رجل أعمى يعيش في قصر صامت… وطفلة كسرت وحدته في دقيقة
انتظارهم.
حمدا لله تمتم ثم التفت نحو كلارا وابتسم. سيدتي الصغيرة عادت.
ركضت كلارا مباشرة إلى الداخل لا كضيفة هذه المرة بل كصاحبة حق. تركت آثار خطواتها المبللة على الرخام ولم تكترث. صاحت في الممر الكبير
سول! أنا رجعت! وينك
وخرج الجرو يركض يلف حول ساقيها ثم اندفع نحو إدواردو ينبح بفرح شديد. ضحك إدواردو بصوت قصير ورفع يده ليتحسس رأسه.
قال أوغوستو وهو يكاد يبتسم رغم حزنه
كان ينتظرك سيدي. لم يهدأ طوال اليوم.
دخلت جوانا ببطء شديد كأنها تخشى أن يكشف البلاط رفة قلبها. لم تكن تريد أن تفسد على إدواردو شجاعته لكنها لم تستطع منع السؤال الذي خرج منها كاعتراف
وأختك
هز إدواردو رأسه ثم قال بهدوء لا يشبه ارتباكه السابق
ستعود. ومعها أوراق. ومعها تهديدات. لكني أنا أيضا سأعود ومعي قراري.
بعد أسبوع عادت ريناتا.
لم تطرق كما في السابق. لم تنتظر أن يدعى اسمها. دخلت كما لو أنها ما زالت صاحبة المفاتيح كلها مفاتيح البيت مفاتيح الشركة مفاتيح حياة أخيها.
كان معها ملف ثقيل وامرأة تبدو محامية ورجل يحمل حقيبة جلدية. كان واضحا من وقع خطواتهم أن زيارة اليوم ليست للاطمئنان بل للحسم.
وقف أوغوستو في الممر وملامحه جامدة لكنه قال بأدب لا يفتقر إلى الحزم
سيدتي السيد إدواردو ينتظرك في غرفة المعيشة.
تقدمت ريناتا بخطوات ثابتة. كانت تتوقع أن تجد أخاها متوترا منعزلا وربما وحيدا كما اعتادت أن تراه. لكنها حين وصلت توقفت لجزء من الثانية ثم شدت وجهها بسرعة كي لا يقرأ عليها الذهول.
كان إدواردو واقفا بالفعل منتصبا كأنه يستعيد صوته من جذوره. كانت جوانا إلى جانبه لا تختبئ في الظل هذه المرة ويدها في يده كأنها تقول أنا هنا لا لأنني طامعة بل لأنني ثابتة. أما كلارا فكانت بين ذراعيه متشبثة برقبة ديدو كما لو أنها تعرف بالفطرة أن هذا المشهد هو خط الدفاع الأقوى.
قال إدواردو قبل أن تفتح ريناتا فمها
لن أوقع.
وضعت ريناتا الملف على الطاولة بقوة حتى اهتزت بعض الأشياء.
ستوقع. هذه ليست لعبة عشاء. هذا مستقبل. أنت أعمى إدواردو. الناس لا يرحمون.
رفع ذقنه قليلا وابتسم ابتسامة صغيرة لم تكن سخرية بل يقينا
اذهبي للمحكمة إن شئت.
تغيرت نظرة ريناتا كأنها لم تتوقع منه هذه الجملة.
سأذهب فعلا. سأطلب وصاية. سأثبت أنك غير قادر على اتخاذ قراراتك دون تأثير.
قال بصوت واضح
افعلي. وسأذهب مع محامي. أنا أعمى لا غبي.
لم تتحمل ريناتا بسهولة أن تقال لها هذه الحقيقة. كانت تحب أن تظن أن قوتها هي ما يبقيه واقفا. لكنها الآن ترى أنه يقف بقوة أخرى قوة من لم يعد يريد حياة بلا معنى.
قالت وهي تشير بعينين حادتين إلى جوانا
أنت تعرفين ماذا يعني هذا أليس كذلك ستسحقين في الصحافة. سيقولون إنك طماعة. سيقولون إنك استغللت ضعفه.
تنفست جوانا بعمق. ارتجفت قليلا لكنها رفعت رأسها للمرة الأولى أمام ريناتا دون أن تخفضه.
ليقولوا ما يشاؤون. أنا لم أطلب منه شيئا. ولم آت لأخذ شيء. أنا جئت فقط لأعمل. وهو الذي أعادني إنسانة بعد أن كنت مجرد ظل.
ضحكت ريناتا بمرارة
كلمات جميلة. هذه الكلمات تباع في المسلسلات.
تدخلت كلارا فجأة وهي تضع إصبعها على كتف ريناتا وتقول بجدية أطفال لا تعرف المراوغة
تيتا ريناتا ديدو ما كان يضحك قبل. أنا خليته يضحك. وماما خلته يأكل. وسول خلاه يلعب. ليش بدك ترجعيه وحيد
ساد صمت ثقيل لثانيتين.
رن صوت الحقيقة من فم طفلة فشق دروع المنطق والملفات والمحاضر.
نظرت ريناتا إليهم. لم تعد ترى موظفة فقط. رأت أما تقف مرتجفة لكنها صادقة. رأت طفلة صغيرة تحمل قلبا أكبر من القصر. ورأت أخاها ليس فقط رجلا أعمى يحتاج الحماية بل رجلا اختار أخيرا أن يعيش.
