رأيتُ أبي يطلبُ سيارةً على الطريق… وما اكتشفته بعد أن توقّفتُ له حطّم قلبي وغيّر حياتي إلى الأبد
المحتويات
سنتيمتر من الأرض.
بدت كمن تحاول أن تضحك
محام ومعك أي براهين أبوك عجوز خرف وقع بإرادته. القاضي سيضحك عليك.
لكنني رأيت الخوف في عيني أدريان.
قلت
جئت لأتحدث مع إخوتي.
دخلت غرفة الجلوس. الأثاث الذي صنعه أبي بيده اختفى. في مكانه أريكة رخيصة وتلفاز ضخم. رائحة الغبار والطعام الفاسد تعبق في المكان.
قلت
أدريان برونو كيف استطعتم إنه أبوكم.
تقدم برونو وجهه محمر غضبا
ليس لك حق أن تقول شيئا! أين كنت هذه السنوات الثلاث بينما كنت تحصي الملايين في مدريد كنا نحن هنا نتعامل مع مزاجه وتعبه! أنت من تركنا!
ذلك هو السم الذي سقتهم إياه إستير.
قالت وهي تلتفت إليهم
ألا ترى هو من نال كل شيء. منحه كل الفرص. منحة دراسية ومستقبل في مدريد. وترك لنا ورشة متهالكة فقط.
قلت
كانت إرثكم وأنتم بعتموه كخردة أليس كذلك
صرخ برونو
اخرج من هنا! أنت غير مرحب بك!
هززت رأسي
أنتم لا تدركون ما فعلتم. وستدفعون الثمن.
صرخت إستير
اخرج من بيتي الآن وإلا اتصلت بالشرطة!
قلت بهدوء
اتصلي بهم. أخبريهم أن ابن الرجل الذي احتللت بيته موجود هنا. قولي لهم أن يحضروا الموثق الذي ساعدك في تزوير الأوراق.
رأيت الذعر يشق طريقه في ملامحها. كنت أعلم أننا أصبنا موضع الألم.
قلت
سنلتقي في المحكمة.
خرجت من البيت. وبينما أسير عائدا إلى السيارة رأيت شخصا مألوفا في الحديقة الصغيرة آخر الشارع. كانت فيرنندا تجلس وحدها تنظر إلى هاتفها.
اقتربت وقلت
مرحبا يا فير.
قفزت واقفة
لياندرو ماذا تفعل هنا سمعت الصراخ
قلت
ذهبت إلى البيت. لماذا يا فيرنندا لماذا سمحت لهم أن يفعلوا هذا بأبي
اغرورقت عيناها بالدموع
لم أكن أعلم يا لياندرو أقسم! قالت لي إستير إن أبانا أصبح صعبا وأن ما تفعله من أجل مصلحته. قالت إنهم سيضعونه في دار رعاية ممتازة
تشبثت بتلك الكذبة كما لو كانت طوق نجاة.
قلت
وصدقتها صدقت أن الرجل الذي أعطاك كل شيء فجأة صار عبئا وحين طردوه إلى الشارع هل كان هذا أيضا من مصلحته
شهقت
لم أكن موجودة ذلك اليوم. أرسلتني إستير إلى ملقة لشراء ملابس. حين عدت كان قد رحل. قالت لي إنك أنت جئت وأخذته وأنه يعيش سعيدا معك الآن.
شبكة الأكاذيب كانت متقنة.
قلت
أبي لم يكن في دار رعاية يا فير. وجدته أمس على الطريق يطلب توصيلة. كان يمشي إلى مدريد على قدميه ليبحث عني.
ضربتها الحقيقة كالصاعقة
لا مستحيل
قلت
هذه الحقيقة. والآن سنقاتل. أحتاج أن أعرف في أي صف أنت. معهم أم معنا
تركتها أمام هذا السؤال وغادرت. تلك كانت أول شقة في قلعة إستير.
