رجل أعمى يعيش في قصر صامت… وطفلة كسرت وحدته في دقيقة
المحتويات
أكل الجزر بسببك. هذا شيء.
أطلق إدواردو ضحكة قصيرة مكسورة. لم يكن ذلك تعويضا عن ابنه لكن وجود يد صغيرة تشد قميصه وسماع سأعود غدا كان يملأ فراغا أقسم أنه سيبقى إلى الأبد.
لم يبق التغيير خفيا.
بدأت ريناتا شقيقته التي أدارت الشركة ومعظم حياته لحمايته تلاحظ أمورا صغيرة يوكل أكثر يجيب على رسائل أقل ليلا يترك المكالمات أثناء العشاء دون رد.
وفي يوم جمعة حضرت إلى القصر دون إعلان.
تبعت صوت الضحك صعودا. الضحك. لم تتذكر آخر مرة سمعته يضحك هكذا.
توقفت عند باب غرفة المعيشة وتجمدت.
كان إدواردو حافي القدمين على الأرض يضحك بينما يلعق جرو ذهبي وجهه. كانت كلارا تصرخ سول اترك أذن ديدو!
وعلى الأريكة جلست جوانا بمئزرها البسيط ويداها مبتلتان من غسل الصحون تضحك معهما.
صفقت ريناتا بقوة
ما هذا
توقف كل شيء. نبح سول. اختبأت كلارا خلف ساقي أمها.
قال إدواردو وهو يقف
ريناتا ماذا تفعلين هنا
جئت لأطمئن عليك. والآن أرى مشتت جدا. ومصحوب جدا.
وانتقلت نظرتها الحادة إلى جوانا.
وأنت
جوانا عاملة النظافة قالت بصوت منخفض.
طبعا تمتمت ريناتا. وهذه الطفلة
ابنتي. كلارا.
قالت ببرود
ممتاز. منذ متى يشمل طاقم العمل اللعب على الأرض وإحضار أطفالهم إلى مائدة الطعام وإقناع أخي بشراء كلب
ريناتا كفى قاطعه إدواردو. هذا بيتي.
بيت ساعدت في إبقائه قائما منذ الحادث ردت. ألا تر كم هذا خطير أنت أعمى ضعيف غني وامرأة فقيرة مع ابنتها تدخل حياتك فجأة وتملأ فراغا ألا يبدو ذلك مناسبا أكثر من اللازم
كانت كلماتها صفعات. احمر وجه جوانا.
لم أطلب شيئا
أنا لا أتحدث إليك قاطعتها ريناتا. أتحدث إليه.
تحول اليوم إلى عاصفة من الاتهامات والتهديدات تقارير محققين قصص مشوهة عن ماضي جوانا محام بوثائق جاهزة للتوقيع
شعر إدواردو بأنه محاصر. لعبت ريناتا على أعمق مخاوفه فقدان الشركة البيت ما تبقى من استقلاله.
تلك الليلة لم ينزل إلى العشاء.
جلست كلارا عند الطاولة الفارغة تتأرجح بساقيها تسأل مرارا إن كان ديدو غاضبا منها.
وفي الليلة الثانية تسللت إلى باب مكتبه وطرقت برفق.
ديدو أنا كلارا ألا تحبني بعد الآن
تحطم شيء في داخله.
فتح الباب جثا وضمه إليها بقوة.
لم تفعلي شيئا خاطئا يا صغيرتي. فقط الكبار يعقدون كل شيء.
إذا ستتعشى معي غدا
تردد ثم قال
غدا نعم.
عندما غادرت كره نفسه لأنه كاد أن يخيبها. وقرر ألا يسمح للخوف أن يسرق منه ما بدأ يحبه.
لكن ريناتا لم تتوقف. عادت بتهديدات أكثر وأوراق أكثر وحديث عن الحماية. دعاوى قضائية. صحافة. انتهازيون.
للمرة الأولى منذ سنوات رفع إدواردو صوته
لن أوقع على شيء يمنعني من اختيار من أتعشى معه.
إذا سأذهب إلى المحكمة ردت. سأطلب الوصاية وأثبت أنك غير قادر على إدارة حياتك.
اهتز الأرض تحته. جزء منه صدقها شعر أنه ربما لا يستحق أكثر من ذلك.
في الصباح عندما وصلت جوانا مع كلارا استقبلهما أوغوستو عند الباب.
أخته كانت هنا. إنه ليس بخير. أغلق على نفسه المكتب.
لم تحتج جوانا إلى تفاصيل. ضمت كلارا.
اليوم لن نتعشى هنا يا حبيبتي.
لماذا قالت وهي تبكي. ديدو صديقي!
أحيانا يمر الأصدقاء الكبار بمشاكل كبيرة قالت بهدوء.
تلك الليلة نامت كلارا وهي تبكي.
وفي مطبخها الصغير كتبت جوانا رسالة. شكرته لأنه أدخل كلارا إلى بيته لأنه أحبها كما هي لأنه اشترى كلبا فقط لأنها طلبت. شرحت أنهما ستعودان إلى الريف إلى بيت أختها لأنها تفهم أن أمثالها لا ينبغي أن يختلطوا بأمثاله.
