حضّرتُ له فطورًا… ثم خرجتُ من حياتِه بلا رجعة

لمحة نيوز

رد. كنت سأتحدث معه لاحقا وبوجود محام في الحديث. لكنني لا أدين له بكلمة واحدة قبل أن أنام.
الأيام التي تلت كانت عادية وغيرت الحياة في آن معا. استيقظت مبكرا ساعدت أمي في الفطور وسكبت قهوة أبي في قدحه المتشقق الذي يرفض استبداله. غسلت الصحون في الحوض الذي وقفت عنده مراهقة بعد العشاء أنظر إلى الحديقة نفسها وشجرة القيقب نفسها عارية الآن.
ظل هاتفي يرن. رسائل من دانيال تزداد اضطرابا بعضها غاضب وبعضها متوسل. اتصالات من أمه صوتها حاد في البريد الصوتي تتهمني بأنني تخليت عن ابنها وتذكرني برحلات كانوا قد ضموني إليها كأن ذلك يجب أن يطغى على كل شيء. لم أجب أيا منها. حفظتها كلها وأرسلتها إلى البريد الإلكتروني الذي أعطتني إياه المحامية حين اتصلت بمكتبها أخيرا.
كان اسمها أنيتا موراليس. امرأة هادئة عملية في الخمسين من عمرها ترتدي أحذية مريحة وتضع على مكتبها صحنا صغيرا من الحلوى الصلبة. جلست أمامها في مكتب متواضع وسط المدينة وشعرت بأنني صغيرة وغريبة القوة في الوقت نفسه.
قالت وهي تدفع علبة مناديل نحوي حين دمعت عيناي لست أول امرأة تجلس حيث تجلسين. ولن تكوني الأخيرة. لكنك هنا الآن. وهذا هو المهم.
تحدثنا عن المال وعن البيت وعن السيارة وعن إرث متواضع تركته لي جدتي كنت قد ساهمت به في الدفعة الأولى لشراء البيتمالا قلت لنفسي إنه استثمارنا ثم أدركت أنه قيدني أكثر بمكان لا أشعر فيه بالأمان.
قالت أنيتا وهي تطرق قلمها على دفتر ملاحظات إذن عمليا أنت ساهمت بقدر ما ساهم هو وربما أكثر إضافة إلى عملك غير المدفوع في البيت فوق عملك خارجه.
أومأت وشعرت بأنني مرئية ومكشوفة قليلا.
قالت سنحرص أن يعترف بذلك. لن يمحو ما مررت به لكنه سيمنحك بداية عادلة للفصل التالي.
استقرت عبارة الفصل التالي في صدري. طوال زمن طويل كنت أظن حياتي قصة واحدة عنوانها إميلي ودانيال. الآن سيكون هناك جزء جديد بعنوان لم أجده بعد.
في المساء كنت أذهب مع والدي إلى الكنيسة الصغيرة عند طرف
البلدة. زوجة القس امرأة لطيفة تتذكر أعياد ميلاد الجميع ضغطت على يدي وأخبرتني عن مجموعة دعم تجتمع في القاعة كل خميس. ذهبت رغم أن الفكرة كانت تربكني.
جلست في دائرة من كراس معدنية تحت ضوء فلوري أحتسي قهوة سيئة وأستمع إلى نساء يتحدثن عن نسخهن من قصتي. شعرت بوحدة أقل مما شعرت به في سنوات. بعضهن غادرن. بعضهن ما زلن يخططن. بعضهن عدن ثم غادرن ثانية. ولم تكن أي منا صورة كاريكاتورية أو حكاية تحذيرية. كنا بشرا بقينا طويلا في أماكن تؤلمنا لأننا أحببنا أحدا وصدقنا أننا نستطيع حمل ثقل انكساره.
في ليلة بعد الاجتماع خرجت إلى الموقف فرأيت سيارة مألوفة عند الطرف البعيد. انقبضت معدتي. وقبل أن أقرر ماذا أفعل تقدم ظل طويل إلى ضوء المصباح.
