قبل يوم الزفاف بساعات… اكتشف الحقيقة التي أخفتها خلف ابتسامة
المحتويات
الردهة وجد مارينا تجلس على الأريكة يديها متشابكتان في حجرها وعلى وجهها مزيج من الحزن والقلق.
رفعت رأسها عندما رأته يقترب وقالت
كيف حالها الآن
جلس أمامها وقال بصوت منخفض
منهكة لكنها ستكون بخير. وجودك ساعدها كثيرا وأنا لا أعلم كيف أشكرك.
خفضت مارينا عينيها بخجل لطيف
لا تشكرني السيدة مارتا غالية على قلبي. ثم أنت تعلم أنني كنت سأقف معها حتى النهاية مهما كان الثمن.
نظر إليها رافاييل طويلا
نظرته كانت مختلفة عن كل مرة
كأن شيئا في داخله استيقظ فجأة أو كأن غمامة سحبت عن عينيه.
قال بصوت صريح
كنت دائما هنا يا مارينا قريبة منا مني ولم أر ذلك كما يجب.
رفعت رأسها إليه
وفي عينيها ظهرت تلك النظرة التي طالما خبأتها تلك التي تحمل مزيجا من الوفاء والصبر.
قالت بهدوء
لم أكن أريد شيئا لنفسي كنت فقط أريد أن تكون السيدة مارتا بخير وأن تكون أنت بخير.
اقترب قليلا كما لو أنه يسمع قلبه لأول مرة منذ مدة طويلة
أنا ممتن لك أكثر مما تتخيلين.
تنهدت مارينا ثم قالت بابتسامة بسيطة
الفضل لله أولا ثم لعدله. الحقيقة لا تبقى مخفية إلى الأبد.
ظلا جالسين في الصمت لثوان طويلة لم يكسرها إلا صوت الريح التي حركت ستائر الردهة.
كان الصمت مريحا دافئا يعكس راحة بدأ يشعر بها قلبان كانا مرهقين منذ فترة طويلة.
وبينما كانا يتحدثان لاحظ رافاييل شيئا على ساعد ماريناعلامة زرقاء بدأت تظهر حيث ارتطم جسدها بالحائط عندما حاولت حماية السيدة مارتا.
قال وهو يمسك ذراعها برفق
لقد آذتك أنت أيضا
ابتسمت بخفوت
لا بأس المهم أنها لم تؤذ السيدة مارتا أكثر مما فعلت.
نظر إليها طويلا وقال بنبرة جادة
لن أسمح لأحد أن يقترب منكم بسوء لا أنت ولا أمي هذا وعد.
وفي تلك اللحظة شعرت مارينا أن شيئا يتغير
شعرت أن الرجل الذي كانت تعرفه منذ طفولتها لم يعد الرجل الضائع خلف بريق زائف
بل عاد الرجل الصادق الذي كانت تربت على يديه الحياة بطيبة أمه وصبرها.
لم تكن تعلم أن هذا الوعد سيكون بداية مرحلة جديدة تماما.
في صباح اليوم التالي استيقظت السيدة مارتا باكرا رغم الألم الذي كان يسكن جسدها. دخلت مارينا إلى غرفتها ومعها كوب من الشاي الدافئ وساعدتها على الجلوس ببطء.
قالت مارينا
اليوم سيكون مختلفا لن يكون هناك خوف بعد الآن.
ابتسمت السيدة مارتا ابتسامة ضعيفة وأجابت بصوت خافت
الحمد لله الظلم لا يدوم أبدا يا ابنتي.
وخارج الغرفة كان رافاييل يقف عند الباب يستمع لكلمات والدته فتغمره رغبة شديدة في أن يعوضها عن كل لحظة ألم عاشتها في غيابه.
دخل بخطوات هادئة وقال
أمي سنبدأ صفحة جديدة. أنا معك ولن يقترب أحد منك بسوء بعد الآن.
أمسكت السيدة مارتا بيده بحنان وقالت
الله يحفظك يا بني أنا بخير ما دمت بخير.
ثم التفتت نحو مارينا التي كانت تقف بجوارها كابنة وفية وقالت
وأنت يا مارينا جزاك الله خيرا. وقوفك إلى جانبي كان نعمة.
