الورقة التي كتبها قبل 20 سنة… كانت السبب في نجاته اليوم

لمحة نيوز

كانت إيليانا تنظف قصر ميغيل نهارا وتدرس خفية ليلا. وحين ضبطها في الممر ممسكة بشمعة مضاءة ظنت أن لحظة طردها قد حانت لكن ما حدث بعدها غير حياة الاثنين إلى الأبد.
دفع ميغيل باب البيت بكتفه ويداه مشغولتان بحقيبة جلدية أثقل من التعب المرسوم على وجهه.
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة ليلة أربعاء بدت وكأنها لا تنتهي. كان الاجتماع مع المستثمرين كارثة كاملة أرقام حمراء في كل مكان فواتير متراكمة وابتسامات مزيفة على وجوه أناس بدأوا يعدون الأيام لينطوا خارج السفينة الغارقة.
كانت المنزل غارقا في الصمت. الأضواء مطفأة المكيف يعمل على النظام التلقائي وكل شيء يسير كساعة سويسرية.
وضع الحقيبة على الطاولة الصغيرة عند المدخل وأرخى ربطة عنقه التي شعر وكأنها تخنقه منذ الخامسة مساء. كان يحتاج إلى حمام ساخن وجرعة ويسكي وربما عشر ساعات من النوم بلا تفكير في الإفلاس الوشيك. عندها لاحظ ضوءا خافتا قادما من الممر المؤدي إلى الجزء الخلفي من البيت.
لم تكن إضاءة الثريات الأوتوماتيكية المعتادة بل شيء مختلف متذبذب كأن أحدهم أشعل شمعة. قطب ميغيل حاجبيه. آخر ما ينقصه في تلك الليلة هو عطل كهربائي يضاف إلى قائمة كوارث اليوم.
سار ببطء في الممر الرخامي وصوت خطواته يتردد في فراغ البيت الكبير الذي كان أكبر بكثير على رجل يعيش وحيدا.
كان الضوء يأتي من منطقة الخدمة ذلك الجزء من القصر الذي نادرا ما يزوره. وحين استدار عند الزاوية ورأى المشهد توقف تماما.
امرأة شابة كانت جالسة على الأرض الباردة مسندة ظهرها إلى الحائط وفي حجرها دفتر مفتوح.
ضوء شمعة مرتجف كان موضوعا داخل علبة مشروب غازي استخدمت كشمعدان بدائي. كانت منغمسة في القراءة إلى درجة أنها لم تلحظ وجوده. كانت شفتاها تتحركان بصمت تكرران شيئا ما تحفظان سطورا. حولها دفاتر أخرى مكدسة أغلفتها بالية من كثرة الاستخدام.
كانت إيليانا العاملة التي تنظف البيت منذ عدة أشهر.
ظل ميغيل واقفا هناك لا يدري ما الذي ينبغي أن يفعله. هل يتكلم هل يتظاهر بأنه لم ير شيئا ويعود أدراجه
لكن قبل أن يقرر رفعت رأسها ورأته.
كان رد فعلها فوريا. سقط الدفتر من يدها على الأرض بصوت مكتوم وكادت الشمعة تنقلب. نهضت إيليانا دفعة واحدة ويداها ترتجفان وهي تحاول جمع الدفاتر المتناثرة.
كان وجهها محمرا من شدة الإحراج ممتزجا بالخوف.
قالت بصوت متهدج
سيد ميغيل أستطيع أن أشرح.
خرج صوتها مبحوحا مختنقا.
أنا أعلم أنه لا ينبغي لي أن أكون هنا في هذا الوقت لكني أقسم أنني أنهيت كل العمل قبل أن أجلس. البيت نظيف تماما. أنا فقط
قاطعها دون أن يقصد التفكير في السؤال
أأنت تدرسين خفية
توقفت إيليانا عن جمع الدفاتر ونظرت إلى ميغيل بعينين امتزج فيهما الخجل بالخوف وبذرة صغيرة من التحدي كأنها تنتظر التوبيخ والطرد لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تعتذر عن فعلها.
قالت بصوت منخفض يكاد لا يسمع
أجل أدرس.