في تلك الليلة عدت إلى مدريد لكن رفاهية البيت بدت كأنها سخرية مريرة. كان أبي يستيقظ مفزوعا من كوابيس
لا أرجوك هذا بيتي
توقظه ماريصول برفق
غييرمو استيقظ. أنت بأمان الآن.
قال وهو يرتجف
رأيتها حلمت
ثم راح يحكي لها عن تفاصيل الإهمال
في البداية كانت أشياء صغيرة. بعد أن سافرت أنت بدأت تنسى أن تعطيني دواء الضغط. تقول إنني عبء. عزلتني عن الجميع. توقفت عن الرد على مكالماتي. قالت إن أحدا لا يسأل عني. ظننت أن أصدقائي نسوني وأنك مشغول جدا عني. كان تعذيبا نفسيا بطيئا حتى لحظة التوقيع حينها كنت ركاما.
كانت ماريصول تبكي وهي تصغي
تلك المرأة شيطانة يا غييرمو. لكنك الآن لست وحدك.
كنت في الشرفة أتصل بالإنسانة الوحيدة التي تبقيني متزنا خطيبتي سيسيليا المهندسة المعمارية البارعة في برشلونة.
قالت بحنان
مرحبا يا حبيبي.
قلت بصوت مبحوح
مرحبا يا سي
قالت بقلق
ماذا هناك يا لياندرو صوتك سيئ.
قصصت عليها كل شيء الصمت لقائي بأبي على الطريق . قلت
الأمر أسوأ مما كنت أتصور. أبي محطم يا سي.
صمتت قليلا ثم قالت بحزم لطيف
اسمع يا لياندرو رييس ما تشعر به من غضب مفهوم. لكن لا تسمح له أن يلتهمك. أبوك يحتاج إليك قويا. وأنا معك في هذا. هل تسمع
قلت
لكن عملك
قالت
نحن فريق. أنت ستعيد لأبيك حقه. قاتل من أجله.
أغلقت الهاتف وأنا أشعر بقوة أكبر. دعمها كان مرساتي وسط هذا الطوفان.
في اليوم التالي عدت إلى مكتب ساندوفال في سبتة. أخبرته عن الإساءة النفسية وعن حرمان أبي من الدواء.
لمعت عينا ساندوفال
هذا يغير كل شيء. الأمر لم يعد مجرد نزاع مدني. نحن نتحدث عن إساءة لكبير سن وهذا جرم. الآن صار لدينا ما نطوق به إستير.
قلت
أظن أن الموثق الذي استخدموه فاسد.
قال
فريقي يحقق معه بالفعل. اسمه راميرو فارغاس. له سمعة سيئة في تزوير سندات الملكية. سنضغط عليه. لكن هناك مشكلة أخرى. محققي اكتشف أن إستير تتحرك بسرعة. عرضت البيت في سبتة للبيع البارحة. والورشة بيعت بالفعل. والأرض بيعت الأسبوع الماضي لشركة إنشاءات.
قلت بذهول
مستحيل هل تأخرنا
قال
قد نكون تأخرنا بالنسبة للآلات لكن ما زال بإمكاننا تجميد الأرض والبيت. إستير تحاول تصفية كل شيء وتحويله إلى نقد ثم الهروب على الأغلب إلى المغرب أو إلى البر الرئيسي. علينا أن نتحرك الآن.
سألته
كيف
قال
سأرفع طلب تجميد عاجل اليوم.
ثم قلت
خطيبتي سيسيليا مهندسة معمارية. يمكنها مراجعة خرائط الأرض للتأكد من قانونية البيع وسعرها الحقيقي.
ابتسم
أحب طريقة تفكيرك يا لياندرو. استخدم كل ما لديك من موارد.
بدأت الإجراءات. تقدم ساندوفال بطلب مستعجل إلى المحكمة. في الأثناء تواصلت مع سيسيليا فألقت نظرة على ملف الأرض.
قالت لي عبر الهاتف
لياندرو هناك شيء خطأ تماما هنا. باعوا الأرض بأقل من ثلاثين بالمئة من قيمتها السوقية. شركة الإنشاءات التي اشترتها تأسست قبل ثلاثة أشهر فقط. ومديرها ابن عم الموثق راميرو فارغاس!