انخفضت كتفاها قليلا. أخذت نفسا عميقا.
ثم التقطت الأوراق وأعادتها إلى
قالت بصوت مكسور قليلا
أنت أحمق لكنك أخي.
ثم أضافت وهي تشير بأصبعها لا تهديدا هذه المرة بل تحذيرا محبا
إذا آذتك
قاطعتها جوانا بثبات
لن أفعل.
هزت ريناتا رأسها مرة واحدة ثم استدارت وغادرت. وعندما أغلق الباب خلفها لم يغلق على صمت جديد كما كان يحدث دائما بل على بداية مختلفة تماما.
اقتربت كلارا من إدواردو وربتت على خده قائلة
شفت قلت لك أنا بشوف لك.
ضحك إدواردو هذه المرة ضحكة كاملة. ثم قال
نعم وأنت ترين أفضل مما كنت أرى حتى وأنا مبصر.
لم يعد القصر بعد ذلك متحفا نظيفا بلا روح.
صار بيتا.
لم يعد أوغوستو يمسح آثار أقدام سول فورا. لم يعد يلتقط مكعبات اللعب قبل أن ينتهي النهار. صار يضع طبقا صغيرا بجانب طبق إدواردو دون أن يطلب منه وكأنه يعلن بصمت هذه العادة أصبحت قانونا جديدا.
كل ليلة عند السابعة كانت المائدة تنتظر ثلاثة
إدواردو في الرأس كلارا على يمينه جوانا على يساره.
وصار إدواردو يترك بعض المكالمات تمر دون رد. صار يؤجل الاجتماعات إن تعارضت مع عشاء بسيط. صار يفهم أن العالم لن ينهار لأن عقدا تأخر لكنه كان سينهار داخله لو عاد إلى كرسيه الوحيد في تلك القاعة الواسعة.
ومع الوقت سلم جزءا من الإدارة إلى مدير تنفيذي جديد ليس لأنه فقد قدرته بل لأنه استعاد شيئا أهم قدرته على أن يكون حاضرا.
في أحد أيام السبت دعا جوانا وكلارا إلى غرفة المعيشة. كان صوته مختلفا متوترا بطريقة جميلة. حتى سول جلس وكأنه يشعر أن شيئا كبيرا على وشك الحدوث.
كانت كلارا تقفز على الأريكة وتسأل
مفاجأة مفاجأة
قال إدواردو وهو يبتسم
نوعا ما.
أخرج علبة صغيرة. تنفس بعمق. كانت قدماه ترتجفان أكثر مما ارتجفتا في يوم الحادث.
جثا أمام جوانا وفتح العلبة
قال بصوت نصفه مزاح ونصفه رجاء
يا جوانا مارتينز جئت لتنظيف الأرض وانتهى بك الأمر تنظفين روحي. أعدت إلي الضحك والأمل والرغبة في أن أعيش. لا أريد يوما واحدا دونك ودون كلارا. هل تتزوجينني
وضعت جوانا يدها على فمها وانهمرت دموعها قبل أن تجد الكلمات.
صرخت كلارا وهي تقفز
قولي نعم يا ماما! بدي عرس!
همست جوانا
هل أنت متأكد
ابتسم إدواردو
أكثر يقينا من أي عقد وقعته في حياتي.
ضحكت جوانا وبكت في الوقت نفسه
إذا نعم.
اختلط صراخ كلارا بنباح سول وضحك أوغوستو الذي حاول أن يخفي دموعه بإصلاح ياقة سترته.
ثم قال إدواردو أخيرا ما كان قلبه يصرخ به منذ شهور
أحبك.
أجابت دون تردد
وأنا أحبك.
مرت سنوات.
وفي عصر هادئ جلس إدواردو في الشرفة يحمل طفلا رضيعا نائما على صدره. كان اسمه تي الاسم الذي ظن أنه لن يعود يوما إلى حياته. كانت كلارا وقد كبرت تقرأ بصوت واضح من كتاب اختارته بنفسها. جلست جوانا قربه تحيك شيئا صغيرا ربما بطانية وربما طريقة أخرى لتقول أنا هنا بلا كلمات.
نام سول عند قدميه أكبر سنا لكنه ما زال وفيا.
سألت جوانا
بم تفكر
قال إدواردو وهو يبتسم
كيف وصلنا إلى هنا. كيف أن طفلة في الثانية من عمرها سألتني هل أنت وحدك وقررت ألا تتركني.
خفضت كلارا الكتاب ونادت
ديدو.
نعم
هل أنت سعيد
شعر بدفء الطفل على صدره وسمع ضحكة جوانا وحفيف الأشجار وتلك الطمأنينة التي تعلم أخيرا أن
يميزها.
قال بهدوء ممتلئ
نعم يا صغيرتي أنا سعيد جدا.
ابتسمت كلارا وكأنها حصلت على الإجابة التي كانت تحتاجها فقط ثم عادت للقراءة.
وأغمض إدواردو عينيه عينيه اللتين لم تريا منذ زمن لكنه هذه المرة كان يرى كل ما يهم الحب والنور والمستقبل.
وفهم أخيرا أن النور في نهاية النفق الطويل لا يأتي دائما كمعجزة عظيمة بل يأتي أحيانا في هيئة طفلة
وكانت خمس كلمات بسيطة كافية لتغير كل شيء إلى الأبد.