رأيتُ أبي يطلبُ سيارةً على الطريق… وما اكتشفته بعد أن توقّفتُ له حطّم قلبي وغيّر حياتي إلى الأبد

لمحة نيوز

أصرف مالا على أحد. كانت تختبئ في غرفتها كلما صرخت إستير علي وتعلي صوت الموسيقى. تظاهرت أنها لا ترى شيئا.
كان صمتها موجعا 
كنا في طريق العودة إلى مدريد. أقود السيارة بتركيز آلي بينما عقلي يحلل ما سمعه. كنت أعد ملفا ذهنيا. سأحتاج محاميا الأفضل في سبتة. لدي مال لأحارب. لكن أولا يجب أن أبعد أبي عنهم وأن أضعه في مكان آمن.
تابع أبي بصوت منخفض
منذ أسبوع كانت النهاية. جاء أدريان وبرونو وإستير. دخلوا غرفتيلم تكن غرفتي أصلا بل المخزن الذي ذكرته لك. كانت إستير تحمل حقيبة. هذه الحقيبة. وأشار إلى الحقيبة البنية في صندوق السيارة. أمسك بي أدريان من ذراعي أما برونو فكان عند الباب.
أغمضت عيني بقوة لم أحتمل صورة إخوتي وهم يمسكون بأبي بهذه الطريقة.
قال
لم يضربوني لكن دفعوني. رمت إستير الحقيبة على الأرض وقالت حط اللي تقدر عليه قدامك خمس دقايق. مش ساكن هنا تاني. لم أصدق. قلت لها فين أروح هذا بيتي. فضحكت في وجهي يا بني. ضحكت.
كان في المشهد قدر لا يحتمل من القسوة.
تابع
أشعلت الأوراق التي وقعتها في وجهي تقريبا. قالت البيت مش بيتك يا غييرمو. البيت بيتي وبيت أولادي. قالت أولادي وكأنكم لستم أولادها. وكأنك أنت بالذات لا وجود لك. أدريان وبرونو كانوا عند الباب يراقبون. لم ينطقوا بكلمة. نظرت إليهم وقلت يا أولادي ماذا تفعلون أدريان أدار وجهه. أما برونو فقال هذا جزاؤك يا أبي طول عمرك تفضل لياندرو علينا.
الغيرة كانت هناك دائما في الخلفية. أنا الابن الذي تفوق في الدراسة حصل على منحة للدراسة في الشمال حقق نجاحا في مدريد. إخوتي ظلوا في سبتة في ظل أبي وفي ظل أخي الغائب الناجح. إستير عرفت أين تضغط.
قال أبي
وضعت بعض القمصان وبنطلونين في الحقيبة وحين مددت يدي إلى صورة أمك ماريصول أخذتها إستير مني. قالت لن تأخذ هذه. هذه المرأة لا تستحق أن تكون صورتها في بيتي. ثم مزقت الصورة مزقتها أمام عيني يا بني.
ضربت لوحة القيادة بقبضتي. قسوة لا داعي لها إلا لإيلام قلبه.
قال
ثم بحثت عن دفتري الصغير الذي كنت أخبئ فيه رقم هاتفك. وجدته. قالت لي كنت ناوي تدور على ابنك المدلل ناوي تروح تشتكي له ثم ناولته لأدريان. مزقه قالت. ومزقه. بيده مزق الدفتر إلى ألف قطعة. قالت لي ما عاد لك أحد يا عجوز. انتهيت.
الخطة كانت شيطانية وبسيطة تجريده من كل شيء المال البيت ومن أي وسيلة ليصل لي.
قال
دفعوني إلى الخارج. رموا حقيبتي على الرصيف وأغلقوا الباب. بقيت واقفا لا أعلم كم من الوقت. الجيران كانوا يراقبونني من النوافذ لكن لم يجرؤ أحد على الاقتراب.
أظن أن إستير كانت قد ملأت رؤوسهم بالأكاذيبأنني خنتها أو أنني مصاب بالجنون.
أغمض عينيه مرهقا وهو يتذكر.
قال
تلك الليلة قضيتها في حديقة. كان الجو باردا. في اليوم التالي حاولت الذهاب إلى الورشة. ظننت أنني أستطيع التحدث مع أدريان أو برونو لكنهم غيروا الأقفال. كان هناك حارس على الباب. قال إن لديه أوامر بعدم سماح دخولي وأنه سيتصل بالشرطة إن اقتربت.
شعرت بموجة غضب هادرة تهز جسدي.
لقد عاملوا أبي كأنه مجرم في بيته.
تابع
تجولت في سبتة يومين. نمت على الشاطئ. طلبت طعاما فرفض كثيرون. لم أشعر في حياتي بمثل تلك الإهانة. عندها فهمت أنني لم أعد أنتمي إلى هناك. لن يساعدني أحد. فقررت أن لم يبق لي إلا أنت يا لياندرو. أنت وأمك. أعلم أنك تعيش في مدريد.