دانيال.
كان واقفا بمعطفه الثقيل يداه في جيبيه ويبدو أصغر مما أتذكر. كانت غريزتي الأولى أن أعود إلى الداخل وأن أبحث عن إحدى النساء وأن أتصل بمايكل. لكنني شعرت أيضا بشيء آخر أنني لا يجب أن أخاف من محادثة ما دمت أتذكر أنني لا أدين له إلا بما أختاره.
توقفت على بعد أمتار تاركة مسافة كافية.
قلت لا ينبغي أن تكون هنا.
أطلق نفسا صار بخارا في الهواء اتصلت بوالديك. قالوا إنك في الكنيسة. أردت أن أتحدث فقط.
قلت يمكنك أن تتحدث مع محاميتي. ليس مناسبا أن تقترب مني هكذا.
رمق باب الكنيسة مجموعة دعم أليس كذلك تجلسين لتقولي للجميع إنني وحش.
قلت بهدوء لا. نجلس لنذكر بعضنا أننا لسنا مجنونات لأننا نريد أن نكون آمنات.
ارتعش وجهه قليلا.
قال بعد لحظة بدأت أرى مختصا. مستشارا. إدارة غضب. حتى ذهبت إلى مجموعة الرجال التي أوصى بها القس ديف.
قلت أنا سعيدة. وكنت صادقة. كنت بحاجة إلى مساعدة منذ زمن.
قال كأنه لا يصدق أنا لا أضرب أحدا في العمل. لا أدفع زملائي. لا أصرخ هكذا في وجه أصدقائي. لا أعرف لماذا أنا
قلت برفق أنت تعرف. شعرت بالأمان لتفعل ذلك معي. لأنني سامحت وبقيت وغطيت عليك حين سأل الناس عن الكدمات. لأن البيت كان عالما مغلقا تستطيع
فيه أن تحكي لنفسك قصصا عن من تكون وأن الأمر ليس سيئا جدا. ظننت أن حبي لك يعني أن أجعل تلك القصص أسهل تصديقا.
حدق في الأرض أفتقدك. البيت يبدو خطأ من دونك. قدحك قرب آلة القهوة وكتابك على ذراع الأريكة. أتوقع أن تدخلي الغرفة.
قلت وأنا أفتقد أجزاء من حياتنا أيضا. الأجزاء الجيدة. لكن ذلك لا يعني أن الأجزاء السيئة كانت مقبولة.
ابتلع ريقه إن واصلت الذهاب إلى العلاج إن قمت بالعمل هل هناك أي احتمال
قلت بحزم غير قاس لا. ليس لنا. أريدك أن تتحسن لأنك بحاجة إلى ذلك لا لأنك تحاول استعادتي كجائزة. لا أريد أن أكون الشخص الذي يقرر إن كنت قد تغيرت بما يكفي. هذا ليس مكانا صحيا لأي منا.
هبطت كتفاه. طنين المصابيح في الموقف كان خافتا.
قال إذن هكذا ينتهي الأمر.
قلت هكذا ينتهي هذا الجزء. الجزء الذي كنت تؤذيني فيه ثم تقنعني بالبقاء. الجزء الذي كنت ألتوي فيه لأصير أصغر كي تشعر أنت أنك أكبر. في قصتي ما هو أكثر من أن أكون زوجتك. وأنا أخيرا سأعرف كيف يبدو ذلك.
رفع رأسه وعيناه تلمعان أنا آسف حقا. أعلم أن ذلك قد لا يعني شيئا الآن لكنني آسف.
قلت يعني شيئا. لكنه لا يغير ما علي فعله.
وقفنا لحظة أخرى والمسافة بيننا ممتلئة بكل تاريخ لن نعيد كتابته. ثم استدرت ومشيت نحو سيارة والدي.
وأنا أفتح الباب سمعته يناديني. التفت.