قال بهدوء
ولم خفية
ابتلعت ريقها قبل أن تجيب
لأنه لو عرف أحد بذلك لظن أنني أضيع وقت العمل وأنني لا أقوم بواجبي كما يجب.
وأنا أحتاج هذا العمل يا سيد أحتاجه حقا.
اقترب ميغيل منها ببطء وانحنى ليلتقط أحد الدفاتر التي سقطت. فتحه على صفحة عشوائية.
كانت الخطوط مرتبة جميلة وحواشي الصفحات مليئة بملاحظات تشير إلى قدرة تحليل واستيعاب لافتة.
كانت تلك ملخصات في القانون الدستوري واقتباسات من فقهاء ومقارنات بين مواد الدستور وتحليلات لحالات عملية.
سألها
أأنت تريدين دراسة الحقوق
أجابت هذه المرة بصوت أكثر ثباتا
نعم دائما رغبت بذلك منذ كنت صغيرة.


قال
ولم لم تدخلي الجامعة بعد
ظل السؤال معلقا في الهواء لثوان. نظرت إيليانا إلى الأرض إلى الشمعة التي لا تزال تتأرجح إلى أي شيء سوى وجهه. ثم همست
المال.
لا أملك ما يكفي لدفع رسوم جامعة خاصة.
قال
والجامعة الحكومية
تنفست بعمق وقالت
المنافسة شديدة جدا. أحاول منذ سنوات لكنني دائما أتوقف قبل درجة واحدة من حد القبول لا أصل إليه.
عاد ميغيل ينظر إلى الدفتر. هذا لم يكن عمل شخص يتظاهر بأنه يدرس. كان جهدا حقيقيا دراسة جادة لمن يريد هذا الحلم بكل ما أوتي من قوة.
سأل
منذ متى وأنت تدرسين هكذا مختبئة في منتصف الليل على ضوء شمعة
قالت
منذ بضعة أشهر منذ بدأت العمل هنا.
قال متعجبا
ولماذا لا تشعلين الضوء العادي
ترددت قبل أن تجيب
لأن فاتورة الكهرباء باسمك يا سيد. لم أرد أن أزيد مصاريفك.
أنا أدفع لأجل التنظيف لا لأستهلك الكهرباء وأنا أدرس.
جاءت إجابتها كصفعة غير متوقعة.
هو نفسه كان ينفق في ليلة واحدة في مطعم أكثر مما تكلفه فاتورة الكهرباء الشهرية للبيت كاملا وها هي تخشى أن تضغط زر الإضاءة كي لا تثقل كاهله.
سألها
كم ساعة تعملين في اليوم
اثنتا عشرة ساعة من السابعة صباحا حتى السابعة مساء.
ثم أعود للبيت لأتأكد أن ابني بخير أعد له العشاء أنتظر أن ينام وأعود إلى هنا.
اتسعت عيناه دهشة
تعودين إلى هنا لتدرسي
أومأت برأسها
البيت هنا هادئ صامت.
أما بيتي فمليء بالضجيج الجيران يقيمون الحفلات حتى وقت متأخر كلاب تنبح أطفال يبكون ودراجات نارية لا تهدأ في الشارع.
هنا أستطيع التركيز.
قال بنبرة حادة دون قصد
أوتتركين ابنك وحده
رأى الألم يمر على وجهها كطعنة.
ليس وحده تماما. كانت الجارة تعتني به حتى العاشرة تقريبا.
ثم أعود بسرعة أبقى معه إلى أن ينام وأعود إلى هنا حين أتيقن أنه في نوم عميق.
كم عمره
ست سنوات.
اسمه رافائيل.
شعر ميغيل بانقباض في صدره. طفل في السادسة يستيقظ في منتصف الليل فلا يجد أمه كل هذا لأنها تجلس على أرضية قصر بارد لتدرس على ضوء شمعة تحاول تغيير حياتها.
في تلك اللحظة رن هاتف إيليانا. أسرعت بالرد وقد تغير صوتها فجأة صار أكثر حدة وقلقا.
مرحبا يا حبيبي ماما جاية حسنا انتظرني قليلا بس.
ساد صمت قصير وكان ميغيل يسمع صوتا طفوليا باكيا من الطرف الآخر.