احمر وجه مارينا خجلا وقالت
هذا واجبي أنتم عائلتي.
في الجهة الأخرى كانت
أرسلت عشرات الرسائل إلى رافاييل كلها تحاول ما استطاعت من تبرير واعتذار وتهديد وتوسل.
لكن رافاييل لم يفتح أيا منها.
أرادت أن تنقذ ما تبقى من صورتها إلا أن الحقيقة بدأت تنتشر بسرعة.
فقد سأل المدعوون عن سبب إلغاء الزواج في اللحظة الأخيرة ولم يجد رافاييل ما يدفعه لإخفاء الحقيقة.
قال بصراحة
لن أتزوج امرأة أساءت لوالدتي وعاملتها بقسوة. انتشرت الكلمات كالنار في الهشيم.
ولم تمض ساعات حتى بدأ الناس يبتعدون عن باربارا تتوالى عليها المكالمات الملغاة تنسحب منها شركات التعامل وتنهار صورتها الاجتماعية التي بنتها بعناية لسنوات.
كان كل شيء في حياتها يتداعى
وكما كانت تؤذي الآخرين في الخفاء خرجت حقيقتها للعلن.
وفي المنزل كانت مارينا تنهي إعداد وجبة خفيفة للسيدة مارتا وعندما خرجت إلى الردهة وجدت رافاييل يقف وحده مستغرقا في التفكير.
اقتربت منه وقالت بلطف
إلى متى ستتحمل كل هذا وحدك
تنفس بعمق ثم قال
كنت أظن أنني أفهم الناس لكنني كنت مخدوعا. كنت أنظر إلى المظهر لا الجوهر.
ثم رفع نظره إليها وقال بصوت صادق
مارينا أنت الشخص الوحيد الذي بقي معنا ثابتا دون مقابل دون تمثيل.
تلعثمت مارينا قليلا ثم قالت
أنا لم أفعل سوى ما كان يجب فعله السيدة مارتا إنسانة تستحق كل الخير وأنت كذلك.
اقترب منها خطوة وكأن شيئا في داخله يدفعه إلى قول الحقيقة التي طالما تجاهلها قلبه
مارينا في أصعب ليلة مرت على حياتي كنت أنت القوة والطمأنينة والصدق كل ما افتقدته منذ فترة طويلة.
تجمدت مارينا لوهلة.
لم تكن قد سمعت منه مثل هذه الكلمات من قبل.
لكنها تماسكت وقالت بابتسامة لطيفة
المهم الآن أن تركز على والدتك فهي تحتاجك كثيرا.
أومأ برأسه لكنه في داخله كان يعلم أن شيئا ما تغير
وأن هذا التغير لم يكن مجرد لحظة عابرة بل بداية جديدة لقلبه.
وفي تلك الليلة بعد أن نامت السيدة مارتا جلس رافاييل وحيدا في غرفة المكتب.
فتح هاتفه ورأى عشرات الرسائل من باربارا كلها محاولات يائسة للعودة.
لكنه لم يفتح واحدة منها.
بل قام بحذفها كلها.
ثم وضع الهاتف جانبا وأسند ظهره إلى المقعد وأغمض عينيه.
لأول مرة منذ أسابيع
شعر أن قلبه ينفس بعمق.
شعر أن الظلام الذي كان يخيم على بيته بدأ ينقشع.
وشعر دون أن يعترف لنفسه صراحة أن مارينا كانت الضوء الوحيد الذي أنار له الطريق من جديد.
جلست مارينا صامتة لثوان وقد أربكها كلام السيدة مارتا أكثر مما توقعت. لم تكن تعرف ماذا تقول ولا كيف يجب أن تتصرف أمام هذا الكم من اللطف والوضوح الذي يخرج من قلب امرأة قد مرت بكل ذلك الألم ومع ذلك ما تزال قادرة على الابتسام.
قالت بصوت خافت
أنا لا أظن أنني أفهم قصدك تماما يا سيدة مارتا.
ابتسمت السيدة مارتا تلك الابتسامة التي تحمل حكمة امرأة عاشت كثيرا ورأت أكثر مما ترويه الكلمات ثم قالت بهدوء
ابنتي لا يوجد شيء يحتاج إلى تفسير. بعض المشاعر لا تقال لكنها ترى وتسمع حتى
ساد صمت قصير قطعته مارينا وهي تمسك بطرف المفرش بيديها المرتعشتين
أنا لا أريد أن أسبب أي إرباك. وجودي هنا كان فقط لأساعدك وهذا كل شيء.