كانت دائرة فساد كاملة.
قال
هذه كنز يا لياندرو. دليل على تواطؤ واضح.
في ذلك اليوم صدر قرار المحكمة. ذهب منفذ قضائي مع الشرطة إلى البيت في سبتة حيث كانت إستير في الحديقة تتحدث عبر الهاتف.
قال لها الشرطي
سيدتي هذا أمر قضائي. حساباتك البنكية مجمدة. وبيع هذه الملكية موقوف. وعليك المثول أمام المحكمة في جلسة قادمة.
وصل أدريان وبرونو في شاحنة جديدة. رأيا الأوراق والشرطة فاسودت ملامح أدريان وانفجر برونو غضبا
إنه لياندرو! ذلك الخائن اللعين!
صرخت إستير في وجهه
اصمت أيها الأحمق!
ولأول مرة تفقد سيطرتها.
في تلك الليلة رن هاتفي من رقم مجهول.
قال صوت مبحوح
اترك الأمور كما هي يا مدلل الأغنياء.
قلت بهدوء بارد
أهذه أنت يا برونو
رد
لا أعلم عمن تتحدث. فقط أحذرك. إستير لن تقف مكتوفة. ونحن كذلك. تريد حربا ستحصل عليها.
ثم أغلق الخط. سجلت المكالمة وأرسلتها لساندوفال.
قال
هذا ممتاز. دليل على تهديد ويظهر يأسهم.
في سبتة كانت الضغوط تؤتي ثمارها. بلا وصول إلى حساباتها لم تستطع إستير دفع أتعاب محامين. أدريان في حالة هلع
سيسجنوننا يا أمي! الموثق سيتكلم!
لكن الضربة الحاسمة جاءت من فيرنندا. صورة أبي على الطريق لا تفارق خيالها. تلك الليلة تسللت إلى مكتب إستير وهي نائمة تعرف رمز خزنتها الصغيرة.
في الداخل وجدت كشوف حساب بنكي في أندورا كانت إستير تحول المال إلى هناك تدريجيا حتى بلغ قرابة مئة ألف يورو. وبجانبها جواز سفر جاهز. كانت تخطط للهرب.
صورت فيرنندا كل شيء بهاتفها وغادرت المنزل قبل الفجر ركبت سيارة إلى الميناء ثم عبارة إلى الجزيرة الخضراء ومن هناك اتصلت بي.
قالت وهي تبكي
لياندرو أنا في طريقك. لدي شيء مهم أريك إياه.
التقينا في مقهى على البر الإسباني. أرتني الصور.
قلت
شكرا يا فير. هذا يغير كل شيء. يثبت أن كل شيء كان مخططا.
قالت وهي تنتحب
لا أريد مالا يا لياندرو. فقط هل أبي بخير هل يكرهني
قلت
أبي مجروح يا فير لكنه لا يعرف الكره. لكن عليك أن تكوني مستعدة لتقولي كل هذا أمام القاضي.
قالت بحزم جديد
سأفعل. سأفعل الصواب من أجل أبي.
مع شهادة فيرنندا أصبح لدى ساندوفال الدليل الأخير. طلب جلسة مستعجلة. أصدر القاضي تنبيها على الحدود بحق إستير. لكن الهدف التالي كان الموثق راميرو فارغاس.
دعاه ساندوفال إلى مكتبه.
قال له ببرود حاسم
لدي أدلة على تآمرك مع إستير في الاحتيال وغسل الأموال والإساءة لكبير سن. لدي كشوف حساب في أندورا وعقود بيع أرض بأقل من قيمتها لشركة يملكها قريبك. لديك خياران إما أن تسقط معها وتخسر مهنتك أو تصبح شاهد الادعاء الرئيسي.
انهار فارغاس واعترف
لقد ضغطت علي! قالت إن الرجل عجوز خرف
قال ساندوفال
ستكتب هذا كله حرفيا في إفادة رسمية.