أعرف أنك خائف من الظلام يا ابني لكن ماما لازم تخلص شغلة صغيرة هنا.
نصف ساعة فقط أعدك.
أنهت المكالمة وعيناها تلمعان بالدموع تحاول إخفاءها وهي تمسح وجهها بسرعة بظاهر يدها.
قالت بصوت مبحوح
هو يستيقظ كل ليلة وهو خائف.
الجارة التي كانت تعتني به انتقلت منذ أسبوع. الآن يبقى وحده بعد العاشرة فعلا.
أترك كل الأضواء مشتعلة وأترك التلفاز على الرسوم التي يحبها ومع ذلك يستيقظ باكيا.
تنهدت ثم أكملت
ومع هذا أستمر في المجيء إلى هنا لأدرس
لأنه إن لم أنجح في الامتحان فسأبقى عاملة نظافة طوال حياتي.
ولا عيب في أن أكون عاملة نظافة أعلم ذلك لكني أريد أكثر من هذا من أجل رافائيل.
أريد له حياة أفضل أريده أن يشعر بالفخر بأمه.
انكسرت نبرة صوتها في آخر جملة.
ظل ميغيل واقفا يحاول استيعاب كل ما سمعه.
شركات تنهار ديون تتراكم مستثمرون يهربون.
وفي المقابل امرأة لا يخيفها السهر ولا قلة النوم تقاتل من أجل أن تغير حياة ابنها بالدراسة.
قالت بصوت مرتجف
سيد ميغيل
هل سأطرد من العمل
نظر إليها ورأى في عينيها أملا وخوفا في الوقت نفسه. رأى أما تقاتل وحدها وشخصا لا يطلب صدقة مجانية بل يطلب فرصة أن تدرس بسلام.
قال أخيرا
لا لن تطردي.
أطلقت زفرة طويلة كانت تحبسها.
شكرا لك يا سيد أعدك أن
قاطعها
لكن
هناك شرطا واحدا.
عاد التوتر إلى ملامحها.
ما الشرط
ناولها الدفتر الذي كان في يده قائلا
ألا تدرسي على ضوء شمعة بعد اليوم.
ابتداء من الغد ستستخدمين مكتبة البيت.
نور حقيقي وطاولة حقيقية وكرسي مريح. وإن احتجت إلى كتاب تخبريني.
حدقت فيه كأنها لا تصدق ما تسمع.
سيد لا أستطيع قبول هذا.
أنت تدفع لي لأعمل هنا لا حاجة لهذا
قال بحزم
قبولك ليس معروفا بل استثمار.
إن نجحت في الامتحان سأستطيع القول إنني وظفت محامية مستقبلية.
ولهذا قيمة.
للمرة الأولى منذ بداية الحديث ارتسمت على وجهها ابتسامة صغيرة خجولة لكنها حقيقية.
شكرا لك يا سيد ميغيل
لا تتصور كم يعني لي هذا.
ابتسم هو الآخر وقال
أتخيل أنه يعني أن تدرسي دون أن تحرقي أصابعك بشمع الشمعة.
ضحكت ضحكة قصيرة متوترة لكنها أعادت الحياة إلى وجهها المتعب.
قال
الآن اذهبي إلى البيت ابنك ينتظرك.
جمعت دفاترها بسرعة أطفأت الشمعة وغادرت كأنها تركض.
بقي ميغيل وحده ينظر إلى الزاوية التي قضت فيها تلك المرأة ليالي طويلة تدرس في الخفاء.
كان في ما حدث شيء يحرك داخله شيئا لا يعرف وصفه. ربما لأنه رأى فيها ذلك الإصرار الذي كان يملكه يوما ما ثم فقده أو ربما لأنه لأول مرة منذ أشهر شعر بأنه فعل شيئا مهما حقا.
عاد إلى غرفته وهو يفكر في تلك المحادثة. نام متأخرا لكنه نام أفضل مما نام منذ أسابيع.
جاء الصباح التالي مع شمس قوية تتسلل من النوافذ وتنتزع آخر فرصة للنوم.
نزل ميغيل إلى المطبخ متوقعا أن يجد القهوة جاهزة كالعادة لكن كان هناك شيء مختلف في الجو توتر لم يستطع تفسيره.