قال
أعطاني أحدهم عشرين يورو لأركب العبارة إلى الجزيرة الخضراء. صاح برونو ارجع للبر الرئيسي ولا ترجع مرة ثانية! فركبت وعبرت البحر. ثم بدأت أمشي. كنت أعلم أن مدريد شمال فبدأت أسير شمالا.
كان يهيم على وجهه في منطقة قادس منذ أيام.
قال
بعض سائقي الشاحنات رق لهم قلبي أوصلوني مسافات قصيرة أعطوني طعاما لكن غالبية الوقت نعم كنت أمشي. أنظر إلى حذائي هذا.
رفع قدمه. كان الحذاء مدمرا نعله ممزقا وجواربه مثقوبة يظهر من خلالها جلد متهتك.
شعرت كأني أغرق. قال
حاولت أن أشرح وضعي في إحدى محطات الحافلات لكن لم يكن معي مال. فواصلت السير على الطريق. قلت لنفسي إن بقيت أسير على هذا الطريق نحو الشمال ربما ربما يرسل الله معجزة فأراك أمامي.
وقد حدثت المعجزة.
حين وصلنا إلى شقتي في حي سلامنكا بدا المبنى الزجاجي الفاخر كأنه ينتمي إلى عالم آخر. في المرآب تحت الأرض كان غييرمو ينظر حوله كأنه في فيلم خيال علمي. التناقض بين عالمه الأخير وعالمي كان فاضحا.
قال بصوت متهدج
يا بني هذا كثير
قلت
لا يا أبي. هذا أقل ما تستحقه. هذا بيتك أيضا.
صعدنا في المصعد الخاص الذي يفتح مباشرة على غرفة جلوس واسعة بنوافذ تمتد من الأرض إلى السقف تطل على أفق مدريد. كانت ماريصول في المطبخ. امرأة أنيقة شاخت بكرامة. لما رأتني ابتسمت
رجعت بدري يا بني
تلاشى ابتسامها عندما رأت الرجل الذي يسير خلفي. وضعت يدها على فمها
غييرمو!
نزع أبي قبعته إلى صدره
مرحبا يا ماريصول مضى وقت طويل.
كان خجلا من مظهره لكن ماريصول لم تر الأوساخ ولا الثياب الممزقة بل رأت الألم في عينيه. 
قالت وهي تبكي
يا إلهي يا غييرمو ماذا فعلوا بك انظر إلى حالك!
راقبتهما وأنا أشعر بمزيج عجيب من الارتياح والحزن. قلت
أمي القصة طويلة وبشعة. إستير وإخوتي
طردوه. سرقوا كل شيء منه.
تصلب وجه ماريصول تعرف إستير جيدا. قالت بحزم
أولا سنعتني به. يا لياندرو حضر غرفة الضيوف. سأجهز له حماما ساخنا وأعد له شيئا يأكله. أنت في بيتك الآن يا غييرمو. أنت آمن.
بينما كانت ماريصول تساعده وتمنحه بعض ملابسي الواسعة عليه كنت أنا في مكتبي. الشمس تغرب تصبغ السماء بالبرتقالي لكني لم أر شيئا. شاشة الحاسوب وحدها تضيء وجهي.
عاد الغضب أقوى وأكثر تركيزا.
كنت أبحث عن أفضل مكتب محاماة مدني وجنائي في سبتة. لا يهمني الثمن. سأستعيد كل ما سرق من أبي. سأجعل إستير وأدريان وبرونو وفيرنندا يدفعون ثمن كل دمعة كل ليلة برد كل لحظة إذلال.
أجريت اتصالا
مساء الخير. أتصل باسم لياندرو رييس من شركة رييس تك سوليوشنز. أحتاج إلى استشارة عاجلة مع الشريك الرئيسي لديكم. الأمر يتعلق بقضية عائلية في سبتة نعم سأنتظر.
لقد أصبح المال الذي كسبته سلاحا لا زينة أشتري بها سيارات فارهة أو شققا فاخرة.
بعد أن حددت الموعد لليوم التالي في سبتة خرجت من المكتب. كان أبي يجلس على الأريكة نظيفا حليقا يرتدي بيجامة من الحرير يحمل فنجانا من الحساء. بدا أصغر بعشر سنوات لكن عينيه ما زالتا مثقلتين بالحزن.
جلست أمامه وقلت
ارتح هذه الليلة يا أبي. كل ونام. غدا أنا وأنت سنبدأ القتال. أعدك أنهم سيدفعون الثمن حتى آخر سنت. وسوف يرجون عفوك.
نظر إلي ولأول مرة منذ وقت طويل لمعت شرارة أمل في عينيه
شكرا يا بني. كنت أعلم أنك ستأتي.
في الصباح التالي تناول أبي إفطاره بصمت في المطبخ الفخم وماريصول تقدم له القهوة. كان يبدو كطيف في قصر ينظر من بعيد إلى أفق مدريد.
قلت وأنا أعدل ربطة عنقي
علينا أن نغادر يا أبي. عندنا موعد مع محام في سبتة. أفضل محام هناك.