جاء يوم
كنت في الصف الأمامي إلى جانب أبي وماريصول وفيرنندا.
حين رأت إستير ابنتها تجلس معنا تغير وجهها
خائنة! يا ناكرة الجميل!
صرخ القاضي
صمت في القاعة!
حاول محامي إستير أن يصور الأمر نزاعا عائليا بسيطا.
ثم وقف ساندوفال. استدعى أبي للشهادة. بصوت خافت لكن ثابت روى كل ما تعرض له من إهمال وإساءة نفسية وحرمان من الدواء والإذلال.
ثم دعا فيرنندا. قرأت أمام الجميع كشوف الحسابات الأندورية وقدمت صور جواز السفر والأوراق.
صرخت إستير
كاذبة!
لكن القاضي أسكتها.
بعدها استدعى ساندوفال راميرو فارغاس. اعتلى منصة الشهود وتلا اعترافه
جرى تضليل السيد غييرمو. أقنعته السيدة إستير أن الأوراق روتينية. كنت شريكا في الأمر.
ضجت القاعة. وقفت إستير تصرخ
خائن!
عندما أدرك أدريان أن اللعبة انتهت انهار باكيا
كانت هي! هي من فعلت كل شيء يا سيادة القاضي!
وأشار إلى إستير
قالت لنا إن أبي يكرهنا وإن لياندرو سيأخذ كل شيء. سممت عقولنا. سامحني يا أبي أرجوك سامحني!
سقط على ركبتيه وهو ينتحب.
تحول المشهد إلى فوضى. برونو إذ رأى أخاه ينهار انفجر غضبا
اخرس يا جبان!
وحاول أن يهجم علي
أنت دمرتنا!
لكن الحارس الشخصي اعترضه وثبته أرضا. كبلته الشرطة بالأصفاد.
كانت إستير شاحبة ترتجف منهارة.
قال القاضي وهو يتلو قراره
استنادا إلى شهادة الموثق واعتراف أدريان رييس تعد الوكالة العامة الممنوحة لإستير هرنانديث لاغية وباطلة. تعاد ملكية جميع الممتلكات إلى غييرمو رييس.
ثم تابع
وبالإضافة إلى ذلك يأمر هذا القضاء بحبس إستير هرنانديث وبرونو رييس احتياطيا الأولى بتهمة الاحتيال والتآمر والإساءة لكبير سن والثاني بتهمة التهديد ومحاولة الاعتداء في هذه القاعة.
كبلوا إستير بالأصفاد. وهي تساق خارج القاعة صرخت في وجه أبي
ستموت وحيدا أيها العجوز الأحمق!
أغمض أبي عينيه وماريصول تشد على يده.
أوقف أدريان أيضا لكن اعترافه خفف عنه لاحقا أما فيرنندا فبرأها القاضي.
أبي إلى صدري. كان يبكي بصمت لا حزنا هذه المرة بل راحة وانفراجا.
قال
انتهى يا بني الكابوس انتهى.
خرجنا من المحكمة. قلت لأبي
لنعد إلى البيت يا أبي إلى بيتك الحقيقي.
في الأشهر التالية بدأنا رحلة إعادة البناء. حكم على إستير بالسجن لسنوات وبرونو كذلك. أما أدريان فنال حكما مخففا مع خدمة مجتمعية وغادر سبتة خجلا. الموثق فارغاس خسر رخصته.
استرجع المال من أندورا. استخدمت جزءا من ثروتي لإعادة ترميم بيت أبي. أشرفت ماريصول على الديكور ملأت البيت نورا بعد سنوات الظلمة. بقيت فيرنندا في مدريد فترة تدخل جلسات
استعاد غييرمو عافيته تدريجيا. سكنه في مدريد وطعام جيد ودواء منتظم والأهم إحساسه بالأمان أعادوا النور لعينيه. بدأ يعود للنجارة شيئا فشيئا يصنع
متابعة القراءة