قصة معلمة أنهت 40 سنة من التعليم بجملة قالها طفل في السادسة

لمحة نيوز

مرئية في الهواء.
إذا ضحكت يلتفتون بدهشة كأن الضحك لم يعد مسموحا في المدرسة.
وفي يوم آخر كانت هناك ورشة تصوير في المدرسة.
طلبوا مني أن أشارك لأنني أقدم معلمة.
وقف المصور أمامي وقال ابتسمي للكاميرا.
فعلت لكني لم أعرف كيف أبتسم بعفوية بعد الآن.
عدت إلى البيت نظرت إلى الصورة ولم أتعرف على نفسي.
كانت هناك امرأة بوجه هادئ لكن في عينيها تعب أربعين عاما من الحب المرهق.
في العام الأخير كان التعب قد صار جزءا من ملامحي.
لم أعد أضع أحمر الشفاه الصباحي
ولا أعلق الأقراط الصغيرة التي كنت أحبها.
حتى صوتي أصبح أهدأ وكأنني أخشى أن أوقظ شيئا نائما بداخلي.
وفي يوم من الأيام حين دخلت إلى الصف
وجدت طفلا جديدا يبكي بصمت
في زاوية الغرفة.
اقتربت منه سألته مالك يا حبيبي
قال ماما قالت لي لو عيطت تاني مش هتيجي تاخدني.
احتضنته وقلت له بس أنا هنا ومش هسيبك لوحدك.
كان هذا الموقف البسيط سببا في قراري الأخير.
أدركت أن هذا الجيل يحتاج من يعانقه لا من يقيمه.
وأنني لم أعد قادرة على القتال في نظام نسي معنى الرحمة.
حين حان وقت الرحيل جمعت أشيائي ببطء.
على الجدار لوحة رسمها أحد طلابي قبل عشرين عاما
صورة لي ممسكة بكتاب كبير فوقه كلمة بخط طفولي المعلمة البطلة.
ابتسمت وأنا أنزعها.
لم أكن بطلة كنت فقط امرأة حاولت أن تحب ما تفعله أكثر مما تحتمل.
في درج مكتبي وجدت صندوقا صغيرا مليئا بالهدايا القديمة
أساور بلاستيكية بطاقات من ورق ملون
رسائل مكتوبة بخط غير متقن.
واحدة منها قالت
أنا كنت خايف من المدرسة بس دلوقتي بحبها عشانك.
أغلقت الرسالة وبكيت طويلا.
لم يكن وداعي احتفالا.
المدير الجديد سلم علي وهو ينظر في هاتفه وقال الجملة المعتادة شكرا لك يا سيدتي.
ابتسمت رغم أنني كنت أعلم أنه لا يعرف حتى اسمي الأول جيدا.
خرجت من الباب
لكنني توقفت في الممر نظرت خلفي
ورأيت طاولات صغيرة وأكواب عصير نصف ممتلئة ولوحات الأطفال على الحائط.
كل زاوية كانت تحكي عني.
مددت يدي ولمست الحائط كمن يودع صديقا.
حين خرجت إلى ساحة المدرسة كانت الشمس تميل نحو الغروب.
الأرض مبللة من مطر خفيف.
سمعت ضحكات الأطفال في الخارج
وصوت أحدهم ينادي أمه شوفتيني يا ماما أنا جريت
بسرعة!
ضحكت وأنا أتمتم لسه فيهم الحياة اللي احنا نسيناها.
وصلت إلى البوابة الحديدية.
نظرت إلى الحارس وقلت له بابتسامة مرهقة
أنا خلصت يا جورج.
قال خلصت الشغل ولا خلصت العمر
ضحكت وقلت اللي اتنين يمكن.
مشيت في الشارع أحمل صندوق أوراقي القديمة
وشعرت بأن الخطوات الأولى خارج المدرسة كانت أخف مما توقعت.
كأنني كنت أتحرر من عبء ثقيل
لكن في الوقت نفسه أترك خلفي جزءا مني لن يعود.
في البيت جلست قرب النافذة.
فتحت الصندوق الصغير من جديد
وأخرجت ورقة مطوية كتبت فيها بخط قديم مرتجف
المعلمة ليست وظيفة بل نوع من الإيمان.
ابتسمت.
أغلقت الورقة وقلت لنفسي
نعم كنت مؤمنة.
أطفأت الأنوار وتركت النافذة مفتوحة.
ودخل هواء المساء
يعبث بستائري
وأنا أتنفسه كأنني أتنفس آخر درس في حياتي.

تم نسخ الرابط