قبل يوم الزفاف بساعات… اكتشف الحقيقة التي أخفتها خلف ابتسامة

لمحة نيوز

شيء في تلك الأيام كان يتغير وأن القدر بدأ يخط مسارا مختلفا طريقا لم يكن مرسوما لبشر بل كتب بعناية من قوة أعلى.
والبقية كانت على وشك أن تتضح.
خرجت مارينا إلى الردهة وجلست على المقعد الخشبي الطويل الملاصق للجدار لكن قدميها ظلتا ترتجفان بخفة كأنهما تحملان سرا أكبر من قدرتها. حاولت أن تهدئ أنفاسها إلا أن قلبها كان يخفق بشكل يزعج السكون حولها. كانت كلمات السيدة مارتا تتردد في ذهنها كصدى بعيد لكنه واضح
القلب يعلم حتى وإن ترددت الشفاه.
وضعت يدها على صدرها وكأنها تريد أن تخفف من ذلك الارتباك الذي لم تعهد مثله من قبل. لم تكن تريد السماح لنفسها بالتفكير في أي شيء يتجاوز حدود الصداقة والواجب. 
وبينما كانت غارقة في أفكارها فتح باب الغرفة بصمت وخرج رافاييل. وما إن رآها جالسة وحدها حتى توقفت خطواته لبرهة قبل أن يتقدم نحوها.
قال بصوت خافت
مارينا أردت أن أشكرك مرة أخرى. لا أعلم ماذا كنا سنفعل لولا حضورك في هذا الوقت.
هزت رأسها لتخفي ارتباكها وقالت
أنا لم أفعل سوى واجبي. السيدة مارتا تعني لي الكثير.
جلس قربها دون أن يبتعد كثيرا لكن دون أن يكون قريبا بما يكفي ليفسد حدود الاحترام بينهما. ومع ذلك كانت المسافة بين قلبيهما تقل كل لحظة دون أن ينتبها.
ظل صامتا لبضع ثوان ثم قال
مارينا أمي قالت شيئا لك
ترددت قبل أن تجيب
هي فقط عبرت عن امتنانها لا شيء غير ذلك.
نظر إليها طويلا نظرة تحمل في داخلها أسئلة كثيرة لم يجرؤ على طرحها. كانت عيناه تبحثان عن شيء خلف ملامحها الهادئة شيء طالما شعر به لكنه لم يفهمه إلا بعد أن انهارت حياته القديمة.
قال أخيرا
تعلمين في أصعب أيامي كنت دائما الشخص الذي يمدني بالثبات. حتى عندما لم أطلب ذلك.
أجابت بسرعة محاولة قطع الطريق أمام أي سوء فهم
رافاييل أنا فقط كنت حاضرة لأن والدتك تعني لي الكثير. ولأنك أنت أيضا صديق طفولتي.
توقفت عند الكلمة الأخيرة وكأنها جرح خفيف أحدثته بنفسها دون قصد. هو لاحظ ذلك.
اقترب قليلا وسألها
هل هذا كل ما أنا عليه بالنسبة لك صديق طفولة
شهقت بصمت. لم تتوقع السؤال ولم تكن مستعدة له. حاولت أن ترد لكن صوتها اختفى. نظرت إلى الأرض وشعرت بوجنتيها تحترقان.
أعاد السؤال لكن بنبرة أدفأ وأكثر رفقا
مارينا أنا لا أطلب منك إجابة الآن. ولا أريد أن أحملك شيئا لست مستعدة له. فقط أريد أن أفهم.
رفعت رأسها أخيرا وعيناها مضطربتان كأنهما تعترفان بما لا تملك شجاعة قوله. تمتمت
رافاييل أنت خرجت للتو من جرح كبير ومن خيبة مؤلمة. ما حدث مع باربارا كان صادما. أنا لا أريد أن أبدو كمن يظهر في لحظة انهيار كي يملأ الفراغ. هذا غير عادل لك وغير عادل لي أيضا.
صمت. ثم قال بصوت منخفض يكاد يكون همسا
مارينا الفراغ هو آخر شيء أشعر به عندما تكونين قريبة.
ارتجف قلبها في صدرها. لم تعرف ماذا تقول ولم تسمح لنفسها بأن تنطق بما تشعر.
وقبل أن تتمكن من الرد خرجت السيدة مارتا من غرفتها مستندة إلى الحائط. نهضا
فورا لمساعدتها.
