حين قالت له: أنا راحلة… لم يدرك أن المرأة التي كسرها بالأمس ستقف اليوم أقوى من خوفها
السريع أغمضت عينيها وسمحت لقلبها أن يتكلم أخيرا بلا تردد بلا خوف بلا اعتذار
أنا حرة ولأول مرة أصدق ذلك حقا.
لكن ما إن انساب الهمس من شفتيها حتى شعرت بأن الكلمات لم تكن نهاية بل بداية تفتح على امتداد الطريق أمامها. أغمضت عينيها فاشتد إدراك غريب في صدرها إدراك أن الحرية ليست لحظة واحدة بل سلسلة طويلة من اللحظات الصغيرة التي ستجمعها
من جديد مثل قطع زجاج مكسور تعود لتشكل نافذة تطل منها على حياتها القادمة.
لم تفتح عينيها مباشرة. أرادت لتلك اللحظة أن تستقر فيها أن تتغلغل في أعماقها كضوء خفيف يتسرب عبر شقوق قلب أرهقه الخوف طويلا. كانت تسمع صوت المحرك ونسيما يمر عبر النافذة وصوت مايكل يغير محطة الراديو لكن كل ذلك بدا بعيدا كأن الإحساس الحقيقي الوحيد في العالم هو تلك الجملة التي نطقتها للتو.
الطريق السريع بدأ يتلون بلون الذهب مع ضوء الصباح لون لم تنتبه إليه منذ سنوات.
كانت الطرق كلها في السنوات الماضية طرقا للخوف طريق العودة من عمله طريق الاعتذار المفروض طريق الكلام المحسوب.
أما الآن فالطريق للمرة الأولى كان ملكا لها.
فتحت عينيها ببطء ورأت العالم بعين مختلفة الأشجار على جانبي الطريق بدت أقل تهديدا السماء أكثر اتساعا والمدينة التي تبتعد عنها بدت أصغر مما اعتقدت دائما أصغر من وجعها أصغر من قدرتها على النجاة.
قال مايكل وهو يرمي نظرة سريعة عليها
تنفسي إميلي. لا يوجد أحد هنا ليدفعك إلى الخوف بعد الآن.
ابتسمت بلا إرادة ثم نظرت إلى يديها . كانت ترتجف قليلا لكن رجفة الحياة لا رجفة الخوف.
رفعت يدها وأسندتها على زجاج النافذة البارد وكأنها تلمس العالم الخارجي لأول مرة منذ سنوات. شعرت
لم تستطع منع نفسها من التفكير في المستقبل لكنها لم تفزع كما كانت تفعل.
لأول مرة بدا المستقبل مساحة بيضاء لا تهددها مساحة يمكنها أن ترسم فيها ما تشاء.
تخيلت نفسها تجلس في غرفة جديدة مع نافذة تطل على ضوء مختلف. تخيلت كوب قهوة تشربه دون توتر ضحكة تخرج منها دون خوف أن يسمعها أحد كتابا تفتحه دون أن يعلق أحد على إضاعة وقتها.
تخيلت حياتها وهي ملك لها.
كانت السيارة تنعطف نحو المنعطف الأخير حين أحست إميلي بشيء ينفك في صدرها
شعور يشبه بكاء لم يبدأ بعد لكنه جاهز لأن ينهمر حين تجد المكان الذي يسمح به.
همست بصوت شبه مسموع
يا إلهي لم أظن يوما أن النجاة يمكن أن تكون هادئة هكذا.
ابتسم مايكل وقال دون أن ينظر إليها
أغلب النجاة هادئة
أغلقت عينيها من جديد
وهذه المرة لم تغلقهما هربا من شيء بل احتواء لشيء أكبر.
وعرفتبيسر كاملأن الطريق لن يكون سهلا دائما.
ستأتي لحظات تضطرب فيها الروح يشتد فيها الحنين لنسخة من الحياة كانت مألوفة وإن كانت مؤذية وقد تتردد وقد تبكي
لكنها لن تعود.
لن تعود.
وفي تلك اللحظة حين كان الطريق يمتد أمامها بلا نهاية شعرت أن كل ميل يمر ليس ابتعادا فقط
بل اقترابا من نفسها.
من حقيقتها.
من المرأة التي كانت تستحق الحياة منذ البداية ولم يسمح لها أحد بأن تلتقي بها.
فتحت عينيها نظرت إلى الأفق وابتسمت ابتسامة كاملة هذه المرة.
ابتسامة امرأة خرجت من العاصفة وفي قلبها بذرة ربيع قادم.
وقالت بصوت سمعه مايكل بوضوح هذه المرة
لن أعود ولن أخاف الطريق بعد اليوم.
ومع امتداد الطريق
اتسع قلبها بالقدر نفسه.