حين قالت له: أنا راحلة… لم يدرك أن المرأة التي كسرها بالأمس ستقف اليوم أقوى من خوفها
بعد أن ضربني زوجي تلك الليلة ذهبت إلى الفراش دون أن أنطق بكلمة. لم أجادل لم أصرخ حتى الدموع لم تسمح لنفسها بالسقوط إلا حين أظلمت الغرفة وهدأ كل شيء. دخلت غرفة النوم بصمت وأغلقت الباب بهدوء وتمددت فوق الفراش كأنني أسرج روحي للهروب من الألم إلى حين.
وعندما بزغ الصباح كنت قد اتخذت قرارا.
ليس قرارا بالانتقام ولا بالمغفرة بل قرارا بالرؤية الواضحة.
استيقظت قبل طلوع الشمس ربطت شعري إلى الخلف وبدأت أتحرك في المطبخ بهدوء محسوب. مزجت خليط الفطائر سخنت الزبدة قليت شرائح اللحم وضعت مربى الفراولة الذي كان يحبه دانيال رغم أنني لطالما كرهت مذاقه المفرط في الحلاوة. أعددت كل شيء بثبات لم أعرفه عن نفسي من قبل.
استيقظ دانيال أخيرا يحمل تلك الغطرسة المألوفة التي تملأ كتفيه دائما بعد ليلة ظن فيها أنه أثبت سيطرته. تبع رائحة الفطائر نحو غرفة الطعام وعندما رأى الطاولة العامرة بالأطباق ابتسم ابتسامة الزهو التي يعرفها جسدي قبل عقلي.
قال وهو يسحب كرسيه بثقة
جيد يبدو أنك فهمت أخيرا.
لكنه توقف فجأة.
لم يعد ينظر إلى الطعام بل إلى الشخص الجالس أمامه. الشخص الذي لم يتوقع رؤيته هنا أبدا والذي لم يكن يرغب يوما أن يلتقيه داخل بيته بعد ما
كان مايكل هيوز أخي الأكبر.
الرجل الوحيد الذي كان دانيال يخشاه والذي قال له يوما بوضوح
إن مددت يدك عليها يوما فسأعرف. وسنتحدث حينها.
رفع مايكل عينيه نحوه ببطء وترك نظراته تستقر بثبات يخترق أكثر مما يعلو.
وقال بصوته العميق المربوط بانضباط غريب
صباح الخير دانيال. إميلي أخبرتني بكل شيء.
اختفت ابتسامة دانيال كما تختفي الحرارة عند أول هبوب للشتاء.
شد فكه وصلب كتفيه كمن يستعد لصفعة لا يعرف موعدها ولا اتجاهها.
دقات ساعة الحائط بدت أعلى من نبضات قلوبهم جميعا.
وضعت طبقا آخر على الطاولة وقلت بصوت هادئ ثابت لا يشبه المرأة التي كنتها بالأمس
اجلس يا دانيال لم ننته بعد.
وفي تلك اللحظة تغير كل شيء.
الخوف الذي ظل حاكما لبيتي لسنوات اصطدم أخيرا بالحقيقة التي لم أعد قادرة على إخفائها.
لم يجلس دانيال. كان رد فعله الأول هو التراجع محاولة استعادة السيطرة بالخطوة ذاتها التي اعتاد اللجوء إليها دائما لكن وجود مايكل منعه من ذلك. لم يكن السبب حجمه أو قوته بل الثبات الصارم في وقفاته ذلك اليقين الهادئ الذي جعله يبدو وكأنه ليس هنا ليكسر شيئا بل ليصلح ما انكسر منذ زمن. كان واضحا أن مايكل لم يأت ليصرخ أو ليشعل شجارا بل جاء لأن إميلي
جلست إميلي أولا على الكرسي عند طرف المائدة. لم ترتجف. لم تضم يديها بتوتر كما اعتادت حين يعلو صوت دانيال. كانت تبدو هادئة ثابتة كأنها تمسك خيطا جديدا من حياتها بيد لم تعد تخشى أن تجرح.
قال دانيال بنبرة حاول جاهدا أن يجعلها لطيفة إميلي أنت تعلمين أنني لم أقصد
قاطعته قائلة بصوت خافت لكنه ممتلئ بالعزم
توقف.
لم تكن تلك الهمسة انكسارا بل كانت حدودا.
وأضافت قلت ذلك في المرة السابقة. والتي قبلها. والتي قبل تلك.
عينا مايكل ظلتا ثابتتين على دانيال ترصدان كل تفصيلة صغيرةارتعاشة الفك تبدل وضع كتفيه نظرته المتكررة نحو الردهة وكأنه يبحث عن مخرج.
تابعت إميلي ما حدث الليلة الماضية لم يكن أول مرة تضربني فيها دانيال لكنه آخر مرة أصمت فيها.
اسود وجه دانيال غضبا. إذا ماذا أتيت بأخيك ليهددني
أجابت بلا تردد لا. أتيت به لأنني طلبت منه الحضور. لأنني كنت بحاجة لشخص يعرف منذ البداية أن هناك خطبا ما.
تدخل مايكل أخيرا لم آت لأهددك. لو كان ذلك هدفي لكانت هذه الجلسة مختلفة تماما.
ابتلع دانيال ريقه بصعوبة.
تابعت إميلي وقد بدا عليها أنها اختارت كلماتها بعناية سأرحل. اليوم. لقد جمعت أغراضي بالفعل. ولست
قال دانيال بصوت متكسر يمزج بين الغضب والذهول لا يمكنك فقط أن ترحلي!
فأجابته بنبرة مستقيمة أستطيع. وسأفعل.
قال مايكل بثقة لا تخفى يمكنك أن تصرخ أن تحتج لكنك لن تمنعها.
بدأ دانيال يتجول في المكان يضغط أصابعه على صدغيه في توتر يتمتم بكلمات مبعثرةحجج مالية عاطفية واهية أعذار مستهلكة اعتاد أن يلقي بها عليها كلما حاول تبرير أفعاله. لكن شيئا منها لم ينجح هذه المرة. كانت إميلي تراقبه دون أن ينكمش جسدها أو يضطرب نفسها كما اعتادت.
ثم توقف.
كأن شيئا انكسر داخل صدره.
لم يكن يخسر نقاشا كان يخسر الشخص الذي ظن أنه يملكها.
وقفت إميلي وأشارت إلى المائدة الفطور من أجلك. لأريك أنني لا أغادر بدافع الانتقام. أغادر لأنني فهمت أخيرا شيئا مهما
لم يكمل دانيال جملته. لم يقل شيئا أصلا. بدا عاجزا عن صياغة أي كلمة.
حملت إميلي حقيبتها وسار معها مايكل نحو البابليس كمنقذ بل كدليل على أنها لم تعد مضطرة للخوض في طريقها وحيدة.
الخارج كان مختلفاالهواء أبرد أنقى وكأن العالم كان ينتظر لحظة خروجها ليبدأ معها من جديد. وقفت على الشرفة لثانية ليس شكا بل لأن شعورا خفيفا بالتحرر مر في داخلها كتيار هواء دافئ.
فتح مايكل باب السيارة. هل أنت
أجابته كنت جاهزة منذ زمن كنت