كانت إيليانا هناك تعد القهوة كعادتها لكن حركتها تغيرت. كانت يدها تسرع أكثر من اللازم كأنها في عجلة من أمرها وكأنها تريد إنهاء كل شيء لتختفي فورا.
وحين رأته يدخل أطرقت رأسها تحية سريعة واستمرت في تحريك القهوة بشدة زائدة.
قال مبتسما
صباح الخير يا إيليانا.
ردت بصوت رسمي بارد
صباح الخير سيد ميغيل.
جلس عند الطاولة يتأملها. هناك خطب ما.
المرأة التي تحدثت معه الليلة الماضية عن أحلامها ودراستها تبدو الآن كتمثال من جليد تتجنب أي اتصال بصري معه.
سأل
هل حدث شيء ما
لا يا سيد كل شيء بخير.
لكن كل شيء كان عكس ذلك. رأى انتفاخا حول عينيها احمرارا واضحا علامات من لم ينم أو من بكى ليلا أو من فعل الأمرين معا.
قال بهدوء
إيليانا انظري إلي.
ترددت لكنها امتثلت.
في تلك اللحظة رأى بوضوح أن الأمر ليس تعبا فقط كان يأسا صريحا على وجهها.
سأل
ما الذي حدث
لا شيء يا سيد فقط لم أنم جيدا.
صمتت لحظة ثم أضافت
بسبب رافائيل.
مجرد ذكر اسم ابنها جعل الدموع تلمع في عينيها فورا. استدارت محاولة إخفاءها لكن الأوان كان قد فات فقد رآها.
قال بحزم لطيف
إيليانا اجلسي هنا الآن.
لم يكن طلبا بل أمرا. وضعت الفنجان على الطاولة وجلست أمامه ويداها ترتجفان قليلا.
ظلت تحدق في الطاولة تحاول أن تمنع البكاء بالقوة.
قال بهدوء
احكي لي ما حدث.
ساد صمت ثقيل لثوان. تنفست إيليانا مرارا ثم قالت أخيرا
رافائيل لم ينم طوال الليل. ظل يبكي عند باب غرفته ينتظرني.
حين وصلت إلى البيت كانت الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل.
وجدته متكوما في الممر يعانق وسادته وكل ألعابه مبعثرة حوله.
ارتجف صوتها وهي تكمل
قال إنه سمع صوتا عند النافذة وإنه خاف أن يدخل أحد ما.
ناداني ولم أكن هناك. قال إنني لا أكون موجودة أبدا.
طفل في السادسة يقول لأمه هذا الكلام
انزلقت دمعة على خدها. مسحتها بسرعة لكن غيرها تبعها مباشرة.
هو في السادسة يا سيد ميغيل السادسة فقط.
وقد اعتاد أن ينام وحده لأن
أمه غائبة دائما تحاول أن تبني له مستقبلا أفضل.
لكن أي مستقبل هذا إن كان الحاضر مليئا بالخوف والوحدة
قال محاولا مواساتها
هو لا يظن أنك لا تحبينه.
هزت رأسها بالنفي
بل يظن ذلك.
هذا الصباح سألني إن كنت لم أعد أحبه
سألني إن كان قد فعل شيئا خاطئا لأبتعد عنه هكذا.
انهارت إيليانا. خرج البكاء الذي كانت تحبسه منذ الصباح دفعة واحدة. غطت وجهها بكفيها وكتفاها تهتزان محاولة كتم شهقاتها دون جدوى.
ظل ميغيل في مكانه لا يعرف كيف يتصرف. لم يكن بارعا في المواساة.
لكنه شعر بأن بكاء أم تقتلها عقدة الذنب قد اخترق شيئا عميقا فيه.
انتظر حتى هدأت قليلا ثم قال
إيليانا أنت تفعلين هذا من أجله أنت تعرفين ذلك.
همست
لكن هل يستحق الأمر حقا
هل يستحق أن يكبر خائفا وحيدا لمجرد أن يكون عندي شهادة معلقة على الحائط
قالت ثم تابعت
ليست المسألة مجرد شهادة إنها حياة أفضل فرص أفضل مستقبل أفضل
لكن في المقابل هو يتألم الآن.
