقط أحيانا تحت وطأة الإرهاق ثم تنهض من جديد دون أن تشتكي ودون أن تزرع فيهم شعورا بالنقص أو بالمرارة.
كبروا وهم يتعلمون دون دروس مباشرة أن الهوية لا يمنحها شخص غائب وأن الانتماء لا ينتزع بالصراخ ولا يفرض بالقوة بل يبنى بالفعل اليومي وبالصدق مع النفس وبالقدرة على الاستمرار رغم الغياب.
كانت لوسيا أول من تكلم. رفعت رأسها ونظرت إليه بثبات لم أعرفه فيها من قبل ثبات إنسان تصالح مع ماضيه ولم يعد يخشاه.
لسنا بحاجة إلى اعتذاراتك لكي نواصل حياتنا قالت بهدوء لقد فعلنا ذلك دونك طوال ثلاثين عاما.
كانت كلماتها قصيرة لكنها حملت عمرا كاملا من الاكتفاء الذاتي ومن الاعتماد على النفس ومن النضج الذي لا يحتاج إلى صراخ ليثبت وجوده. لم تكن كلماتها قاسية لكنها كانت نهائية كإغلاق باب بعد التأكد من أنه لم يعد هناك ما يؤخذ من خلفه.
أنزل خافيير رأسه من جديد. وللمرة الأولى بدا وكأنه يفهم حقا أن بعض الأخطاء لا تصلح ولا تمحى ولا تعالج بالدموع بل يعاش أثرها إلى النهاية كظل طويل لا
يفارق صاحبه. أوضح له أندريس بصوت هادئ لا يحمل عداء ولا قسوة أنهم لم يأتوا ليحاكموه لأن الحكم الحقيقي قد صدر منذ زمن ولكنهم أيضا لم يأتوا لينقذوه. مسألة الزرع شأنه الخاص وليست دينا عاطفيا عليهم سداده ولا وسيلة لشراء الغفران أو استعادة دور لم يؤده يوما.
كنت أراقب المشهد بصمت. لم أكن بحاجة للكلام لأن كل ما كان يجب قوله قيل فعلا ولكن بالأفعال لا بالكلمات. داخلي لم يعد يحمل حقدا ولا رغبة في المواجهة ولا حتى رغبة في التفسير. كان هناك حزن قديم مستقر هادئ لم يعد يؤلمني كما كان في السابق لكنه يذكرني بمن كنت وبما تجاوزته وبالطريق الطويل الذي سلكته دون أن ألتفت خلفي.
وعندما نظر إلي خافيير بعينين تبحثان عن شيء لم يعد موجودا ربما غفران وربما شفقة وربما تبرئة متأخرة تخفف عنه ثقل الذنب أجبته بصدق لم أحضره ولم أزينه ولم أبحث له عن صيغة ألطف
لم أحمل لك كراهية. لكنني أيضا لم أحتفظ لك بمكان.
لم تكن جملة انتقام ولا محاولة لإيلامه بل كانت توصيفا دقيقا للواقع كما هو دون زيادة ولا نقصان.
غادر في ذلك اليوم أصغر مما جاء. لا لأننا هزمناه ولا لأننا انتصرنا عليه بل لأن الحقيقة عندما تأتي متأخرة لا تنقذ
الإنسان بل تقلصه وتجرده من الأعذار التي عاش عليها طويلا. أما نحن فبقينا متماسكين. ذلك اللقاء لم يكسرنا ولم يفتح جراحا جديدة ولم يبعثر ما بنيناه بل أغلق جرحا ظل مفتوحا لوقت أطول مما ينبغي.
اليوم أطفالي الخمسة بالغون أقوياء يعرفون من هم ويعرفون من أين جاؤوا ولا يخجلون من قصتهم ولا يحتاجون إلى تعديلها لتصبح مقبولة في نظر أحد. لم يكبروا مع أب لكنهم كبروا مع الحقيقة ومع الجهد ومع حب لم يكن مشروطا بملامح ولا مرتبطا بتوقعات الآخرين.
أما أنا فقد تعلمت عبر السنوات أن الكرامة لا تستجدى ولا تمنح ولا تستعاد بالاعتذارات المتأخرة بل تبنى بصبر طويل وبقرارات صغيرة تتخذ كل يوم رغم الخوف ورغم التعب ورغم الوحدة أحيانا.
هذه ليست قصة انتقام بل قصة عواقب. أحيانا قرار واحد يتخذ في لحظة ضعف أو خوف أو هروب يظل يلاحق الإنسان طوال حياته لا ليعذبه فقط بل ليذكره بما كان يمكن أن يكون لو اختار المواجهة بدل الرحيل.
وإن كانت هذه الحكاية قد لامست فيك شيئا أو أيقظت ذكرى دفنتها منذ زمن أو دفعتك للتساؤل عما كنت ستفعله لو كنت مكاننا فاعلم أن قصتك أنت أيضا تستحق أن تروى وأن كل صوت صادق مهما بدا صغيرا هو جزء من هذا
العالم ومن معناه.

تم نسخ الرابط