استيقظ من غيبوبته بعد 3 سنوات… فقط ليهمس باسم الممرّضة التي لم يرَ وجهها يومًا

لمحة نيوز

مجرد مرحلة امتدادا طبيعيا للغيبوبة شيئا يطوى مع الملف الطبي
في ليلة هادئة بعد أن غادر الجميع بقي هو مستيقظا أكثر من اللازم. كانت الأجهزة تصدر أصواتا مطمئنة والغرفة غارقة في ضوء خافت. جلست على الكرسي المعتاد عند قدمي السرير تمسك بملف وتراجع الملاحظات لكن عينيها لم تلتقيا بالسطور كثيرا.
كسر هو الصمت بسؤال مفاجئ
ماذا ستفعلين عندما أخرج من هنا
رفعت رأسها تفاجأها المباشرة في سؤاله.
قالت بتحفظ
سأواصل عملي. لدي مرضى آخرون وحالات أخرى.
هذا ليس ما سألت عنه.
قالها بهدوء بنبرة رجل اعتاد أن يصل إلى قلب الموضوع دون مواربة.
ترددت ثم قالت
إن كنت تقصد إن كنت سأزورك خارج المستشفى فهذا يعتمد على ما تريده أنت وعلى نوع الحياة التي ستعود إليها.
تأملها طويلا تلك النظرة التي لم تعد نظرة مريض إلى ممرضة بل نظرة رجل يرى امرأة لم يعد قادرا على إنكار حضورها في قصته.
قال أخيرا
الحياة التي سأعود إليها لن تكون هي نفسها التي تركتها. هناك أشياء لم تعد تعنيني كما كانت. أناس اعتقدت أنهم ثابتون واختفوا وأناس ظننت أنهم عابرون وبقوا.
ثم أضاف وكأنه يلقي بحجر في بحيرة راكدة
أنت من الباقين يا إميلي.
انخفضت عيناها إلى يديها في محاولة للهرب من ثقل الجملة لكنها لم تستطع أن تمنع الدفء الخفيف الذي انتشر في صدرها.
قالت بهمس
قد لا يعجب مجلس الإدارة هذا النوع من الاختيارات.

