من طفل منبوذ إلى رجل يختار المغفرة حين يعود الجلّاد طالبًا النجاة

لمحة نيوز

لأنك تستحق بيتا ولأنني أؤمن أنني قادر على أن أمنحك واحدا 
بكيت ذلك اليوم أكثر مما بكيت في سنوات لم تكن تلك الدموع الجافة الخائفة بل كانت دموعا دافئة مؤلمة مليئة بالدهشة 
هكذا تحولت حياتي نحو الضوء 
العيش معه كان أشبه بتعلم العالم من جديد 
كان له أربع بنات بالغات يزرنه أحيانا مع أولادهن استقبلنني بحفاوة وبدأن ينادينني أخي الصغير رغم أنني بلغت الخامسة عشرة 
دفع رسومي المدرسية اشترى لي ملابس جديدة ساعدني في الواجبات استمع إلي حين أتحدث أمر لم يفعله أي بالغ معي من قبل 
علمني كيف أؤمن بنفسي 
كان يقول أنت لست ما وصفوك به أنت ما تختار أن تكونه 
وببطء بدأت الأجزاء المكسورة داخلي تلتحم 
مرت سنوات أنهيت المدرسة الثانوية دخلت الجامعة درست بجد مدفوعا برغبة ليست في الانتقام بل في بناء حياة لا يستطيع أحد أن يسلبها مني 
وعندما تخرجت بكى ليس بصوت عال بل بابتسامة مرتعشة ودموع حاول إخفاءها 
قال هامسا ابني لقد رفعت رأسي 
كانت كلمة ابني شفاء بحد ذاتها 
بدأت العمل تدريبا أولا ثم وظيفة ثابتة استأجرت شقة صغيرة أرسلت المال شهريا إلى ملجأ الأطفال حاولت أن أرد شيئا مما منحته لي الحياة 
وأصبحت الرجل الذي لم أتخيل يوما أنني سأكونه 
ثم في الأسبوع الماضي ظهرت رسالة غريبة على هاتفي من رقم مجهول 
تجاهلتها أولا 
ثم جاء إشعار آخر 
وآخر 
وعندما فتحت الرسالة أخيرا
حبس نفسي 
كان عمي 
الرجل الذي وصفني يوما بأنني لعنة 
الرجل الذي ضربني 
الرجل الذي حطم طفولتي 
وجاء في رسالته 
أرجوك أريد التحدث إليك إنني مريض أبنائي تخلوا عني زوجتي ماتت وليس لي أحد 
أحتاج المغفرة والمساعدة أنت الوحيد المتبقي لي من العائلة 
حدقت في الشاشة طويلا 
واستمرت رسائله تتوالى 
ساعدني في فواتير المستشفى 
سامحني على ما فعلت 
أنا آسف 
لكن كل ما رأيته في خيالي كان طفلا في التاسعة يقف في الساحة ممسكا حقيبة صغيرة يتوسل الحب 
وكل ما سمعته كان 
أنت جالب سوء الحظ 
لقد دمرت حياتي 
خذوه! لا أريده!
حتى الآن رغم أنني رجل grown كانت الذكرى تطعنني بعمق 
وكل ما شعرت به كان ألما خافتا يخنق صدري 
لم أرد لم أعرف ماذا أقول لم أعرف كيف أشعر 
جزء مني يريد تجاهل رسائله إلى الأبد 
جزء آخر يتساءل هل مساعدته تفك آخر سلسلة تربطني بماض أليم
لكن جزءا ثالثا يهمس 
لماذا أنقذ الرجل الذي كاد يدمرني
ومع ذلك
لماذا أصبح مثله قاسيا بلا رحمة بلا إنسانية
كنت معلقا بين الجرح والأخلاق بين الصبي الذي كنته والرجل الذي أردت أن أكونه 
بعد يومين جلست في غرفة المعيشة أحدق في الهاتف وحنجرتي مشدودة جاء السيد كويكو في ذلك المساء لاحظ صمتي وجلس إلى جانبي 
وقال ما الذي يقلقك يا بني
ناولته الهاتف 
قرأ الرسائل ببطء تلين وجهه لا بالدهشة بل بالمعرفة 
تمتم
