استيقظ من غيبوبته بعد 3 سنوات… فقط ليهمس باسم الممرّضة التي لم يرَ وجهها يومًا

لمحة نيوز

التشبث بآخر ذرات المهنية التي تتداعى أمام عينيه
بالطبع بقيت كنت مسؤوليتي.
حاولت أن تبتسم ابتسامة صغيرة مطمئنة لكنها شعرت أنها تنهار من الداخل. مهما حاولت لم تستطع إخفاء الارتباك في عينيها.
إلا أن دانيال حرك رأسه نفياحركة صغيرة لكنها حملت من الرفض ما يكفي لإسكات كل أعذارها. كان ضعيفا لدرجة أن أي محاولة لتحريك رقبته كانت قد تنهكه ومع ذلك أصر على النفي على تصحيح الحقيقة.
همس كأن اعترافا شاقا يرتفع من صدره
لا بقيت قبل أن تكوني ممرضة.
ارتعشت أنفاسها.
تابع بنبرة متقطعة لكنها واضحة بما يكفي لتمزيق ما تبقى من دفاعاتها
أتذكر صوتك. قصصك ضحكتك
أغمض عينيه للحظة كأن مجرد استرجاع الذكريات أنهكه أو كأن كل كلمة يسحبها من ظلام طويل أثقل من النوم ذاته. ثم فتحهما ببطء لا بحثا عن شكل أو ضوء بل عنها هي.
وعندما استقرت نظراته عليها على وجهها على عينيها على ارتجاف شفتيها بدا وكأنه يجد أخيرا ما كان يبحث عنه منذ اللحظة الأولى التي استعاد فيها وعيه
اليقين.
ثم قال الجملة التي حركت كل شيء في داخلها الجملة التي لم يكن يفترض أن يسمعها يوما ولم تكن تتوقع أن يعقبها اعتراف
وفي تلك الليلة سمعتك تبكين.
شهقت بصوت خافت يكاد لا يسمع لكنه كسر الصمت كقنبلة صغيرة.
كانت تلك الليلة بعينها الليلة التي جلست فيها قربه وهي تعتقد أن أحدا لا يسمعها لا يفهمها لا يراها. بكت قربه لأنها شعرت بالعجز بالوحدة بالثقل. كانت تظن أنه لن يتذكر. أنه لن يسمع. أنها آمنة في ألمها.
لكنه سمع.
لم يسمع همسا أو نداء أو جملة عابرة فقط.
سمع بكاءها.
سمع ضعفها.
سمع قلبها.
كل ما ظنت أنه ضاع في الغرفة المعتمة دخل إلى ذاكرته الساكنة وتمسك به.
امتدت يدهمرتجفة ضعيفة
كأن مجرد رفعها يتطلب قوة هائلةتبحث عن يدها مرة أخرى. توقفت لحظة مذهولة مترددة. شعرت بالارتباك يتسلل إلى أطرافها لكن شيئا أعمق منها تحرك بلا تفكير. شيء لم تستطع السيطرة عليه.
وضعت يدها بين يديه في النهاية.
التقت أصابعها بأصابعه وبدت الحركة بسيطة لكنها كانت بالنسبة له إعلانا كاملا بأن الماضي لم يكن حلما وأن وجودها هنا لم يكن محض واجب وظيفي كما دافعت عنه قبل لحظات.
ابتسم.
ابتسامة واهنة لكنها حملت قوة رجل يعود من حافة الغياب. ابتسامة رجل يعرف شيئا لا تعرفه هي بعد. ابتسامة تشبه اعترافا طويلا لم ينطق به أحد.
واكتفى بأن يهمس بصوت لا يكاد يسمع لكنه ارتطم بقلبها مباشرة
لا تتركيني مجددا.
ذابت الجملة بين ضلوعها.
انكسر شيء وانبنى شيء آخر.
اغرورقت عيناها بالدموع لا ضعفا بل امتلاء.
قالت بصوت خافت يكاد أن ينساب من بين شفتيها كاعتراف لم تعد قادرة على إنكاره
لن أتركك أبدا.
ومع سقوط تلك الكلمات سقط آخر جدار كانت تحاول أن تبقيه بينهما. داخل الغرفة المعقمة بين الأسلاك والمراقبة الطبية وبين أصوات الأجهزة التي استقرت أخيرا أدركت إميلي أن الخط الفاصل بين الممرضة والمريض لم يعد خطا بل أصبح طريقا واحدا.
طريقا بدأ منذ زمن أطول بكثير مما ظنت.
طريقا سار فيه قلباهما قبل أن تستيقظ عيونهما على الحقيقة.
ومع استيقاظه كان قد اختار أن يسير فيه معها.
لم تنته الحكاية عند تلك الغرفة البيضاء بل يمكن القول إن كل ما سبقها لم يكن سوى تمهيد طويل للحظة واحدة لحظة أن يختار إنسانان أن يلتقيا وهما مستيقظان بالكامل لا جسدا فقط بل روحا أيضا.