هزت السيدة مارتا رأسها بلطف وقالت
وجودك كان نعمة لي ولرافاييل.
شهقت مارينا بخجل وكأن قلبها خاف من أن يسمع العالم ما يختبئ فيه منذ زمن. وقبل أن تجد الكلمات دخل رافاييل الغرفة بخطوات هادئة وهو يحمل دواء والدته.
ابتسم وهو يقترب وسأل
كيف حالكما هذا الصباح
ردت السيدة مارتا بابتسامة واسعة
بخير خصوصا بوجود مارينا.
التفتت مارينا بسرعة لتنظر إلى الأرض محاولة إخفاء احمرار خديها. لاحظ رافاييل ذلك لكنه لم يعلق. اكتفى بأن يجلس قرب والدته ويقدم لها كأس الماء.
وبينما كانت السيدة مارتا تتناول دواءها رفعت عينيها نحو رافاييل ثم نحو مارينا وكأنها تريد أن تقول شيئا لكنها احتفظت به في قلبها.
بعد ذلك بقليل خرجت مارينا من الغرفة لتتركهما وحدهما لكن رافاييل لحق بها في الردهة. ناداها بصوت منخفض
مارينا لحظة.
توقفت دون أن تلتفت أولا ثم التفتت ببطء لتواجهه. رأى في عينيها شيئا لم يفهمه تماما خليط من الخجل والقلق وربما شيء آخر كانت تحاول إخفاءه منذ زمن.
قال رافاييل وهو يقترب خطوة
هل قالت لك أمي شيئا أزعجك لقد رأيت وجهك
هزت مارينا رأسها بسرعة
لا أبدا هي فقط كانت لطيفة معي.
نظر إليها رافاييل بصمت طويل ذلك الصمت الذي يدل على أنه يشعر بما لا يقال. ثم قال
مارينا إن كنت تشعرين بثقل أو ضغط أو أي إرباك فأرجوك أخبريني. وجودك هنا مهم لي ولها.
خفضت مارينا عينيها وقالت
أنا فقط لا أريد أن أساء فهمي. كل ما فعلته كان بدافع واجبي تجاه السيدة مارتا ولا شيء غير ذلك.
اقترب رافاييل خطوة أخرى حتى شعرت مارينا بدقات قلبها تتسارع. قال بصوت هادئ لكنه كان يحمل صدقا لم تسمعه منه من قبل
وأنا لا أريدك أن تختصري دورك بكلمة واجب. لقد كنت قلب هذا المنزل طوال الأيام الماضية بل طوال السنوات الماضية دون أن يلاحظ أحد.
رفعت مارينا رأسها نحوه في دهشة وأوشكت على الرد لكن صوت السيدة مارتا ناداها من داخل الغرفة فقطعت تلك اللحظة التي كانت قد تبدأ منها أشياء كثيرة.
ابتسم رافاييل ابتسامة خفيفة وقال
اذهبي إليها سأنتظر.
ومضت مارينا نحو الغرفة بينما بقي رافاييل واقفا مكانه يمرر يده في شعره بقلق لم يعرفه من قبل. كان يشعر أن قلبه يتحرك نحو طريق لم يتخيل يوما أنه قد يسلكه لكنه لم يعد قادرا على تجاهله.
وفي الداخل عندما دخلت مارينا الغرفة استقبلتها السيدة مارتا بنظرة طويلة مليئة بالمعاني. قالت بصوت منخفض يكاد يشبه الهمس
كل شيء سيأخذ وقته يا ابنتي لكن لا تخافي. القلوب تعرف طريقها.
رفعت مارينا رأسها ببطء وفي تلك اللحظة شعرت أن القدر بدأ يكتب سطوره التالية بصمت لكنها كانت سطورا مختلفة تماما عما ظنته يوما.
بعد الظهر بقليل وبينما كانت مارينا ترتب الأدوات الطبية على الطاولة الصغيرة إلى جانب سرير السيدة مارتا سمعت خطوات
ابتسمت السيدة مارتا فور أن رأته وقالت
يا بني لم يكن عليك أن تتعب نفسك.