آه الماضي يعود 
أومأت برأسي 
سأل وماذا تريد أن تفعل
قلت لا أعرف 
اتكأ إلى الخلف يشبك يديه وقال المغفرة ليست لأجل الشخص الآخر إنها لأجلك أنت 
ابتلعت غصتي 
قلت لكنه لا يستحقها 
قال بلطف ربما لكن المغفرة ليست مكافأة إنها تحرير 
قلت وإن ساعدته هل يعني ذلك أن ما فعله كان مقبولا
قال بحزم لا بل يعني أنك ترفض أن تدع قسوته تحدد الشخص الذي أصبحته يعني أنك تختار الإنسانية لا الحقد 
وتوقف لحظة ثم قال 
لكن المغفرة لا تعني القرب ولا تعني النسيان ومساعدته ماليا خيار وليس واجبا 
أغمضت عيني فما الذي يجب أن أفعله
قال افعل ما يجلب لك السلام لا ما يجلب الذنب ولا الانتقام السلام فقط 
وضع يده على كتفي 
وقال مهما اخترت تأكد أنه خيار الرجل الذي أصبحته لا خيار الطفل الخائف الذي كنته 
تقلبت طوال الليل 
تذكرت الضرب والجوع والإهانات والخوف 
تذكرت الملجأ والمتطوعين والأغاني والأيادي الرحيمة 
تذكرت الرجل الذي تبناني وناداني ابني 
وفجأة تبلورت داخلي حقيقة 
لم أعد ذلك الطفل غير المرغوب فيه 
لم أعد ضحيته 
لم تعد حياتي تشكل بقسوته 
لقد أصبحت أقوى 
وليس بفضله
بل رغما عنه 
في الصباح التالي أمسكت الهاتف وكتبت رسالة قصيرة 
أنا أسامحك 
وأتمنى لك الشفاء 
سأرسل شيئا لعلاجك لكنني لا أستطيع التورط أكثر من ذلك 
اعتن بنفسك 
لم
تكن انتقاما 
ولم تكن قبولا 
كانت إغلاقا 
حجرا أخيرا أضعه فوق قبر الطفولة التي دمرها 
رد برسائل طويلة تتدفق فيها كلمات الامتنان كما لو كانت محاولة يائسة لإعادة كتابة تاريخ لا يمكن إصلاحه كتب مرارا وتكرارا أنه نادم وأنه أدرك متأخرا كم كان قاسيا وكم كان جاهلا وكم كان ظالما لطفل لم يطلب شيئا سوى الأمان توسل ترقب حاول أن يستدر شيئا من القلب الذي ظنه ما يزال مرتبطا به بطريقة ما 
لكنني لم أجب 
لم أشعر بالغضب ولم أشعر بالشماتة شعرت فقط أنني قلت ما يجب أن يقال وقدمت ما كنت قادرا على تقديمه لا أكثر 
وللمرة الأولى منذ زمن بعيد زمن يمتد من طفولتي حتى شبابي غمرني إحساس بالخفة كأن ثقلا عاش فوق صدري لسنوات قد رفع فجأة شعرت كأن سلسلة صدئة كانت تربطني بماض مظلم قد انكسرت بصوت لا يسمعه أحد سواي كأنني كنت أسيرا طوال عمري وأخيرا وجد المفتاح 
اكتشفت في تلك اللحظة أن القوة ليست في الرد ولا في الرفض ولا في المواجهة بل في القدرة على أن تختار نفسك أن تختار سلامك أن تغلق الباب برفق دون أن ترتجف يدك 
اخترت الرحمة ولكن دون أن أتنازل
عن سلامي الداخلي 
اخترت المغفرة ولكن دون أن أسمح لجراح الأمس أن تفتح أبوابها من جديد 
اخترت أن أكون الرجل الذي علمني أبي بالتبني كيف أكونه لا الصبي الخائف الذي كانوا يريدون أن أصير إليه 
لست مثاليا 
ولست حاقدا 
ولكنني قبل كل شيء وبعده إنسان 
إنسان
تعلم أخيرا أن النجاة ليست أن تهرب من الماضي بل أن تواجهه ثم تمضي قدما دون أن تلتفت

تم نسخ الرابط