على مدى الأيام التالية أخذت حياة دانيال تتحول من خطوط على شاشة المراقبة إلى تفاصيل صغيرة تعود إليه
ببطء حركة خفيفة في أصابعه محاولة فاشلة لرفع رأسه ارتجافة عضلة في كتفه تنهيدة طويلة يطلقها حين يطلب منه أن يحاول مجددا. كان طريق العودة متعبا ليس فيه مشهد واحد يشبه المعجزات السينمائية السريعة بل مئات اللحظات الصغيرة التي تشبه سقوط قطرة ماء فوق صخر لا ترى آثارها فورا لكنها تغير كل شيء مع الوقت.
كان الأطباء يتحدثون عن إعادة التأهيل تنشيط الذاكرة تقوية العضلات بينما كانت إميلي ترى الأمر بصورة مختلفة
كانت ترى رجلا يتعلم كيف يسكن جسده من جديد.
في كل جلسة علاج طبيعي كان هناك صراع صامت بين جسده الذي نسي المشي وروحه التي ترفض الاستسلام. وفي كل مرة يرفع فيها عينيه بحثا عنها وسط وجوه الأطباء والممرضين كانت تشعر أن وجودها صار بشكل ما جزءا من خطة العلاج حتى إن لم يكتب ذلك في أي ورقة رسمية.
في الأيام الأولى كان التعب يسقط فوق ملامحه سريعا يتنفس بصعوبة بعد تمرين بسيط لثني الركبتين يواجه الدوخة عند الجلوس لفترة يشعر أن جسده ثقل لا يتعاون معه. وفي كل مرة يتضايق أو يتجهم كان جزء من شخصيته القديمة يطل من وراء الستارذلك المدير التنفيذي الحاد الذي اعتاد أن يأمر فيطاع.
لكن الغيبوبة على ما يبدو كانت قد سلبت منه شيئا وأعطته شيئا آخر.
سلبت منه غرور السيطرة وأعطته تواضع الإنسان الذي عرف أن الحياة يمكن أن تنتزع منه في لحظة.
في إحدى المرات بعدما انتهت جلسة العلاج حاول أن ينهض من الكرسي المتحرك دون مساعدة فسقط التوازن من جسده قبل أن يسقط هو فاندفعت إميلي تلقائيا إلى جانبه تمسك بذراعه وتثبت كتفه.
قال وهو يحاول أن يضحك على هشاشته
رئيس تنفيذي لا يستطيع الوقوف دون مساعدة يا لها من سخرية.
أجابته وهي ترفع حاجبا بخفة
رئيس تنفيذي
نعم. لكنه أيضا إنسان خرج للتو من ثلاث سنوات غياب. أعتقد أن الموازين لا تزال في صالحك.
تأملها للحظة كأن الجملة البسيطة تخفي وراءها شيئا أكبر.
قال بهدوء
أنت دائما تعرفين ماذا تقولين.
تنهدت لست متأكدة من ذلك لكنني أحاول.
ثم أضافت بصوت أقرب للهمس
وأنا هنا ليس لأنك رئيس تنفيذي. بل لأنك عدت.
لم يعلق.
لكن ابتسامة صغيرة عابرة ظهرت على شفتيه كأن تلك الكلمات كانت أكثر علاجا من كل الأدوية التي تناولها.
مع مرور الوقت صار الأطباء يتعاملون مع استيقاظه كحالة طبية نادرة مثيرة للإعجاب بينما بدأت عائلته وموظفوه في إرسال الزهور والرسائل والزيارات الرسمية التي تحمل الكثير من المجاملة والقليل من الفهم. كانوا يتحدثون عن عودة الإمبراطورية عن مجالس الإدارة عن الصفقات المتوقفة.
أما دانيال فكان يجلس بعد رحيلهم صامتا يحدق في باقة الزهور على الطاولة ثم يلتفت إلى إميلي ويسأل بنبرة خافتة
ثلاث سنوات ماذا يفعل الناس بحياتهم في ثلاث سنوات
كانت تدرك أن السؤال أعمق من شكله البسيط وأنه لا يبحث عن إجابة حرفية.
قالت بعد تفكير
بعضهم يغير عمله. بعضهم يقع في الحب. بعضهم يشفى من شيء. وبعضهم يضيع أكثر.
صمت لحظات ثم نظر إليها مباشرة
وأنت ماذا فعلت أنت في ثلاث سنواتي الضائعة
ابتسمت ابتسامة مائلة امتزج فيها التعب بالصدق
جلست هنا أراقبك تقاتل.
لم يقل شيئا لدقائق.
اكتفى بأن يمد يده ببطء كما لو أن كل ما يمكن أن يقال صار معروفا بينهما دون حاجة إلى الحروف.
مع اقتراب موعد خروجه من المستشفى تغير شكل الخوف في قلب إميلي.
في البداية كانت تخشى ألا يستيقظ أبدا.
ثم خافت ألا يتذكر شيئا.
وحين تبين أنه يتذكر أكثر مما ظنت بدأت تخشى شيئا آخر تماما
ماذا
لو استعاد حياته القديمة بالكامل وأدرك أن الممرضة التي بقيت إلى جواره كانت
تم نسخ الرابط