اقترب رافاييل ووضع الصينية على الطاولة ثم رد بصوت لطيف
تعب أمي أنت كنت كل تعبي طوال حياتي وكل ما فعلته كان لأجلك. أقل ما أستطيع هو أن أكون إلى جانبك الآن.
لم تستطع السيدة مارتا منع دموعها من التجمع في عينيها لكنها مسحتها سريعا حتى لا يرى ابنها ثم قالت بخفة محاولة تغيير جو الغرفة
لو علمت أن كل هذا الحنان سيظهر الآن لأدعيت المرض منذ زمن.
ضحك رافاييل بخفة أما مارينا فابتسمت وهي تحول نظرها إلى الرف القريب حتى لا يلحظ أحد احمرار وجنتيها. كان الجو دافئا رغم الصمت الذي يسكن المكان وكأن شيئا جميلا يتشكل بين القلوب دون أن يحتاج إلى كلمات.
مد رافاييل الملعقة نحو والدته
أمي هل أساعدك
هزت رأسها بلطف وقالت
مارينا ستساعدني يدها أهدأ من يدك يا رافاييل.
ضحك بخفة وقال
إذن سأجلس هنا وأتعلم.
جلست مارينا على الكرسي القريب وبدأت تطعم السيدة مارتا بهدوء بينما كان رافاييل يراقبهما بعينين لا تخفيان امتنانا عميقا. كل حركة تقوم بها مارينا كل لمسة لطيفة كل كلمة مطمئنة كانت تؤكد له شيئا لم يعد قادرا على تجاهله.
وبين لقمة وأخرى قالت السيدة مارتا فجأة
رافاييل هل تعلم أنني أحلم بيوم أرى فيه بيتك مليئا بالضحكات والدفء من جديد
تجمد رافاييل لوهلة ونظرت إليه مارينا سريعا قبل أن تعود إلى وضعها الطبيعي. سألت السيدة مارتا بنبرة خافتة
أتعنين بعد كل ما حدث
ردت السيدة مارتا
ابني الحياة لا تتوقف عند سقوط قاس. أحيانا تلك السقطة هي الطريق إلى الشيء الصحيح.
شعر رافاييل أن قلبه يخفق بقوة. حاول أن يرد ببعض الكلمات لكنه اختار الصمت. أراد أن يقول شيئا لم يجد له صيغة بعد.
أنهت مارينا إطعام السيدة مارتا ثم رتبت الغطاء على جسدها وهمت بأن تقف لكن يد السيدة مارتا أمسكت بيدها فجأة. نظرت إليها مارينا في دهشة.
قالت السيدة مارتا بصوت منخفض لكنه واضح بما يكفي ليسمعه رافاييل أيضا
مارينا أنت منحت قلبي شيئا لم أشعر به منذ زمن طويل الطمأنينة.
تسمرت مارينا في مكانها وارتجفت أصابعها بحرج شديد ثم قالت
أنا لم أفعل شيئا يا سيدة مارتا أنتم عائلتي منذ الطفولة. هذا أقل ما أقدمه.
ابتسمت السيدة مارتا ونظرت إلى ابنها كمن يقول له شيئا دون كلام. شعر رافاييل بذلك لكنه أدار وجهه قليلا كي لا تلاحظ والدته ارتباكه.
دخلت إحدى العاملات لتسأل إن كان أحد يحتاج شيئا فاستأذن رافاييل وخرج ليرد على بعض الاتصالات المتعلقة بشركة العائلة. بقيت مارينا وحدها مع السيدة مارتا وبينهما لحظة هدوء دافئة.
قالت مارينا أخيرا
أرجو أن ترتاحي الآن. سأبقى في الردهة إن احتجت شيئا.
وقبل أن تخرج قالت السيدة مارتا بصوت رقيق لكنه ثابت
مارينا القلب يعلم حتى وإن ترددت الشفاه.
لم ترد مارينا لكنها أغلقت الباب
رفعت يدها إلى صدرها حيث كان قلبها يخفق بقوة غريبة كأن شيئا جديدا قد ولد بداخله دون أن تستأذن.
كانت تعلم أن كل
متابعة القراءة