المليونير عاد إلى البيت فجأة… وما شاهده جعل دموعه تنهمر
بدأ يوم ماثيو هايز كما بدأت أيام لا تحصى من قبل أيام تشبه بعضها إلى حد يجعلك تشك إن كانت الحياة تتحرك فعلا أم تعيد تشغيل المشهد نفسه كل صباح.
استيقظ في ساعة مبكرة قبل أن يرن المنبه بدقائق ليس لأن جسده ارتاح بل لأن النوم لم يعد يعرف طريقه إلى أعماق روحه منذ سنوات. جلس على طرف السرير في الغرفة الواسعة التي تطل نوافذها الزجاجية على المدينة وحدق طويلا في الضوء الباهت المتسلل قبل الشروق.
كان كل شيء في حياته منظما بدقة الوقت المواعيد الملابس حتى المشاعر أو هكذا أقنع نفسه.
ماثيو هايز رجل الأعمال اللامع صاحب إمبراطورية عقارية تمتد عبر أحياء كاملة اعتاد أن يبدأ يومه بقراءة التقارير المالية قبل أن يرى وجوه أطفاله. لم يكن ذلك قسوة متعمدة بل هروبا صامتا من فراغ لم يعترف بوجوده يوما.
في ذلك الصباح تحديدا شعر بشيء غريب.
لم يكن ألما جسديا ولا قلقا واضح السبب بل ثقلا داخليا كأن صدره يحمل سؤالا بلا كلمات.
ارتدى بدلته الداكنة بعناية وربط ربطة العنق أمام المرآة ولاحظ للمرة الأولى منذ زمن الخطوط الخفيفة حول عينيه. تذكير صامت بأن الوقت يمضي سواء راكم الصفقات أو تجاهل قلبه.
خرج من الغرفة مر عبر الممر الطويل حيث كانت صور زوجته الراحلة إليانور
في الأسفل كان المنزل هادئا على نحو مبالغ فيه. هدوء لا يشبه السكينة بل يشبه صمت قاعات العرض الفاخرة حيث كل شيء في مكانه لكن لا حياة فيه.
نوح وغريس كانا قد غادرا إلى المدرسة. لم ير وجهيهما ذلك الصباح. ترك لهما رسالة مقتضبة مع الخادمة كعادته.
خرج إلى السيارة وبدأ السائق في التحرك بينما فتح ماثيو جدول يومه على جهازه اللوحي. اجتماعات اتصالات توقيعات يوم آخر من النجاح المجرد من الدفء.
لكن ذلك الثقل لم يزل.
كلما قرأ بندا شعر بأنه لا يعنيه. وكلما نظر من نافذة السيارة إلى الشوارع شعر وكأنه يرى مدينة لا تخصه.
وفجأة ومن دون تخطيط قال للسائق بصوت منخفض لكنه حاسم
عد إلى المنزل.
تردد السائق لحظة ثم نفذ الأمر.
أما ماثيو فلم يكن يعرف لماذا قال ذلك.
كل ما عرفه أنه لم يعد قادرا على تجاهل ذلك الصوت الداخلي الذي طالبه للمرة الأولى منذ سنوات بأن يكون حاضرا لا ناجحا فقط.
كان منزله يقف عند أطراف المدينة كقصر حديث من زجاج وحجر تحفة معمارية كثيرا ما ظهرت في مجلات التصميم. من الخارج كان رمزا للإنجاز.
ومن الداخل كان شاهدا على الغياب.
منذ وفاة إليانور تغير كل شيء دون أن يتغير شيء فعليا.
الأثاث نفسه. الجدران نفسها. لكن الضحكة التي كانت تملأ المكان اختفت ولم يحاول أحد تعويضها.
إليانور لم تكن مجرد زوجة. كانت قلب البيت.
كانت تقول دائما إن الأطفال لا يحتاجون إلى قصور بل إلى أذرع مفتوحة.
بعد رحيلها فعل ماثيو ما يجيده
هرب إلى العمل.
نوح الابن الأكبر كان في التاسعة حين ماتت أمه. أصبح أكثر هدوءا أكثر مراقبة أقل طلبا. تعلم مبكرا أن لا يثقل على والده.
أما غريس فكانت أصغر لم تفهم الموت لكنها فهمت الغياب. كانت تبحث عن الدفء في كل مكان في نظرات الخدم في ابتسامة أي شخص يمر وكأنها تخشى أن يسحب منها العالم فجأة مرة أخرى.
وسط هذا كله كانت أوليفيا بروكس.
مدبرة المنزل امرأة هادئة لا ترفع صوتها ولا تفرض وجودها. جاءت إلى هذا البيت قبل ثلاث سنوات وبقيت لأن أحدا لم يجد سببا لطردها. كانت تقوم بعملها بإتقان أكثر مما هو مطلوب دون شكوى.
لم يكن ماثيو يراها حقا.
بالنسبة له كانت جزءا من النظام مثل الجدران.
لكن بالنسبة لنوح وغريس كانت شيئا آخر تماما.
كانت تستمع.
كانت تتذكر تفاصيل صغيرة كيف يحب نوح بيضه صباحا وكيف تفضل غريس الحليب دافئا لا ساخنا.
كانت تجلس معهما حين يشعران بالخوف وتقرأ
لم تحاول أن تحل مكان الأم.
كانت فقط موجودة.
وأوليفيا نفسها كانت تحمل جرحا لا يرى.
كانت أما فقدت طفلها الوحيد في حادث مأساوي قبل سنوات. لم تتحدث عن ذلك لأحد في هذا البيت. لم تطلب شفقة ولم تسمح لنفسها بالبكاء أمام الغرباء.
لكن حين كانت مع الأطفال كان شيء في داخلها يلتئم ببطء وكأن العناية بهما تمنحها فرصة لتتنفس من جديد.
في ذلك العصر حين توقف ماثيو عند مدخل المنزل كان الضوء الذهبي ينسكب عبر النوافذ على نحو لم يلاحظه منذ زمن.
دخل متوقعا الصمت المعتاد.
لكن بدلا منه
سمع ضحكا.
ضحكا حقيقيا.
ضحك أطفال.
تجمد في مكانه.
لم يكن صوتا عابرا بل موجة دافئة ضربت صدره بقوة كأنها تذكره بشيء نسيه طويلا.
تقدم ببطء وكأن أي حركة مفاجئة قد تكسر السحر.
وعند باب غرفة الطعام
توقف.
المشهد الذي رآه لم يكن عاديا لكنه كان كافيا ليهز أساسات حياته كلها.
وقف ماثيو عند العتبة كأن قدميه التصقتا بالأرض. لم يكن يعرف ما الذي يتوقعه بالضبط لكنه بالتأكيد لم يتوقع أن يرى بيته ذلك البيت الذي يشبه صالة عرض صامتة حيا بهذا الشكل.
في وسط غرفة الطعام كانت الطاولة الكبيرة مغطاة بمفرش بسيط ليس من النوع الفاخر الذي