طلبت شيئا واحدا فقط
لا تعد إلى الصمت. لا تعد إلى الوحدة. أنت تستحق أكثر.
وضعت في الظرف رسما شخصان بعصا كبير وصغير يمسكان بأيدي بعضهما. وأسفل الرسم بخط متعرج ديدو كلارا أصدقاء إلى الأبد.
قرأ أوغوستو الرسالة بصوت عال. قبض إدواردو عليها إلى صدره بالكاد يتنفس.
أوغوستو قال مبحوحا هل تعرف أين تسكن جوانا
نعم سيدي.
خذني. الآن.
تحولت الرحلة إلى سباق مع الوقت.
ازدحام بسبب حادث. مطر غزير. رفض إدواردو البقاء في السيارة. نزل ركض تعثر جرحت ركبته. امتزج الدم بالمطر. لم يهم.
كل خطوة كانت قرارا هذه المرة لن يهرب.
وصلوا أخيرا إلى البوابة الخضراء رقم 428. طرق بقوة.
جوانا!
لا جواب.
طرق مجددا. خرجت جارة.
غادرت قالت بحزن. هذا الصباح. مع الطفلة والحقائب.
توقف العالم.
جثا إدواردو على ركبتيه وأسند جبينه إلى الحديد البارد. مرة أخرى متأخر. مرة أخرى يخسر من يحب. كما لو أن الحادث يتكرر.
ثم سمع صوتا صغيرا حادا
ديدو!
رفع رأسه.
ماما إنه هو!
خطوات سريعة. ظهرت كلارا خلف البوابة مبللة عيناها تلمعان.
ماذا تفعل هنا
جئت لأجلك قال وهو ينهار.
ظهرت جوانا تحمل حقيبة ومظلة مكسورة. تجمدت.
دكتور إدواردو
لا ترحلي قال. أرجوك.
لا أستطيع أختك
لتفكر ما تشاء. لقد قررت.
والشركة البيت الثروة
لا قيمة لأي شيء إذا عدت للأكل وحدي.
شدت كلارا سترته
حقا جئت من أجلي
من أجلك ومن أجل أمك ومن أجل سول ومن أجل الحياة التي أدخلتموها بيتي.
قالت جوانا
لن نكون بديلا.
أعلم. لا أريد بديلا. أريدكم فقط.
أغمضت عينيها كأنها تتمسك بقرار طالما خافت الاقتراب منه. كان جسده يرتجف لا من البرد وحده بل من ثقل السنوات التي قضاها يحتمي بالصمت. أحست بأنفاسه تتقطع قرب كتفها وبأن يده تبحث بتردد عن مكان آمن تستقر فيه. وحين
صرخت كلارا وهي تقفز بينهما ككرة من فرح لا يتعب
عناق جماعي!
ضحكت وهي تفرض ذراعيها الصغيرتين حول جسديهما ثم رفعت وجهها إلى السماء الممطرة كأن المطر احتفال لها وحدها. حاولت جوانا أن تمسح خصلات شعرها المبللة لكن كلارا أفلتت ودارت حولهما وهي تصفق ثم عادت لتشد كم إدواردو بحماس
ديدو أنت رجعت! قلت لك أنا أعرف إنك بترجع!
انحنى إدواردو قليلا باتجاه صوتها ومد كفه حتى لمس شعرها. كان ملمسه في بساطته يذكره بكل ما فقده وبكل ما عاد إليه دفعة واحدة. قال بصوت متهدج
نعم رجعت ولن أتركك تبكين بسببي مرة أخرى.
التفت إلى جوانا لا يراها بعينيه لكنه كان يراها بخوفها الذي تغير وبطريقة صمتها التي لم تعد هروبا بل انتظارا.
تعالي نرجع للبيت.
ترددت جوانا وظلت الحقيبة في يدها كأنها تذكير بالقواعد القديمة لا ترفعي رأسك أمام الأغنياء لا تحلمي أكثر مما يجب لا تخلطي قلبك بالعمل. لكنها وجدت نفسها تقول بصوت خافت
أي بيت
ابتسم إدواردو بصدق موجع
البيت هو المكان الذي لا يأكل فيه أحد وحده.
في طريق العودة لم يتحدثوا كثيرا. كانت كلارا تثرثر بلا توقف تحكي لإدواردو كل شيء كيف كانت ستأخذ سول معها في الحافلة وكيف صاحت على الجارة لأنها قالت إن ديدو لن يأتي وكيف وعدت نفسها بأنها إذا جاء فعلا ستطعمه قطعة بسكويت من حقيبتها الصغيرة.
أما جوانا فكانت تنظر من نافذة السيارة إلى المدينة التي ظنت أنها ستتركها خلفها إلى الأبد. لم تكن المدينة قد تغيرت لكن شيئا في داخلها تغير. كانت تخشى أن تكون هذه اللحظة فاصلا قصيرا قبل سقوط أكبر لكنها كانت تشعر لأول مرة أن الخوف لا يملك حق القيادة وحده.
عندما وصلوا إلى القصر فتح أوغوستو
متابعة القراءة