سافرنا بالطائرة إلى ملقة ثم بالسيارة إلى الجزيرة الخضراء لنلحق بأول عبارة. فكرة العودة ولو لساعات كانت تملأه بالقلق. لكنه قال
أنا معك يا بني. افعل ما تراه صحيحا.
كان مكتب المحامي راؤول ساندوفال في مبنى تجاري حديث وسط سبتة. رجل في الخمسين أنيق للغاية نظراته حادة. استمع لقصة أبي ساعة كاملة دون أن يقاطعه.
ثم قال أخيرا
يا غييرمو ما وقعت عليه يسمى توكيلا. على الورق أنت من منحت لزوجتك إستير الحق القانوني لتفعل ما تشاء. استعادة هذا لن تكون سهلة. لقد تصرفت ضمن إطار قانوني منحته لها أنت بنفسك.
خفض أبي رأسه خجلا
لم أكن أعرف القراءة جيدا يا سيدي. وثقت بها.
تدخلت وأنا أكتم غضبي
هذا احتيال. استغلت ثقته وأميته. هذا استغلال واضح.
رفع ساندوفال يده يهدئني
لم أقل إنه مستحيل قلت إنه ليس سهلا.
لا يمكننا أن نقول إن التوقيع مزيف. علينا أن نثبت أن هناك إكراها وسوء نية واستغلالا لكبر السن. أحتاج إلى كل التفاصيل. كل مرة أهانتك فيها إستير كل مرة أساء فيها أبناؤها معاملتك. شهود جيران شاهدوا كيف كانوا يعاملونك.
قال أبي
كانت تتحكم في مالي. تقول إنه لا يوجد ما يكفي لدواء الضغط لكن المال كان موجودا دائما لشراء ما تريد هي وأبناؤها.
ابتسم ساندوفال ابتسامة صغيرة
هذا ما نحتاج إليه. سنجمد الأصول. سنثبت نمطا من الإساءة. إستير ارتكبت خطأ واحدا كبيرا يا لياندرو اعتقدت أن أباك وحده في هذا العالم. لم تحسب حسابك أنت.
وحين خرجنا قلت لأبي
لا أطيق الانتظار لرؤيتهم في المحكمة. أريد أن ينظروا في وجهي.
على الرغم من تحذير المحامي لي بتوخي الحذر كان في داخلي غضب بدائي يدفعني للمواجهة.
قدت السيارة في الشارع الذي نشأت فيه. استأجرت اثنين من الحرس الشخصي في سبتة تبعاني في سيارة أخرى.
قلت لأبي
أريدك أن تبقى في السيارة مع أحد الحرس. أغلق الأبواب ولا تخرج مهما حصل.
حين وصلنا بدت لنا تلك التي كانت يوما البيت كأنها شبه مهجورة. الدهان متقشر والحديقة التي اعتنى بها أبي سنوات باتت غابة أعشاب. تركت أبي في السيارة وسرت إلى الباب والحارس يرافقني.
طرقت الباب بعنف.
صمت ثم صوت خطوات بطيئة. فتح الباب قليلا وراء سلسلة أمان. كانت إستير.
قالت بحدة
مين ماذا تريد
قلت ببرود
افتحي الباب يا إستير. أنا لياندرو.
اتسعت عيناها. سمعت همسات مضطربة من الداخل
إنه لياندرو! جاء! كان صوت أدريان.
انزلقت السلسلة وانفتح الباب. وقفت إستير في المدخل بشعر مصبوغ بلون أشقر نحاسي لا يليق بها تحاول افتعال ابتسامة
أوه انظروا من عاد أخيرا. الابن الضال. هل فقدت شيئا هنا يا مليونير
خلفها في الظلال وقف أدريان وبرونو. أدريان لا يكاد يواجه نظراتي وبرونو ينظر إلي بحقد. أما فيرنندا فلم تكن موجودة.
قلت ببرود
سعيد برؤيتك يا إستير. أرى أنك تركت البيت ينهار.
ردت وهي تضم ذراعيها
أبوك ما عاد يقدر يعتني به. خسارة إنك جيت على الفاضي. أبوك ما عاد يعيش هنا. قرر يرحل. هو اللي تركنا.
الكذبة كان يمكن أن تضحكني لولا أني كنت مشتعلا من الداخل.
قلت
غريب. لأني وجدته أمس على قارعة الطريق يطلب توصيلة. هل قرر الرحيل حافي القدمين وبلا مال أيضا
شحب وجهها. قالت متلعثمة
ما أعرف عن شو عم تحكي. العجوز دايما يمثل دور الضحية. يمكن بعثر الفلوس اللي عطيناه له
قاطعتها
الفلوس اللي عطيتموه أو الفلوس اللي سرقتموها منه
فاحت غضبتها فجأة
انتبه لكلامك يا ولد! هذا البيت ملكي الآن. قانونا.
عندي أوراق تثبت هذا!
قلت
استمتعي بالبيت ما دمت قادرة. لأني للتو استأجرت أفضل محام في سبتة وسأستعيد كل شيء. كل مسمار كل
تم نسخ الرابط