قالوا من تُنجب ذكرًا ستبقى… لكن القدر كتب نهاية لم يتوقعها أحد

لمحة نيوز

ليقارن وليعيش لا ليصنف 
في العيادة عرضت علي فرصة تدريب إضافي ثم ترقية بسيطة لم تكن قفزة كبيرة لكنها كانت اعترافا صامتا بجهدي وبثباتي وبأنني لم أعد تلك المرأة التي تحتاج إلى شفقة 
كنت أعود إلى المنزل متعبة نعم لكنني كنت أعود مرفوعة الرأس 
تعلمت أن الاستقلال لا يعني أن تكوني بلا خوف بل أن تمضي رغم الخوف 
وتعلمت أن الأمومة لا تقاس بوجود رجل في البيت بل بوجود الأمان في القلب 
في بعض الأمسيات كانت ذكريات الماضي تطفو فجأة 
صورة اجتماع العائلة صوت بياتريس وهي تلقي حكمها القاسي صمت دانيال الذي مزقني أكثر من أي كلمة 
لكن تلك الذكريات لم تعد تؤلمني كما في السابق 
كانت مثل صور قديمة باهتة تذكرني بطريق سرت فيه وخرجت منه 
وصلني لاحقا من دون أن أسأل أن دانيال حاول إصلاح سمعته وأنه بات أكثر انطواء وأقل حضورا في التجمعات 
قالوا إنه تغير وإنه ندم 
لكن الندم الذي يأتي بعد فوات الأوان لا يعيد ما كسر 
لم أشعر بحاجة لأن أثبت له شيئا 
لم أعد أنتظر اعترافا
ولا اعتذارا ولا تفسيرا 
كنت قد تجاوزت تلك المرحلة دون أن أشعر 
في إحدى الليالي وبينما كنت أرتب بعض الأوراق القديمة وجدت صورة لي وأنا حامل في أشهره الأولى 
نظرت إليها طويلا 
تلك المرأة في الصورة لم تكن تعرف ما ينتظرها لكنها كانت شجاعة بما يكفي لتكمل الطريق 
ابتسمت ووضعت الصورة في درج بعيد لا لأدفنها بل لأحتفظ بها كدليل على أنني نجوت 
جلست قرب سرير آريا أراقب تنفسها المنتظم وأفكر في المستقبل 
لم أكن أطمح إلى حياة مثالية 
كنت أطمح فقط إلى حياة عادلة لا يهدد فيها وجودي ولا تساوم فيها كرامتي 
همست لها كما اعتدت أن أفعل بكلمات لم تكن وعدا بل مبدأ 
سنعيش بسلام مهما كان الثمن 
في تلك اللحظة أدركت أن الحرية لم تكن في الرحيل وحده
بل في ألا أعود أبدا إلى المكان الذي كسرني 
مرت السنوات بهدوء لم أكن أتخيله يوما 
هدوء لم يكن خاليا من التعب ولا من المسؤوليات لكنه كان خاليا من الخوف 
ذلك الخوف الذي كان يرافقني في كل خطوة سابقا خوف أن أهان أن
أقصى أن يقرر مصيري نيابة عني 
كبرت آريا ومع كل عام يمر كنت أزداد يقينا بأن القرار الذي اتخذته في تلك اللحظة القاسية كان القرار الصحيح مهما بدا مؤلما في حينه 
كانت تضحك بسهولة وتسأل كثيرا وتحب الحياة دون شروط 
لم تعرف يوما معنى أن تكون أقل ولم أسمح للعالم أن يعلمها ذلك 
في المدرسة حين كانت تسأل عن والدها كنت أجيبها بصدق يناسب عمرها دون تشويه ودون كذب 
قلت لها إن بعض العائلات لا تسير كما خطط لها لكن ذلك لا يجعلها ناقصة 
وكانت تكتفي بذلك وكأن قلبها الصغير فهم ما احتجت أنا سنوات لأفهمه 
لم يعد اسم دانيال يذكر كثيرا في حياتنا 
لم أمنعه من الوجود ولم أفسح له مكانا أيضا 
كان ماضيا اختار طريقه وأنا اخترت طريقي 
أما عائلة دي ليون فقد تلاشت من ذاكرتي تدريجيا 
لم أعد أتابع أخبارهم ولم أعد أصغي لما يقال عنهم 
فبعض القصص تنتهي حين نكف عن الالتفات إليها 
في إحدى الأمسيات الهادئة وبينما كنت أجلس مع آريا في الشرفة نراقب تغير ألوان السماء سألتني فجأة 
أمي
هل أنت سعيدة
لم أجبها فورا 
نظرت إلى السماء ثم إلى وجهها وأدركت أن السعادة ليست كلمة واحدة ولا شعورا دائما بل حالة رضا عميقة 
قلت لها بهدوء 
نعم لأنني أعيش كما أنا لا كما أرادني الآخرون 
ابتسمت وعادت للعب كأن الإجابة كانت كافية 
في تلك اللحظة تذكرت نفسي وأنا أقف عند نافذة بيت لم يكن لي أحمل جنينا وأحمل معه خوفا لا يحتمل 
وقارنتها بالمرأة التي أقف الآن في بيت صنعته بجهدي مع طفلة تنام مطمئنة ومع قلب لم يعد مثقلا بالكراهية 
أدركت أن العدالة لا تأتي دائما بصوت عال
ولا تنتقم كما نتخيل
بل تأتي أحيانا في صورة حياة هادئة بلا إهانات بلا شروط بلا مساومات 
لم أحتج إلى انتصار علني 
كان انتصاري أن أربي ابنتي في عالم لا يقسم البشر إلى فائز وخاسر بناء على جنسهم
وأن أعلمها أن قيمتها لا تمنح من أحد بل تولد معها 
في تلك الليلة أطفأت الأنوار وأغلقت النوافذ واستلقيت على سريري 
لم أسمع إلا أنفاس البيت وأنفاس الحياة وهي تمضي بهدوء 
أغمضت عيني
وعرفت أخيرا
أنني
لم أخسر شيئا 
بل ربحت نفسي 
النهاية

تم نسخ الرابط