ضحك بخفة وكانت تلك أول ضحكة قريبة تسمعها منه منذ استيقاظه. لم تكن ضحكة الرجل المتعجرف الذي تقرأ الصحف عن صفقاته بل ضحكة رجل اكتشف أن هناك أشياء لا تقاس بالأسهم والأرقام.
قال
لم أخرج من غيبوبة ثلاث سنوات لأعود وأعيش وفق مقاييس مجلس إدارة.
في اليوم الذي وقعت فيه أوراق خروجه من المستشفى امتلأت الغرفة بالوجوه طبيب يهنئ ممرضة تبتسم موظف إداري يتأكد من التواقيع مرافقة تنظف المكان استعدادا للمريض الجديد الذي سيشغل السرير نفسه غدا. الحياة في المستشفى لا تتوقف عند حكاية شخص واحد مهما بدت قصته عظيمة.
لكن إميلي شعرت أن الزمن يبطؤ عند حافة السرير عندما حاول دانيال أن يقف مستعينا بعكازه الجديد للمرة الأولى خارج إطار العلاج.
وقف.
تهتز ركبتاه قليلا لكنه يقف.
رفعت عينيها نحوه فوجدته ينظر إليها هو الآخر وكأنه يسأل سؤالا صامتا عن الخطوة التالية.
قال الطبيب مبتسما
بعض الراحة في المنزل وجلسات علاج منتظمة وستستعيد عافيتك بالكامل.
أومأ دانيال ثم التفت إلى إميلي
وهل يمكن أن تنقلي جلسات العلاج إلى منزلي
كان السؤال يبدو من الناحية العملية مجرد ترتيب طبي لكنه حمل ما هو أعمق بكثير في طبقته الخفية. كان يعني ببساطة
هل ستواصلين السير معي خارج هذه الجدران
شعرت للحظة أن قلبها يريد أن يجيب قبل عقلها لكنها استجمعت هدوءها المهني وقالت
سأناقش الأمر مع الإدارة
لكن إن كان الأمر ممكنا فسأكون هناك.
لم يلح. اكتفى بأن يبتسم ابتسامة عميقة كأنه كان ينتظر هذه الفرصة لا فقط ليبقى قريبا منها بل ليقول لها بطريقة ملتوية
أنا لا أراك جزءا من المرض بل جزءا من الشفاء.
في المساء حين خرجت من بوابة المستشفى بعد انتهاء مناوبتها كانت السماء قد بدأت تميل إلى زرقة غامقة تشي ببداية الليل. توقفت على الرصيف للحظات تتأمل سيارات الأجرة الضوء البرتقالي للمصابيح خطوات الناس التي لا تعرف قصتها ولا تعرف قصتهم.
حملت حقيبتها على كتفها وأغمضت عينيها قليلا.
في مكان ما في المدينة كان دانيال يجلس في منزله لأول مرة منذ الحادث محاطا بأشياء تبدو له مألوفة وغريبة في آن واحد. غرفة معيشة لم يتذكر ترتيبها مكتب يلمع فيه سطح طاولة لم يلمسها منذ ثلاث سنوات صور على الجدران لوجهه في مؤتمرات وحفلات لم يعد يشعر أنه الشخص نفسه فيها.
وفي مكان آخر من المدينة كانت إميلي تتخذ قرارا صغيرا بسيطا لكنه سيغير ما تبقى من حكايتها
لن تهرب من هذا الذي بدأ.
لن تختبئ خلف المهنة كدرع أبدي.
في اليوم التالي دخلت إلى مكتب المشرفة وضعت طلبا رسميا للانتقال إلى خدمة التمريض المنزلي لحالة واحدة محددة ووقعت على الاستمارة بثبات.
سألتها المشرفة
متأكدة يا إميلي هذا تغيير كبير في جدولك وحياتك.
أجابت بهدوء
ثلاث سنوات من حياتي شاركته فيها وهو غائب أظن أنه من العدل
أن أرى ماذا يعني أن يكون حاضرا.
في تلك الليلة كان دانيال يجلس قرب نافذة منزله المطلة على المدينة يمسك بفنجان شاي لم ينهه حين رن الهاتف ليخبره مسئول التنسيق الطبي أن ممرضته الخاصة وافقت على الانتقال للإشراف على علاجه المنزلي.
لم يسأل عن الأجور ولا عن تفاصيل العقد.
اكتفى بأن يغلق المكالمة ويستند إلى الكرسي وينظر إلى المدينة التي بدأت تضيء شيئا فشيئا.
كان يدرك أن ما يجمعهما ليس قصة رومانسية جاهزة بل رحلة تعلم هو يتعلم كيف يكون إنسانا بعد أن كان آلة عمل لا تهدأ وهي تتعلم كيف تسمح لقلبها أن يكون حاضرا دون أن يذوب.
وفي مكان ما بين غرفتهما بين أجهزة المستشفى التي تركوها وراءهم وبين الطرقات التي سيعبرونها لاحقا إلى جلسات العلاج كان شيء ثالث يولد لا هو علاقة رسمية ولا هو وهم عابر بل مساحة مشتركة فيها جملة واحدة صادقة
لن أتركك ولن أترك نفسي أيضا.
وفي ليلة هادئة أخرى بينما كان يستعد لأول جلسة علاج في المنزل وقفت إميلي أمام باب بيته تحمل حقيبتها الطبية وتسمع دقات قلبها قبل أن تسمع دقة الجرس.
ابتسمت بسخرية خفيفة من نفسها
من كانت تحرس غيبوبته جاءت الآن لترافق صحوته.
وعندما انفتح الباب أخيرا وكانت نظراتهما الأولى خارج جدران المستشفىهو يستند إلى عكازه وهي تستند إلى شجاعتها الجديدةأدرك كلاهما أن تلك القصة التي بدأت  لم يكن يفترض أن تلاحظ
وبهمسة لا تتركيني مجددا
لن تنتهي هنا.
بل بدأت للتو.

تم نسخ الرابط