حكاية الشعر الأخير… وحكاية الروح التي لم تنكسر

لمحة نيوز

يراها الكبار.
كانت ترى ما تبقى لا ما ذهب.
وترى الراحة لا الخسارة.
وترى الحرية لا الفقد.
وكانت تلك اللحظة بداية فهم جديد
فهم أن الروح يمكن أن تكون أقوى من الجسد وأن الابتسامة يمكن أن تكون أعظم من الألم وأن ضحكة طفلة يمكن أن تكون معجزة صغيرة تكسر ثقل العالم كله.
كان ذلك المشهد البسيط مشهد ضحكة صغيرة تتسلل من بين وجع كبير بداية شيء لم تتوقعه الأم. فقد كانت تظن أن الألم سيبتلع اليوم وأن القرار سيثقل روح طفلتها لكن الفتاة الصغيرة ببراءتها التي لا تعرف حدودا أعادت تعريف اللحظة. وكأن العالم كله بكل صخبه ومخاوفه وأحماله توقف لثوان ليشهد بساطة الفرح الذي يمكن أن يصنعه طفل حتى وهو في حضرة مرض يهد الجبال.
لم تكن الأم تتخيل أن تشارلي ستتقبل الأمر بهذا الهدوء. بل كانت تخشى في أعماقها أن يصيبها ارتباك أو أن تسألها لماذا يجب أن يحدث هذا أو أن تبكي حين ترى خصلاتها تسقط. كانت مستعدة أن تضمها إلى صدرها وتبرر لها وتخفف عنها. لكنها لم تكن مستعدة لتلك الضحكة. ضحكة خفيفة كأنها نسمة باردة مرت فوق جرح مفتوح فهدأته.
وقفت الأم وراء ابنتها تحاول أن تكمل ما بدأته لكن يديها لم تعودا ثابتتين. كان في داخلها شعور مختلط شيء يشبه الذنب وشيء يشبه الراحة وشيء آخر يشبه
الخوف من أن تكون هذه الضحكة مجرد سحابة عابرة تعود بعدها العاصفة.
لكن تشارلي أدارت رأسها قليلا وحدقت بوجه أمها ثم قالت جملة قطعت آخر خيط من خوف الأم
لا تبكي يا ماما أنا بخير.
كانت تلك الكلمات قادرة على أن تزلزل جبالا.
طفلة في السادسة تطمئن أمها.
طفلة منهكة تداوي قلبا آخر غير قلبها.
طفلة تقف على حافة وجع لكنها تختار الابتسام.
جلست الأم على ركبتيها أمام الصغيرة ومسحت دموعها بسرعة كي لا تراها مجددا ثم ابتسمت. حقيقية هذه المرة. ابتسامة امتنان أكثر من كونها ابتسامة قوة.
قالت لها أنت شجاعة يا تشارلي أشجع من كل الكبار.
فردت الطفلة ببساطة أنا فقط لا أريد أن يؤلمني شيء بعد الآن.
هذه الجملة ظلت تطن في رأس الأم طويلا ربما أشهر. كانت كلمات بريئة لكنها في الحقيقة مرآة للمعركة الثقيلة التي كانت تخوضها الصغيرة. كان المرض يسرق منها الكثير لكنه لم يسرق قدرتها على رؤية الأشياء بوضوح لم يستطع الكبار الوصول إليه.
بعد الانتهاء من حلق الشعر أخذت الأم الطفلة بين ذراعيها ورفعت رأسها نحو المرآة. لم تكن تريدها أن ترى فتاة مريضة بل فتاة قوية. فتاة تغيرت هيئتها قليلا لكن نورها الداخلي ازداد سطوعا.
ورأت تشارلي انعكاسها في المرآة فابتسمت ثم قامت بحركة طفولية صغيرة
رفعت ذراعها اليمنى في الهواء وكأنها بطلة خارقة وقالت
أنا تبدو علي القوة الآن!
ضحكت الأم وضحكت تشارلي ولأول مرة منذ فترة طويلة لم يكن في الوجوه أي أثر للخوف.
مرت الساعات التالية كأنها يوم بطوله.
كانت الأم تراقب ابنتها وهي تتحرك في الغرفة برأسها الحليق تلمسه كل لحظة تضحك كل بضعة دقائق وتعود إلى المرآة لتتفقد شكلها الجديد. كانت تلمس رأسها وترفع حاجبيها بأداء تمثيلي مضحك فتقول أنا مختلفة! ثم تدور حول نفسها كما لو أنها تتأمل نسخة جديدة منها ظهرت للتو.
وفي المساء حين أتى وقت النوم دخلا معا إلى الغرفة. أطفأت الأم الضوء وتركت مصباحا صغيرا مضيئا كما تفعل في كل ليلة مع تشارلي منذ بدأت جلسات العلاج. كانت تخشى الظلام ليس لأنها تخاف منه بحد ذاته بل لأنها كانت ترى فيه مساحة واسعة تكفي لزحف الأفكار المؤلمة.
لكن تلك الليلة كانت مختلفة.
كانت تشارلي مستلقية على سريرها يدها على رأسها تلمسه بخفة وكأنها تكتشف ملمسا جديدا للعالم.
قبل أن تغفو همست بصوت نعسان
لقد جعلتني أشعر بأنني حرة يا ماما.
توقفت الأم عند الباب لم تتوقع أن تسمع كلمة حرة من طفلة في السادسة. لكنها كانت تعرف ما قصدته.
حرة من الألم.
حرة من الخوف من التمشيط.
حرة من رؤية شعرها يسقط يوما بعد
يوم.
حرة من ربط كل خصلة بضياع جزء من حياتها.
وكان ذلك الفهم وحده كافيا ليجعل الأم تبكي بصمت وهي تقف أمام باب الغرفة تنظر إلى طفلتها التي غفت كالملاك.
تساءلت
هل كنت أنا التي تتمسك بشعرها
هل كنت أنا التي تخاف التغيير
هل كنت أنا التي تؤجل شيئا كان يجب أن أفعله منذ البداية
لم تجد إجابة لكن قلبها وجد راحة جديدة. راحة لم تعرفها منذ فترة طويلة.
وفي اليوم التالي حين استيقظت تشارلي كانت أول كلماتها
ماما هل رأيت كيف يلمع رأسي أشعر أن الهواء يلمسني!
رفعت الأم الطفلة واحتضنتها ومررت يدها على رأسها برفق فابتسمت تشارلي ابتسامة واسعة.
كانت تلك الابتسامة البسيطة ظاهريا أعظم من كل الكلمات التي كان يمكن أن تقال.
بدأت الأيام التالية بروتين جديد.
لم يعد هناك مشط ولا عقدة شعر ولا صراع صباحي يبدأ بالدموع.
كانت تشارلي تشعر بخفة.
وكانت الأم تشعر بأنها تخلصت من عبء لم تكن تدرك حجمه.
أما المرض فكان موجودا حاضرا لا يرحل بسهولة.
لكن شيئا فيه تغير.
لم يعد قادرا على أن يكون سيد اللحظات جميعها.
كانت روح تشارلي تلك الروح الصغيرة التي لم تنكسر تسرق منه المساحة يوما بعد يوم.
حتى الأطباء لاحظوا ذلك.
لاحظوا أن الطفلة أصبحت تبتسم أكثر وتتكلم أكثر وتتحرك بثقة أكبر.
ورغم
أن جسدها كان مرهقا إلا أن قلبها كان أقوى.
كانت الأم
تم نسخ الرابط