ساد صمت قصير بينهما ثقيلا كالاعتراف.
قال فجأة
ولم تربينه وحدك
خرج السؤال أكثر مباشرة مما أراد لكنه قيل وانتهى الأمر.
مسحت دموعها بظهر يدها وقالت
والده رحل عندما علم أنني حامل.
قال إنه غير مستعد للأبوة وأن لديه خططا أخرى للحياة. ترك رسالة يعد فيها بأنه سيرسل مالا حين يستطيع ولم يرسل شيئا أبدا. اختفى تماما.
ألم تحاولي اللجوء للقضاء
حاولت. لكنه اختفى من كل مكان غير المدينة غير عمله لا أثر له.
قال لي المحامي إن الأمر قد يستغرق سنوات للعثور عليه وحتى لو وجدناه فليس هناك ضمانة أن نحصل على شيء. فتركت الأمر.
هز ميغيل رأسه. كان يعرف هذا النوع من القصص جيدا رجال يهربون من مسؤولياتهم يتركون نساء يقاتلن حياتهن وحدهن ضد كل شيء.
سألها
وعائلتك ألا يساعدونك
ضحكت ضحكة مرة
عائلتي تبرأت مني حين حملت.
قالوا إنني جلبت العار للجميع وإنني دمرت حياتي وإنهم لا يريدون رؤيتي.
حاولت العودة أكثر من مرة لكن الباب ظل مغلقا دائما.
قال بحزن
إذا أنت تماما وحدك.
تماما أنا ورافائيل ضد العالم.
عاد الصمت يخيم.
نظر ميغيل إلى تلك المرأة الجالسة أمامه فرأى أكثر من عاملة نظافة تدرس خفية. رأى مقاتلة تخوض معركة ضد نظام كامل مصمم كي لا ترتقي.
سأل فجأة
كم تتقاضين في الشهر
فوجئت بالسؤال.
سيد أجري هنا
أجر وشوية لقد كنت كريما جدا معي.
قال
وهل يبقى شيء في نهاية الشهر
خفضت رأسها
لا يا سيد.
الإيجار يأخذ تقريبا النصف ثم الطعام والمواصلات ولوازم مدرسة رافائيل والدواء إذا مرض
في النهاية لا يبقى شيء بل ينقص دائما.
والدروس التحضيرية للامتحان كيف تدفعينها
لا أدفع. أدرس وحدي. أشتري ملخصات مستعملة وأنزل دروسا مجانية من الإنترنت وأستعير كتبا من المكتبة العامة أفعل ما أستطيع.
جلس ميغيل يفكر. هذه المرأة تعمل اثنتي عشرة ساعة في اليوم ثم تعود لتعتني بابنها ثم تأتي لتدرس على ضوء شمعة وتنام أقل من أربع ساعات ومع ذلك لا توفر شيئا لأن كل ما تكسبه يذهب إلى أساسيات الحياة.
قال بهدوء
إيليانا هل أستطيع أن أطرح عليك سؤالا شخصيا
بالطبع يا سيد.
لماذا لم تستسلمي حتى الآن
بقي السؤال معلقا. نظرت إليه بمزيج من الدهشة والحزن.
لأنني إن استسلمت
فماذا سأعلم رافائيل
أننا حين تصير الحياة صعبة نرفع الراية البيضاء
أن الأحلام حكر على من يملكون المال وأن الفقراء عليهم أن يرضوا بما قسم لهم
نهضت ومشت نحو النافذة تتكلم وظهرها إليه
ابني يراني أخرج كل يوم للعمل ويراني أعود مرهقة ويراني أدرس في منتصف الليل عندما يستيقظ ليشرب الماء.
وتعلم ماذا قال لي الأسبوع الماضي
انتظر في صمت.
قال
لي ماما عندما أكبر سأدرس مثلك.
سأعمل كثيرا كي لا تضطري للعمل بعد اليوم.
سأعتني بك كما تعتنين بي.
تكسر صوتها في آخر جملة. استدارت نحوه وعيناها مغرورقتان بالدموع.
طفل في السادسة يفكر في أن يعتني بأمه.
أتدري ماذا يعني ذلك
هذا يعني أنه يرى يفهم
تم نسخ الرابط