قالت وهي تبتسم رغم التعب
أريد الجلوس في الردهة قليلا. أحتاج إلى بعض الهواء.
ساندها رافاييل من جهة وسندتها مارينا من الجهة الأخرى. جلست السيدة مارتا على المقعد ثم أمسكت بيدي الاثنين وقالت بلمعة خفيفة في عينيها
يا أولادي الحياة تمنح الإنسان فرصا لا تأتي كثيرا. والقلوب عندما تتطابق تستريح.
لم يفهم رافاييل تماما لم تقصد لكن مارينا فهمت جيدا. أحست بحرارة تتصاعد في وجهها فسحبت يدها بلطف من يد السيدة مارتا.
وقبل أن تقول شيئا سعلت السيدة مارتا قليلا فارتبكا الاثنان.
ابتسمت وقالت
هيا لا تنظراني هكذا. أنا بخير. الله أنقذني من شر كبير ولن يتركني الآن.
نظر إليها رافاييل بحنان وقال
أمي أنت قوية. ولن أدع أحدا يمسك بسوء بعد اليوم.
أمسكت بيده وقالت
كل ما أريده يا بني هو أن تعيش سعيدا بقلب مطمئن وعائلة حقيقية.
كانت تنظر في كلامها إلى مارينا أكثر مما تنظر إلى ابنها.
مارينا فهمت واحمرت وجنتاها أكثر حتى إنها قامت بسرعة بحجة جلب ماء للسيدة مارتا هربا من الموقف.
راقبها رافاييل وهي تبتعد ثم قال لوالدته بصوت منخفض
أمي هل تحاولين قول شيء
ابتسمت السيدة مارتا ابتسامة صغيرة ثم قالت بثقة
لا يا بني أنا لا أحاول قول شيء. أنا فقط أراه.
ولم يعلق رافاييل لكنه شعر بشيء في صدره يتحرك بطريقة لم يشعر بها منذ زمن ربما منذ قبل عاصفة باربارا بكثير.
وعندما عادت مارينا بالكأس كانت عيناها أكثر هدوءا لكن قلبها ما زال يخفق بسؤال لم تجرؤ على طرحه.
ربما الأيام القادمة ستحمله إليها.
مرت الساعات التالية بهدوء دافئ على غير عادة الأيام الماضية كانت السيدة مارتا أكثر اطمئنانا بعد أن تحسن حالها قليلا وكانت مارينا قريبة منها طوال الوقت تعطيها الدواء وتغير الضمادات وتتأكد من أن تنفسها طبيعي وأن نبضها منتظم. أما رافاييل فكان يجلس في الردهة يراقب كل شيء بصمت طويل كأنه يحاول إعادة ترتيب الدنيا بعد أن سقطت فجأة بين يديه.
وعندما مالت الشمس نحو المغيب أضيئت أضواء الممرات بلطف واكتسبت أركان القصر سكينة لم يعرفوها منذ أيام. خرجت مارينا من غرفة السيدة مارتا بصمت وأغلقت الباب بهدوء ثم التفتت فوجدت رافاييل واقفا خلفها ينظر إليها بنظرة لم تفهم معناها تماما.
قال بصوت منخفض
كيف حالها الآن
أجابته
أفضل بكثير. الألم خف والدواء بدأ يظهر مفعوله. لكنها تحتاج للراحة والأهم من ذلك تحتاج إلى أن تشعر بالأمان.
قال رافاييل وقد انخفضت عيناه قليلا
الأمان هذا ما افتقدته طوال هذه الأشهر وأنا كنت آخر من يعلم.
لم تعرف مارينا ماذا تقول لكنها رأت في عينيه شيئا يشبه الذنب العميق. تقدمت خطوة وقالت بصوت هادئ
رافاييل الألم ليس خطأك. أي شخص كان يمكن أن يخدع بمظاهر باربارا. هي كانت بارعة في التمثيل ومهذبة حين تكون الأنظار عليها. لا تحمل نفسك ما لا تستحق.
رفع رأسه نحوها وكأن كلماتها اخترقت شيئا داخله. قال
كنت أظن أنني ذكي بما يكفي للتمييز بين الصدق والزيف. لكنني
اكتشفت اليوم أن الإنسان أحيانا لا يرى حقيقة من أمامه إلا عندما ينهار كل شيء.
