حكاية الشعر الأخير… وحكاية الروح التي لم تنكسر
تراها يوما بعد يوم وتفكر
أي معجزة هذه التي تختبئ داخل طفل صغير
من أين يأتي كل هذا النور
وكانت كل مرة تمسك فيها رأس ابنتها تمسحه ببطء تشعر بأنها تمسح قلبها هي وتعيد ترتيب أجزائه.
ثم جاء ذلك المساء الذي جلستا فيه معا على الأريكة في غرفة المعيشة بعد يوم طويل من الفحوصات.
كانت تشارلي مرهقة لكنها تبتسم كما تفعل دائما.
قالت لها فجأة
أتعلمين يا ماما أحيانا أشعر أن شعري لم يذهب. فقط أصبح خفيفا مثل الهواء.
تجمدت الكلمات في فم الأم.
لم تكن تعلم أن الطفلة تفكر بهذا العمق.
كانت
لكن ما سمعته كان شيئا أكبر بكثير.
قالت الأم وكيف تشعرين الآن
أجابت تشارلي وهي ترفع كتفيها وتبتسم
أشعر أنني أنا فقط بدون شعر.
ضحكت الأم من قلبها ضحكة ناعمة لكنها مليئة بالراحة وضمت الصغيرة إليها بقوة كما لو أنها تخشى أن يسرق العالم منها تلك اللحظة.
مرت الأسابيع وظلت ابتسامة تشارلي جزءا لا يتجزأ من يومياتهما.
كانت الأم تقول في داخلها دائما
لقد أخذ المرض الكثير لكن شيئا واحدا لم يستطع أخذه أبدا نورها.
وبعد فترة حين عادت إلى صور تشارلي
لم تشعر بفقدان.
بل شعرت بنوع غريب من السلام كأن الصور أصبحت بوابة لذكرى جميلة لا لمأساة.
وعندما سألوها لاحقا عن يوم قص الشعر قالت
كنت أظن أنني أفقد جزءا منها لكن ما حدث هو العكس. لقد رأيت حقيقتها تشرق. ورأيت أن لا شيء يمكن أن يخفت نورها. لا المرض ولا الخوف ولا الألم.
أما تشارلي فقد ظل ذلك اليوم بنظرها يوما عاديا لكنه جميل.
يوما لم تشعر فيه بأنها تفقد شيئا بل بأنها تكسب شيئا جديدا.
شعورا بالخفة الحرية والراحة.
وكانت تقول دائما
ذلك اليوم جعلني أطير.
ولسنوات طويلة بعد رحيلها
كانت الأم تستعيد اللحظة نفسها ولا ترى دموعا ولا ترى مرضا ولا ترى خصلات شعر تتساقط
كانت ترى شيئا واحدا فقط
طفلة صغيرة تقف أمام المرآة وتضحك.
ضحكة تملأ المكان كله وتبقى حية حتى بعد غياب الجسد.
لأن ذلك اليوم لم يكن وداعا
كان ولادة جديدة.
ليس لشعر بل لروح.
روح كانت أقوى من المرض وأقوى من الألم وأقوى من النهاية نفسها.
وفي كل مرة تغمض فيها الأم عينيها تسمع تلك الجملة التي غيرت
إنه شعور رائع يا ماما.
وتبتسم.