المليونير عاد إلى البيت فجأة… وما شاهده جعل دموعه تنهمر
المحتويات
عليه آثار دقيق خفيفة وبقع شوكولاتة صغيرة عند الأطراف. وعلى الطاولة نفسها جلس نوح وغريس وقد احمرت وجنتاهما من الضحك وتلطخت ثيابهما ببقايا الكاكاو والكريمة كأنهما خرجا للتو من معركة سعيدة.
بينهما كانت كعكة شوكولاتة ليست مثالية الشكل لكنها بدت حقيقية أكثر من أي شيء في ذلك المنزل. فواكه مرتبة بعفوية فوق سطحها كريمة لم تسو تماما على الأطراف وخط غير متقن من مسحوق الكاكاو مرسوم كأن طفلا أصر أن يشارك بطريقته.
كانت أوليفيا واقفة قرب الطاولة بزيها الأخضر الزمردي الذي اعتاد ماثيو أن يراه دون أن ينتبه. شعرها مثبت بعناية ويديها تحملان سكينا صغيرة تقطع قطعا متساوية للكعكة. لكنها لم تكن مدبرة منزل في تلك اللحظة كانت تضحك معهم ضحكة خافتة لكنها صادقة وتشير بيدها كأنها تحكي قصة داخل القصة.
غريس رفعت إصبعها الملطخ بالكريمة وحاولت أن تسرقه إلى فمها قبل أن تراها أوليفيا لكن أوليفيا أمسكت يدها برفق ومسحت الكريمة عن خدها بطرف منديل وهي تقول شيئا لم يسمعه ماثيو فقهقهت غريس أكثر. أما نوح فكان يصفق بحماس ويرفع قطعة صغيرة من الشوكولاتة كأنها كأس نصر ثم يضحك حين تسقط منه قليلا على قميصه.
وبين ضحكة وأخرى كانت أوليفيا تضع قطع الكعكة أمامهما ثم تميل
ماثيو لم يتحرك.
شعر بشيء يضرب حلقه كأن الكلمات علقت فجأة ولم تعد تعرف طريقها إلى الخروج.
لم تكن الكعكة هي ما هزه. ولم يكن الضحك وحده.
كان ما وراء ذلك كله
حقيقة قاسية وبسيطة أنه لم ير هذا البيت حيا منذ زمن لأن قلبه لم يكن فيه.
ومن حيث لا يدري ارتفعت حرارة عينيه. حاول أن يرمش أن يستعيد توازنه أن يذكر نفسه أنه رجل أعمال وأن الدموع ليست من عاداته لكن تلك الفكرة كانت ساذجة أمام المشهد. كان يرى أمامه عائلة تصنع في غيابه عائلة صغيرة لا تحتاج إلى ثروة بل تحتاج فقط إلى من يجلس معهم من يضحك من يلوث قميصه بالشوكولاتة دون أن يشعر أن ذلك يقلل من هيبته.
ظل واقفا في العتمة عند الباب بينما الضوء الذهبي يغمر الطاولة. تذكر فجأة إليانور. تذكر كيف كانت ستضحك لو رأت الفوضى الجميلة وكيف كانت ستلتقط صورة وتقول له انظر هذا هو البيت.
شعر بالذنب كأنه حجر ثقيل على صدره.
هو الذي بنى أبراجا وشوارع كاملة لم يبن لحظة واحدة مع أطفاله منذ رحيل أمهم.
وفي تلك اللحظة التفت نوح.
كانت عيناه تلمعان من الضحك ثم توقفت ضحكته فجأة حين رأى والده.
غريس أيضا التفتت وأصبح
أما أوليفيا فتصلبت للحظة. وضعت السكين ببطء ومسحت يديها في المئزر كمن يستعد لتبرير شيء لا يدري ما هو. كانت تعرف أن ماثيو لا يحب الفوضى ولا يحب أن تتجاوز الأمور حدود العمل.
لكن ماثيو لم يوبخ.
لم يسأل حتى ما الذي يحدث هنا
خرجت منه كلمة واحدة ضعيفة لكنها صادقة
شكرا
قالها وهو لا ينظر للكعكة بل ينظر إلى طفليه ثم إلى أوليفيا كأنه يرى الثلاثة للمرة الأولى.
لم تفهم غريس ما يعنيه ذلك تماما لكنها فهمت أن والدها هنا. فنهضت بسرعة وركضت نحوه ويديها ملطختان بالكريمة دون أن تفكر. عانقته بقوة وتركته يبتل ببراءة على بدلته المكلفة.
نوح تردد لحظة كعادته ثم اقترب هو الآخر ووضع يده على ذراع أبيه في حركة صغيرة لكنها تعني الكثير.
حينها انخفض ماثيو على ركبتيه أمامهما.
لم يفعل ذلك منذ لا يتذكر.
ضمهما إليه وشعر لأول مرة منذ سنوات أن حضن طفل يمكن أن يهزم أي صفقة وأن ضحكة صغيرة يمكن أن تسقط جدارا من الصمت.
وخرجت دموعه بلا إذن وبلا قدرة على إيقافها.
رأت أوليفيا ذلك فتراجعت خطوة كأنها لا تريد أن تكون شاهدة على لحظة خاصة لكنها لم تستطع أن تخفي ارتعاش عينيها هي الأخرى. كانت تعرف هذا النوع من الانكسار. الانكسار
قال نوح بصوت خافت وهو يلتصق بحضن أبيه
بابا انت جيت بدري.
هز ماثيو رأسه وصوته يخرج مكسورا
كان لازم كان لازم أجي.
رفع رأسه نحو أوليفيا وكأن الكلمات ثقلت عليه قبل أن تخرج
أنا لم أكن أعرف.
أوليفيا بلعت ريقها وقالت بسرعة كأنها تخشى سوء الفهم
سيدي أنا لم أتجاوز نحن فقط كانوا يريدون أن يخبزوا كعكة. اليوم ذكرى ذكرى صغيرة. قلت لهم إننا نستطيع أن نجعلها أخف.
توقف ماثيو.
ذكرى ماذا
نظرت غريس إلى الأرض ثم قالت بصوت طفولي
ذكرى ماما.
تصلب ماثيو.
شعر كأن الهواء انقطع عنه لحظة.
لم يتذكر حتى أن هذا اليوم يوافق شيئا. أو ربما تذكره في العمق لكنه دفنه كالعادة تحت ملفات ومشاريع.
أما أطفاله فلم ينسوا.
وهنا ضربته الحقيقة الثانية
ليس فقط أنه غائب جسديا بل غائب عن أهم تواريخهم عن مشاعرهم عن اللحظات التي يحتاجون فيها إليه أكثر من أي شيء.
جلس معهم على الكرسي دون أن يهتم ببدلته ولا ببقعة الكريمة. لأول مرة لم يطلب من أحد ترتيب الوضع. لم يقل هذا ليس مناسبا. بل أخذ قطعة صغيرة من الكعكة وتذوقها.
كانت حلوة لكنها ليست حلاوة الشوكولاتة. كانت حلاوة أن يشعر أنه عاد إنسانا لا مجرد مالك.
ضحك نوح
بابا
متابعة القراءة