ابتسمت مارينا بخفة حزينة وقالت
نعم أحيانا نحتاج أن يسقط القناع كي نرى الوجوه الحقيقية.
ظل ينظر إليها طويلا حتى اضطربت نظراتها قليلا. شعرت بأن عليهما تغيير الحديث فقالت
هل تناولت شيئا لم تأكل منذ الظهيرة.
هز رأسه
لا لست جائعا. لكن إن كنت ستأكلين شيئا فقد آكل معك.
ترددت لوهلة ثم قالت
سأحضر شايا فقط. الجو بارد قليلا.
ابتسم ابتسامة خافتة وقال
شاي فكرة جيدة.
توجها معا نحو المطبخ وكان القصر ساكنا إلا من أصوات خفيفة تصدر من الأجهزة الكهربائية. دخلت مارينا أولا لتغسل يديها ثم وضعت إبريق الماء على النار. وقف رافاييل قرب منضدة الرخام يراقبها وهي تتحرك بخفة هادئة تماما كما اعتاد رؤيتها منذ أن كانا طفلين.
قال فجأة
مارينا أتذكرين عندما كنا صغارا وأنت كنت تصرين أن تضعي السكر في الشاي قبل الماء
التفتت نحوه وضحكت لأول مرة منذ بداية كل ما حدث. تلك الضحكة الصغيرة أعادت شيئا من الضوء إلى وجهها.
وكيف لا أتذكر أنت كنت تسخر مني دائما وتقول إنني أخالف قوانين الطبيعة.
ابتسم بخفة
وكنت محقا. من يفعل شيئا كهذا إلا أنت
قالت وهي تصب الماء الساخن فوق أوراق الشاي
الشاي يصبح ألذ هكذا وما زلت مقتنعة بهذا بعد كل هذه السنوات.
اقترب خطوة وأسند يده إلى حافة المنضدة قربها. قال بصوت منخفض
بعض الأشياء لا تتغير.
رفعت رأسها نحوه ووجدت المسافة بينهما أقرب مما ينبغي. قلبها خفق بسرعة غير معتادة فخفضت عينيها سريعا وقالت
سأحضر الأكواب.
أخذت تفلت بين الأدراج بخجل واضح. أما رافاييل فكان يتأملها بنظرة مختلفة نظرة لم يرها فيها من قبل ربما لأنه لم يسمح لنفسه أن يراها يوما. وفي تلك اللحظة العليمة القصيرة أدرك شيئا لم يكن مستعدا للاعتراف به بعد.
عادت مارينا تحمل كوبين ووضعت أحدهما أمامه. قال
شكرا
ثم صمت لكن الصمت لم يكن ثقيلا بل كان دافئا بصورة غريبة. جلسا على طاولة جانبية صغيرة قرب النافذة. ارتشفت مارينا الشاي بينما ظل رافاييل ينظر إليه دون أن يلمسه.
سألته
لماذا لا تشرب
تنفس بعمق وقال
كنت أفكر في شيء قالته أمي اليوم.
رفعت حاجبيها
وماذا قالت
قال دون أن يبعد عينيه عنها
قالت إن القلوب عندما تتطابق تستريح.
توقفت مارينا عن الحركة فجأة. انكمش قلبها وكأن أحدهم أمسكه بين يديه. حاولت أن تبدو هادئة وقالت
السيدة مارتا حكيمة كلامها دائما يحمل معنى عميقا.
قال لها
هل تعتقدين أن كلامها صحيح
أجابت بسرعة وهي تنظر إلى كوبها
بالطبع لكن ليست كل القلوب جاهزة للاعتراف بما تشعر.
اقترب منهما الصمت مجددا لكن diesmal كان أثقل أعمق أقرب إلى الحقيقة مما يريده الاثنان.
وبينما كان رافاييل على وشك أن يقول شيئا ربما شيئا كان سيغير كل شيء بينهما رن هاتفه فجأة. نهض بسرعة وهو ينظر إلى الشاشة ثم قال بصوت منزعج
المحقق يريد الحديث عن الإجراءات القانونية بشأن باربارا.
قالت مارينا
اذهب هذا مهم.
خرج
من المطبخ لكنه قبل أن يغادر تماما التفت نحوها وقال بنبرة منخفضة دافئة
سأعود لا تذهبي بعيدا.
