قالوا من تُنجب ذكرًا ستبقى… لكن القدر كتب نهاية لم يتوقعها أحد
عندما علمت بحملي للمرة الأولى ظننت بقدر كبير من السذاجة التي لا يولد منها إلا الأمل أن هذا الخبر سيكون الخيط الأخير الذي سينقذ زواجي المتداعي
كنت أعيش حينها حالة من الترقب المختلط بالخوف لكن الأمل كان يتقدم دائما خطوة إلى الأمام قلت لنفسي إن الطفل القادم سيعيد التوازن سيصلح ما تصدع وسيوقظ في قلب زوجي دانيال ذلك الشعور الذي فقده منذ زمن المسؤولية
كان زواجنا قبل ذلك قد بدأ يفقد ملامحه شيئا فشيئا
لم يكن هناك شجار صريح ولا خلافات صاخبة بل صمت طويل وفتور بارد وكلمات مقتضبة لا تحمل دفئا ومع ذلك كنت أتشبث بأي بادرة أمل وأقنع نفسي بأن لكل زواج مراحل صعبة وأن الصبر كفيل بتجاوزها
حين أخبرته بخبر الحمل لم يقفز فرحا كما كنت أتخيل لكنه ابتسم ابتسامة خفيفة وقال بصوت خافت
خير الحمد لله
تمسكت بتلك الكلمة وبنيت عليها أحلاما كثيرة
لكن لم تمر أسابيع قليلة حتى انهار كل شيء
في مساء عادي وبينما كنت أبحث في هاتفه عن صورة قديمة لنا
لمحت محادثة لم أكن طرفا فيها
وحديثا عن قرارات تناقش في الخفاء
وكأن حياتي تعاد صياغتها دون علمي
واجهته في تلك الليلة
جلس أمامي وعيناه لا تلتقيان بعيني
وأقر بأن أمورا
قال إن عائلته تضغط عليه منذ فترة
وإنهم يفرضون تصوراتهم الخاصة حول مستقبل الزواج
ويتعاملون مع الأمر وكأنه محسوم دون الرجوع إلي
والأقسى من ذلك أنهم كانوا يتعاملون مع الأمر وكأنه محسوم ومنتهي
وفي لحظة واحدة تحول الحمل الذي ظننته طوق نجاة إلى ذريعة تستعمل ضدي
لم أبك فورا كنت مصدومة أكثر من كوني منكسرة
سألته سؤالا واحدا فقط
ومنذ متى
لم يجب بدقة قال كلمات مبهمة عن الخطأ والظروف والأمور التي خرجت عن السيطرة
لكن أي ظرف هذا الذي يبررأن يتخلى إنسان عن شريكته وهي في أضعف حالاتها
لم تمض أيام حتى خرج الأمر إلى العلن
لم يكن بإمكاني الصمت ولا التظاهر بأن شيئا لم يحدث
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في الموقف وحده
بل في الطريقة التي واجهت بها العائلة ما جرى
كنت أظن مهما بلغ الخلاف أن الحقائق الواضحة ستجعلهم يقفون إلى جانبي أو على الأقل يلتزمون الحياد
لكنني كنت مخطئة
عائلة دانيال في سان بيدرو لم تتردد لحظة واحدة
منذ البداية اتخذوا موقفهم بوضوح
هو ابنهم وأنا الطرف الزائد
دعيت إلى ما أطلق عليه اجتماع عائلي
دخلت البيت وأنا أحمل في
كانت حماتي بياتريس تجلس في صدر المجلس
امرأة اعتادت أن تمسك بزمام الأمور وأن تصدر الأحكام دون أن تراجعها
تكلم الجميع قليلا كلمات عامة عن الأزمة والسمعة ومستقبل العائلة ثم قطعت بياتريس الحديث وقالت بصوت حاسم لا يعرف التردد
لا داعي لكل هذا النقاش الأمر بسيط من تنجب ولدا ستبقى في هذه العائلة أما إن كانت أنثى فلتغادر
ساد الصمت
شعرت وكأن جملة واحدة محت كل ما أنا عليه
لم أعد زوجة ولا إنسانة ولا أما تحمل طفلا بريئا
كنت مجرد رحم تقاس قيمته بجنس الجنين
نظرت حولي أبحث عن اعتراض عن وجه يرفض هذا الظلم الصريح
ثم نظرت إلى دانيال
كان جالسا هناك رأسه منخفض وعيناه معلقتان بالأرض
لم يقل شيئا
لم يدافع
لم يعترض
في تلك اللحظة فهمت كل شيء
لم يكن الصمت ضعفا فقط بل كان اختيارا
ذلك المساء عدت إلى الغرفة التي عشت فيها سنوات أسميها بيتي وقفت عند النافذة أحدق في الظلام وأفكر في حياتي التي تغيرت في أسابيع قليلة
تذكرت كيف دخلت هذا المنزل أول مرة
أدركت وأنا أحدق في انعكاس وجهي على الزجاج أن الأمر انتهى حقا لم يكن السبب حدثا واحدابل لأنني لم أعد أعامل كإنسانة
وفي تلك اللحظة اتخذت قراري
لم أنم تلك الليلة
بقيت مستلقية على السرير أحدق في السقف وأضع يدي على بطني كأنني أطلب من طفلي الصغير أن يمنحني بعض الثبات لم يكن الخوف على نفسي وحدي بل على الكائن الذي لم ير النور بعد والذي وجد نفسه منذ اللحظة الأولى محاصرا بمعركة لم يخترها
كنت أسمع همسات البيت خطوات خافتة وأصوات أبواب تفتح وتغلق الجميع كان مستيقظا لكن أحدا لم يطرق بابي ولم يسألني إن كنت بخير
في تلك الساعات الطويلة لم أكن أفكر في الانتقام ولا في الجدال ولا حتى في إثبات حقي كنت أفكر فقط في سؤال واحد
هل أستطيع أن أربي طفلي هنا
والجواب كان واضحا مهما حاولت أن أتهرب منه
كيف لطفل أن ينمو في بيت يقاس فيه بالذكورة والأنوثة
كيف لي أن أعلمه الكرامة وأنا أسحق كل يوم بصمت
مع أول ضوء للصباح نهضت من سريري غسلت وجهي نظرت إلى المرآة ورأيت امرأة لم تعد تشبه نفسها
لم أكن ضعيفة لكنني كنت متعبة متعبة إلى الحد الذي
خرجت من الغرفة دون