قال بصوت منخفض شكرا على الفطور. ذلك الصباح. جعل من الصعب علي أن أقنع نفسي أنك كنت مجرد عاطفية.
مرت صورة الطاولة في ذهني الفطائر القهوة أخي قبالته كمرآة لا يريد أن ينظر إليها.
قلت عفوا. اعتن بنفسك يا دانيال.
ركبت السيارة وذهبت إلى البيت.
بعد أشهر وبعد أن وقعت الأوراق وقيم البيت وتقاسمت الحسابات دخلت شقة صغيرة من غرفتين في الطابق الثاني من مبنى من الآجر غير بعيد عن بيت والدي. فيها شرفة صغيرة لا تتسع إلا لكرسي وبضع أصص. نافذة غرفة الجلوس تطل على الموقف وخلفه مساحة عشب فيها طاولة نزهة يطوف حولها الأطفال بدراجاتهم.
في الليلة الأولى هناك استلقيت
في سرير مستعار وكانت الغرفة لا تزال تحمل رائحة طلاء خفيفة واستمعت إلى الأصوات الجديدة تلفاز جار خلف الجدار همس المرور عواء قطار بعيد. لم يكن هناك شخير ثقيل بجانبي ولا انتظار متوتر لمعرفة أي مزاج سيدخل الباب.
كان هناك نفسي وحده ثابتا وبطيئا.
يوم الأحد جاء والداي بعد الكنيسة ليساعداني في تعليق الستائر وتركيب رف كتب رخيص اشتريته. ركب مايكل قفلا جديدا للباب للاحتياط مع أن القديم كان يعمل. ملأت أمي ثلاجتي ببقايا طعام في علب مكتوب عليها أسماء الأيام.
حين وقفوا عند الباب يودعونني لمست أمي خديوقد زال أي أثر للكدماتوابتسمت.
قالت تبدين كأنك عدت إلى نفسك.
قلت أنا أبدأ بتذكر من تكون.
بعد أن غادروا أعددت لنفسي كوب شاي وحملته إلى الشرفة وجلست. كان هواء ديسمبر يعض خدي لكن السماء صافية بلون أزرق شاحب فوق الموقف الهادئ. في الأسفل كان جار بمعطف مهترئ يسحب شجرة عيد الميلاد من صندوق سيارة صغيرة وطفلان يقفزان حوله يشيران ويتحدثان.
ضممت الكوب الدافئ بكفي واستنشقت البخار.
كان الصمت حولي مختلفا عن الصمت الذي عشت فيه سنوات. ذاك الصمت كان ثقيلا بالخوف ممتلئا بكلمات ابتلعتها ومشاعر دفنتها. أما هذا الصمت فكان خفيفا مفتوحا ينتظر. صمتا يستطيع المرء فيه أن يسمع أفكاره ولا يخاف منها.
فكرت في ذلك الصباح عند طاولة المطبخ وفي كيف تبدلت ملامح دانيال حين رأى أخي جالسا هناك. وفكرت في صوتي وأنا أقول بثبات سأغادر. طوال زمن طويل تخيلت تلك اللحظة عاصفة صاخبة. لكنها كانت سكونا. بابا يغلق برفق وحزم على فصل أخذ مني أكثر مما أعطى.
لم أكن أعلم بالضبط كيف ستبدو حياتي الآن. لدي شقة صغيرة وعمل ما زلت أحبه ووالدان يحبانني وأخ حضر حين طلبت أخيرا. في محفظتي بطاقة محامية وعلى ثلاجتي جدول مواعيد مجموعة الدعم.
ولدي أنا.
وضعت الكوب على الطاولة الصغيرة ورفعت بصري إلى السماء. كان الهواء باردا ونظيفا في رئتي.
همست أنا حرة.
هذه المرة لم تكن الكلمات أمنية يائسة ولا تحديا ألقيه
في وجه باب مغلق. كانت حقيقة هادئة تقال تحت سماء مفتوحة.

تم نسخ الرابط