وبقيت مارينا واقفة في مكانها وقلبها يضرب بجوفها كما لو كان يقف على حافة الاعتراف بشيء كبير شيء كان القدر يقودها نحوه خطوة بعد خطوة.
وهي لم تعد تعرف هل تخاف مما تشعر أم تخاف أن لا يكون الشعور متبادلا
خرج رافاييل من المطبخ بسرعة وهو يضع الهاتف على أذنه وسمعته مارينا يقول
نعم حضرة المحقق بالطبع. أنا متاح الآن.
ابتعد صوته تدريجيا في الممر لكن مارينا بقيت واقفة مكانها تنظر إلى البخار المتصاعد من كوب الشاي وكأن البخار يعكس ارتباكا داخليا لا تعرف كيف تهدئه. رفعت الكوب بيد مرتجفة قليلا وارتشفت رشفة صغيرة ثم جلست على الكرسي نفسها لكن قلبها لم يهدأ.
كانت تفكر في نظرته الأخيرة في نبرة صوته في تلك الجملة التي قالها قبل أن يخرج
سأعود لا تذهبي بعيدا.
لم تكن مجرد كلمات عابرة بل حملت شيئا لم تتوقع أن تسمعه منه يوما. شيء جعلها تتساءل إن كانت مخاوفها خلال الأيام الماضية بدأت تذوب أو أن القدر يدفعها نحو خطوة لم تعد قادرة على التخفي منها.
وبينما كانت غارقة في تفكيرها سمعت باب غرفة السيدة مارتا يفتح ببطء. نهضت بسرعة وذهبت نحوها فوجدت السيدة مارتا تستند إلى الحائط وهي تحاول أن تتقدم نحو الممر.
قالت مارينا بقلق
سيدة مارتا لماذا خرجت كان يجب أن ترتاحي.
ابتسمت السيدة مارتا تلك الابتسامة الرقيقة التي تذيب نصف الهموم
لا أريد أن أبقى وحدي في الغرفة أشعر بالأمان عندما أكون قريبة منكما.
ساعدتها مارينا حتى جلست في الردهة ووضعت وسادة خلف ظهرها لتجلس بطريقة مريحة. كانت السيدة مارتا تتنفس بهدوء لكن عينيها كانتا تراقبان الباب الذي خرج منه رافاييل.
قالت بصوت منخفض
هو متألم أكثر مما يظهر.
جلست مارينا بجانبها وقالت
هذا طبيعي كل ما مر به كان قاسيا جدا.
هزت السيدة مارتا رأسها ببطء وقالت
لا أتحدث فقط عن باربارا أتحدث عن قلب ابني يا مارينا. قلبه لم يعد يثق بسهولة.
تجمدت مارينا لثوان وكأن الكلمات انغرست في صدرها. لم تعرف كيف ترد. حاولت أن تتظاهر بالحياد فقالت
هو بحاجة للوقت وبعدها سيشفى بإذن الله.
ابتسمت السيدة مارتا ابتسامة خفيفة وكأنها ترى ما لا تراه مارينا. قالت
الوقت وحده لا يشفي يا ابنتي القلب يحتاج إلى من يعيد إليه الطمأنينة. والطمأنينة لا تأتي من الصدفة بل من الأشخاص الذين يضعهم الله في طريقنا لحكمة.
نظرت مارينا إلى يديها وقالت بخجل شديد
أنا لا أظن أنني الشخص المناسب لهذا النوع من الحكمة يا سيدة مارتا.
ضحكت السيدة مارتا بخفة وقالت
بل أنت أكثر من تدرك الحكمة لذلك تخافين منها.
رفعت مارينا عينيها بسرعة وقد شعرت بأن الحديث أصبح أكبر من احتمالها. لكنها لم تستطع الرد قبل أن يفتح باب القصر ويعود رافاييل.
كان يمشي بخطوات بطيئة يبدو عليه الإرهاق وكأن المكالمة مع المحقق استنزفت جزءا آخر من طاقته. لكنه عندما رأى والدته جالسة في الردهة و مارينا
بجانبها تغير شيئا في وجهه.
اتجه نحوهما مباشرة وانحنى ليقبل جبين والدته
أتمنى ألا تكوني قد تعبت بالخروج من الغرفة.
ردت السيدة مارتا
أردت فقط أن
تم نسخ الرابط